Wednesday 3rd of June 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    22-May-2020

السرد المشكوك فيه: عندما يفقد القارئُ الثقةَ بالسارد

 القدس العربي-حسن سرحان

قلتُ في دراستي السابقة إن هناك مظاهر سردية عرفتْها وما تزال تعرفها الروايةُ المعاصرة، تستدعي التفكير وتتطلب المناقشة وتستلزم الدرسَ والتقصي من قبل المختصين. يعدُّ السرد المشكوك فيه والسرد المبهم إضافة إلى السرد المستحيل، الذي تحدثت عنه في مقالتي المنشورة هنا في «القدس العربي» مؤخرا، من هذه المشكلات المتأخرة من ناحية اهتمام البحث السردي بها إذ لم يبدأ الحديث عنها الا قبل فترة قريبة جداً بعد أن شكلت هذه الظواهر حرجاً وتحدياً لم يعد بالإمكان أن يتجاهلهما الباحثون والدارسون.
بالنسبة للمبدعين، لا غضاضة في أن يتكلم الموتى ولا جُناحَ في أن يسرد الحكاياتِ فاقدو أو ضعيفو الذاكرة والمصابون بالهلوسة والانفصام وغيرها من الأمراض العقلية. المشكلةُ تخص علم السرد أكثر من غيره فهو الملزَمُ بدراسة هذه المظاهر الجمالية «الغريبة» لكي يبتني لها الفضاء التنظيري المناسب. ما درج عليه بحثُنا النقدي العربي هو عدم التوقف أمام هذه «الخروقات» باعتبارها جزءاً من لعبة التخييل التي لا تسبب ضرراً لأحد. هذا الموقف، برأيي، سلبي، ويجب عدم القبول به والرضوخ إليه. وما محاولاتي اليسيرة سوى جهدٍ أوّلي في سبيل «عقلنة» هذا السرد الروائي المُشكِل وإمعان النظر بالعلاقة بين الباث له ومتلقيه، وموقف القارئ، بصفته المستقبِل النهائي للنص، من السارد ورسائله.
يعود الفضل في جذب الانتباه الى هذه المسائل التقنية ذات الطبيعة السيميائية الى علم السرد ما بعد الكلاسيكي. أجد من الضروري الكلام، ولو بسرعة قبل مناقشة فكرة المقال الرئيسة، عن الاختلاف بين علم السرد الكلاسيكي، وما بعد الكلاسيكي. ليس الأخير رفضاً للأول ولا نفياً له ولا طلاقاً معه ولا انفصالاً عنه ولا إلغاءً لجهود منظريه، بل هو إعادةُ فحصٍ للمنجز السابق واستمرارية له وتواصل معه وفيه، وتوسعة لحدوده وتطوير لفعالياته الإجرائية، ومحاولة لتجاوز الصعوبات التي اعترضت طريقه مثل الصوت السردي والتناص والعلاقات المتشعبة بين النصوص. تقع مساحةُ درسِ السرد المستحيل والمبهم والمشكوك فيه ضمن منطقة دراسة الصوت السردي. سأعود يوماً إلى البحث في الصلة المعقدة جداً بين الصوت السردي والسارد، لأن الكلام فيها الآن قد يشتت ذهنَ القارئ، وهذا ما لا أتمناه.
أكتفي، هنا، بإشارة واحدة عابرة سأطورها في دراسة مستقبلية: قد يحسب غيرُ المعنيين، وربما كثيرٌ من المعنيين أيضاً الصوتَ السردي تسميةً أخرى للسارد، والحال أن الأمر بعيد عن ذلك، إذ ليست العلاقة بين ذاك وهذا إلا علاقةَ الكلِّ ببعضِه والعامِّ بشئٍ منه والواسعِ بجزءٍ من أجزائه.
تتضح جملةُ المطالب المذكورة أعلاه التي تجعل العِلمَيْن مختلفين، في تجاوز علم السرد ما بعد الكلاسيكي للسؤالين المركزيين لعلم السرد الكلاسيكي: ما هي الحكاية؟ وما هو المشترك بين حكاية وأخرى؟ فهو ينتقل الى طرح أسئلة أكثر تفصيلاً ودقة وأبعد مدىً من قبيل: ما الذي يؤدي بالحكاية لأن تنمو وما هي الأسباب التي تدعوها لأن تضمر أحيانا وتموت؟ ما الذي يؤثر في طبيعة الحكاية؟ ما هي العوامل التي تجعل من حكاية ما قابلةً لان تُروى؟ إضافة الى أسئلة أخرى لا تقل أهميةً تتعلق بديناميكية السرد ودور المتلقي ووظيفة الحكاية، ومعنى هذه الحكاية أو تلك، وليس فقط عن الطريقة التي تنتج بواسطتها كلٌ قصةٍ ما تعنيه. رغم أهمية ما تقدم، يبقى التباين الأكبر بين الاثنين يتمثل في أن علم السرد ما بعد الكلاسيكي يعيد ربطَ النصوص بالمؤثرات الفاعلة في تكوينها، مثل سياقها الثقافي وبُناها التاريخية، الثيماتية والأيديولوجية معتمداً، خصوصاً، مناهجَ نقدٍ تنتمي إلى النسوية وما بعد الكولونيالية.
 
هناك علامات أخرى توقظ الشك لدى المتلقي وتوهن أكثر مصداقيةَ السارد وموثوقية حكايته، فليس عدم التذكر وحده، أو نقص دقته ما يدعو القارئ للارتياب في ما يقصه السارد من حكايات. حالات الهلوسة والانفصام هي من دواعي سوء الظن القوية بصحة الأحداث المنقولة على لسان سارد مصاب بهذا النوع من الاضطرابات العقلية.
 
أغلق القوسين الكبيرين وأرجع الى شاغلي الرئيس في هذا المقال. سأدرس، هنا، السرد المشكوك فيه على أن أخصص مقالي اللاحق لدراسة السرد المبهم، رغبةً مني في إيفاء كل مسألة حقها من البحث. السرد المشكوك به هو الذي يراود القارئَ ترددٌ كبير ومُبرَّر بشأن البتِّ بصحته والتسليم بحدوثه من الأصل، أو التردد في قبول الصيغة المقترحة من قبل السارد لوقوع الأحداث في الحكاية. قد لا تكون بنا حاجة هنا الى التأكيد على ان الكلام مختص، حصراً، بالرواية الواقعية دون سواها من الفنون السردية، التي لا يُستغرب وجودُ غير المعقول فيها. سببُ الشكِّ لدى القارئ هو وصول السرد عن طريق سارد غير جدير بالثقة، تدور الريبةُ حول سلوكه السردي المتعلق باستراتيجيات تمرير الحكاية إلى المروي له. أعني بالاستراتيجيات، الوسائل التي يعتمد عليها السارد في قص حكايته، كالذاكرة الشخصية، مثلاً، التي يؤدي ضعفُها أو عطبُها التام المؤقت أو الدائم، وباقي العوارض المحتمل أن تصيبها، إلى أن يضع القارئُ صدقية السارد وبالتالي صحةَ حكايته موضعَ شك. المعيار هنا هو معيار الصدق والكذب العرفيَّيْن، اللذين يحددان درجةَ المصداقية الممنوحة من قبل القارئ للسارد وحكايته.
قدرَ تعلق الأمر بالسارد، يبدو اختلافُ السرد المشكوك فيه عن السرد المستحيل بيِّناً ولا يحتاج إلى تفصيل، فالسارد في السرد المستحيل ممكن الوجود نصياً، وإن عزَّ عليه الوجود واقعا. أما السارد في السرد المشكوك به، فلا شيء يمنعه من الحضور إن على مستوى الواقع، وإن على مستوى النص، لكنه غير مؤتمن من ناحية المعلومات التي ينقلها إلى مستمِعه وهنا نقطةُ التقائه مع السارد المستحيل. ولأنه ليس أهلاً للثقة، يصبح الساردُ المشكوك به وسيطاً غير صالح لترحيل الرسائل السردية إلى المروي له، وبالتالي إلى القارئ. يبقى هذا الأخير، بحكم عادات القراءة الكلاسيكية التي لم تتمكن كلُّ نظريات التلقي من إلغائها، أو تفتيت سلطتها تماماً، في حاجةإلى «شخصية» يضع فيها كاملا أو جزءاً مهماً من ثقته، تمنحه الطمأنينة اللازمة كي يصدق الحكاية أو، في أقل الحالات، يتظاهر بتصديقها عندما يفطن إلى احتيال السارد عليه. الأكيد أن القارئ النبيه ليس أقل مكراً من السارد، فهو الآخر محتال، لكنه يكون محتالاً يُحتال عليه عندما يستدرجه السارد إلى لعبة القبول بروايته للأحداث، بالصيغة التي يقدمها إليه. في نهاية المطاف، الرواية لعبةُ كذبٍ مركّب، والساردون كلهم محتالون، غشاشون، مخاتلون، مضللون، كذابون من نمط خاص. أفضلهم، أكثرهم دهاءً وقدرةً على خداع القارئ وإسكاته ولجم اعتراضاته المتوقعة ومخاتلته، إلى حد توريطه في قبول الحكاية بالشكل الذي يتبناه السارد. بطبيعة الحال، ليس القارئ من السذاجة، بحيث يصدق كلَّ ما يقال له، إذ يكفيه الشكُّ دليلاً على نباهته وذكائه.
تبعاً لما تقدم من كلام عن المصداقية، نميز في علم السرد بين نوعين من الساردين: السارد الموثوق به والسارد غير الموثوق به. يكون السارد من الفئة الأولى، عندما يروي أحداثاً يمكن لمتلقي الحكاية تصديقها بعد التحقق من قابليتها على الوقوع، وساعةَ عرضها للاختبار على معارفه العامة وتجربته، وما يمكن أن يقبله واقعُه باعتبار هذا الأخير نموذجاً للممكن وغير الممكن من الوقائع. فإنْ قبل بها الواقع، اطمأن القارئ الى السارد وإن لم يقبل، ردَّ إليه بضاعتَه أو شاكسه بتكذيبه وكشف ألاعيبه. أما السارد غير الموثوق به فهو الذي يتقصد سرد مجموعة أحداث غير قابلة للإثبات وممكنة التكذيب بحيث لا يرضاها لا واقعُ القارئ ولا عقلُه عند مواجهتهما بها.
يثير السارد ريبةَ القارئ، ليس فقط عند روايته لما لا يُصدَّق، بل أيضاً عندما يبث، عامداً أو غير عامد، في روع القارئ شكوكاً بصدد قابلياته الذهنية، لاسيما تلك التي تمس الذاكرة، المصدر الذي يروي منه الأغلب الأعم من ساردي القصص. تختلُّ الثقةُ أكثر بين الاثنين، إذا ما اعترف السارد بنفسه، إن ما يسرده قد لا يكون حدث فعلاً أو لعله لم يحدث بالطريقة التي يرويها. في بداية رواية التلال الشاحبة (كذا العنوان في الترجمة العربية) للروائي كازوو ايشيغورو، تقول الساردة ما يأتي: «لعل ذاكرتي عن هذه الأحداث قد تشوشت مع الزمن، ربما لم تجرِ الأمور بالشكل الذي أتذكره اليوم». يشير هذا الاعتراف الصريح إلى أن الحالة السردية للساردة مؤسسةٌ على وهنٍ واضح يخص طاقاتها الذهنية. إن اعترافاً خالصاً كهذا لا بد أن يجعل الشك يأخذ طريقه إلى فكر القارئ بخصوص حقيقة الحكاية، أو دقة تفاصيلها في الأقل. لأن هذه الساردة صاحبةُ ذاكرة بلا موثوقية كبيرة، فإنها تصبح شاهداً غير صالح لا يمكن التعويل على شهادته، في ما يتعلق بالأحداث التاريخية (أحداث إلقاء القنبلة الذرية على اليابان) التي تستعيدها الرواية فشهادتها مشكوك فيها لصدورها عن ذاكرة غير جديرة بالثقة، وفق اعتراف صاحبتها نفسها، خصوصاً أنها تعاود زيارة ماض هو غامض أصلاً أصبح على مبعدة 20 أو 30 عاما من لحظة القص. الشك نفسه يتولد عند القارئ لرواية كامو «الغريب» التي يقول ساردها في أول مفتتحها: «ماتت أمي اليوم، أو لعلها ماتت أمس، لا أدري». كيف يُراد منا أن لا نشك في حكاية سارد لا وعي عنده للزمن؟ ولا إدراك لديه للحاضر والماضي، وقد اختلط عليه يومُه وأمسُه؟ قريب من هذا، الارتيابَ الذي يتركه في نفس القارئ برهانُ الكتبي، الشخصية الرئيسة في رواية «خسوف برهان الكتبي» للكاتبة العراقية لطفية الدليمي. مثل ساردة أيشيغورو، يعاني برهان من خلل في التذكر يقر به بنفسه عندما يقول إنه أصبح بلا ذاكرة.
هناك علامات أخرى توقظ الشك لدى المتلقي وتوهن أكثر مصداقيةَ السارد وموثوقية حكايته، فليس عدم التذكر وحده، أو نقص دقته ما يدعو القارئ للارتياب في ما يقصه السارد من حكايات. حالات الهلوسة والانفصام هي من دواعي سوء الظن القوية بصحة الأحداث المنقولة على لسان سارد مصاب بهذا النوع من الاضطرابات العقلية. في رواية غونتر غراس «طبل الصفيح»، نكون أمام سرد لا سبيل لتجاهل الشك الذي يزرعه فينا ساردُه المودعُ في مستشفى الأمراض العقلية، الذي يفتتح الرواية بجملة لا بدّ لها أن تحرك شكوكاً قد تبدأ ولا تنتهي عند القارئ: «أنا نزيل في مستشفى الأمراض العقلية، المشرف عليّ يراقبني، لا يتركني أغيب عن ناظره أبداً»، شبيه بهذا الشكَّ الذي يبثه فينا الحاجُّ كيان، ساردُ رواية «عرس بغل» للطاهر وطار، المصاب بالانفصام. وكذا الحال بالنسبة لخلف الله البرتاوي، سارد رواية «أيام الجفاف» ليوسف القعيد، الذي يعاني من تشوش عقلي واضطراب سلوكي، تؤكده الجمل التي تعكس وعيا مهتزا تتلاقى فيه وتختلط مشاعر وذكريات وانطباعات. غيرَ ما ذُكر، هناك أسباب أخرى تحفز القارئ على حجب الثقة عن السارد كأن يكون هذا الأخير أحول أو أعمى وشبهَ أمي، كما في رواية «عن لا شيء» يحكي للكاتب العراقي طه الشبيب التي يقول ساردها إن: «كل الأحداث التي مرت بي خلال حياتي أعتبر وجودها غير مؤكد مئة في المئة.. فلا شيء مؤكد في نظر أعمى». مثل هذه الأمثلة وغيرها كثير مما لا يحضر في ذهني الساعة، شواهد بيِّنةٌ على السرد المشكوك فيه يُضعف وجودُها، بل يحطم أحيانا كلَّ موثوقية للسارد ما يؤدي، في النهاية، إلى أن يفقد القارئ الثقةَ بإرسالات الشخصية التي تمرر الحكاية وتنظم مساراتها الدلالية، وترتب قوانينها اللسانية. هذه الخلخلة للعلاقة بين المرسِل والمستلم غير المباشر للرسائل السردية سيعمقها أكثر ويزيدها سعةً السردُ المبهم الذي يلعب دوراً معتداً به في زعزعة ثقة القارئ بالسارد بعد أن يدخله هذا الأخير في متاهات تربكه ودروب تشوش آليات تلقيه للحكاية.
 
٭ كاتب وناقد عراقي
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات