Friday 16th of November 2018 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    20-Jun-2018

الخروج من التّيه: رؤية جيوستراتيجيّة - د. خلدون امنيعم

 الراي - تكشّفت الأزمة الأردنيّة عن منظومة إشكالات معقّدة في تركيبها من جهة، ومزمنة في امتداداتها من جهة أخرى؛ ما جعل الملك عبداالله الثّاني بن الحسين يقف منها موقف الحليم الحائر..

ذلك أنّ جملة التّحديات الدّاخليّة والخارجيّة وضعت جمرها في كفّه، يقلّبها برؤية الخبير كيلا يحرق الدّاخل أو يرمي بلظاها الإقليم، دون أن نتكتم على حقيقتين:
الخذلان الإقليمي والدولي للأردن في محنته السابغة، نظرا لمواقفه القوميّة والإسلامية من ملفات عدّة، وقصور رؤية بعض أجنحة الحكم في الدّولة وتخبّطاتها وتصارعاتها الضيّقة على حساب الوطن؛ ما جعله يخوض معركة حماية الأردن وحدَه.
في هذا السّياق الملتهب، يمارس جلالته صلاحيّاته الدستورية كلما تفاقمت حدّة الإشكالات، بوقف تغوّل
الحكومات المتعاقبة على المواطن والوطن، وإقالتها، في ظلّ عجز المجلس النّيابيّ عن ممارسة صلاحيّاته بالرّقابة والتّشريع، وليس أقلّها إقالة حكومة الملقي سحب قانون الضّريبة، وهما مهمة مجلس النواب.
لكن المحزن المبكي يتمثّل في قصور رؤى الحكومات عن تمثّل خطاب التّكليف السّامي من جهة، وعدم وضع برنامج تنفيذيّ لتطبيق الرّؤية الملكيّة الإصلاحيّة التي طُرحت في الأوراق النّقاشيّة السّبعة، التي ارتكزت
على جوهر الفعل الدّيمقراطيّ وتمكينه نحو دولة مدنيّة، ومواطنة فاعلة، جذرها بناء القدرات البشريّة، وتطوير العمليّة التّعليميّة.
هُنا، يبرز التّساؤل الأخطر والأكثر جدوى في تاريخ الأردن المعاصر: "أليس منكم رجلٌ رشيدٌ؟"، قد يجيب
المتشائمون بالنّفي في ظلّ انحسار خيارات جلالة الملك في اختيار رؤساء حكوماته، الذين يلقون رضى شعبيّا من جهة، ويمتلكون قدرات خاصة على مواجهة المرحلة.. وهم محقّون في ذلك، في ظلّ العجز البرلمانيّ عن بلوغ الرّؤية الملكيّة للإصلاح السّياسيّ في تشكيل الحكومات البرلمانيّة، ما يكشف سعة الهوّة بين الرّؤى الملكيّة التّقدميّة والمدنيّة الصّاعدة، وانحدار الرّؤى لدى الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني وأجنحة الحكم وأجهزته.
لكن المتفائلين بالإيجاب، وصيغتها: بلى، قلّة! خاصّة أنه لم يصدر من الجسم السياسي الأردني ومؤسساته
المدنية أو البرلمانية خطاب شامل قادر على الإحاطة برصد الأزمات، وطرق معالجتها، وربطها بملف السياسة
الخارجية الأردنية، أستثني من ذلك ما أورده المهندس سمير الحباشنة في لقائه مع الإعلامي جلال شهدا في
برنامج "بلا حدود" على فضائية الجزيرة.
في هذا اللقاء القصير، كشف الحباشنة عن رؤية جيوستراتيجية عميقة، تكشف بوعي الخبير ودراية العارف حقيقة المشهد ومواطن الخلل وأسرار التأزيم في الحالة الأردنية القائمة على أزمات مركبة: سياسيّا واقتصاديّا واجتماعيّا، كاشفًا مبضعه لمعالجة الإشكالات العميقة والتشوّهات الفاضحة في جسد الدّولة الأردنيّة.
إذ يرى أنّ الخطوة الضّرورة تتمثّل في وجود حكومة قادرة على تطبيق الرّؤية الملكيّة المطروحة في الأوراق
النّقاشيّة السّبعة، بوصفها المخرج الحقيقيّ من إشكالات التّأزيم الدّاخليّ، للوصول إلى حكومة برلمانيّة ديمقراطيّة، تسهم في استعادة مؤسسات الدولة وتقويتها من جهة، ومراجعة النّهج الاقتصاديّ وربطه بالأبعاد الاجتماعيّة في مواءمة بين التّحوّلات الاقتصاديّة والسّياسيّة وانعكاساتهما على البِنى الاجتماعيّة، وأكد أنّ الإصلاحَ الدّاخليَّ وتمكين الجبهة الدّاخليّةـ من خلال حوار وطنيّ خلّاق ـ البوّابةُ الأولى الرّئيسة للخروج
من الأزمات، على أنْ يوازيها ويزامنها معا رؤية جيوسياسيّة مرنة، قادرة على خلق تفاهمات وتوازنات تصبّ في
المصلحة الوطنيّة والعربيّة، مبتدأها تطوير العلاقات والتّحالفات العربيّة من جهة، وخلق تحالفات جديدة إقليميّا ودوليًّا من جهة أخرى.
وتضمّن خطاب الحباشنة جملة من الإشارات المهمّة، أولاها: أنّ الرّؤية الوطنيّة الأردنيّة مبنية على فلسفة
أخلاقيّة قوامها الحقّ دون أن ترتبط ببراجماتية بشعة، وليس أدلّ على ذلك من الموقف الأردنيّ الثّابت
والجوهريّ والعصيّ على التغيّر والتّغيير بما يخصّ حقّ الوصاية الهاشميّة على المقدسات الإسلاميّة والمسيحيّة، وحقّ الفلسطينيّين بإنشاء دولتهم وعاصمتها القدس الشّريف.
كما وأشار إلى أنّ أمن الأردن وبقاءه واستمرار نمائه وقوّته مصلحة عربيّة، وإقليميّة، خاصة أنّه رهن قدراته لبناء
اقتصاد حرب، لا اقتصاد تنمية لقيامه بدور المواجهة مع إسرائيل على مرّ العقود السّابقة.
الإشارات الواردة في خطاب الحباشنة تتّسم بقدرتها على المكاشفة والمجابهة، فضلا عن ارتكازها على بعدين: وطنيّ وقوميّ أصيلين في السّياسة الأردنيّة، خاصة في تركيزه على أنّ الخروج من أزمات الأردن الإشكاليّة تقوم على جذرين:
الجبهة الدّاخليّة بمراجعة ملفّ التّحوّل الاقتصاديّ، والوصول لحكومة برلمانيّة.
وملفّ السّياسة الخارجيّة، وذلك من خلال التّوازن الدّقيق بالوقوف على مسافة واحدة من الخلافات العربيّة العربيّة، والمساهمة بحلّها من خلال خلق منصّات حوار دائمة وفاعلة، وإعادة العلاقات الأردنيّة السّوريّة، والعلاقات الأردنيّة القطريّة من جهة، وتفعيل التّعامل مع الملفّ العراقيّ، والإسهام في إنهاء الحرب في اليمن.
إنّ شفافيّة الطّرح، ووضوحه، وقوّته، وقدرته في القبض على مواطن الخلل والتّأزيم، ووضع خارطة طريق تستند على الرّؤية الملكيّة في الإصلاح سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا، سمات ثابتة في فهم الحباشنة لطبيعة الصّراعات التي يمرّ بها الأردنّ المعاصر.
ولا نستطيع أن نميل للظن ـ وفق هذا الفهم ـ إلى وجود ضوء في آخر النفق، بل إنّه ـ قطعًا ـ موجود في مختلف مسارات النّفق ومنحنياته، لكنّه يحتاج فضلا عن جرأة التّشخيص إلى فضيلة التّطبيق الجاد، ما يجعل من الأمل يقينا بالقدرة على الخروج من التّيه، في ظلّ رؤية مدنيّة وحداثيّة وعصريّة.
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات