Tuesday 2nd of March 2021 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    23-Feb-2021

الاعتدال الفلسفي في «طائر التمّ» لفهمي جدعان

 القدس العربي-الزاوي بغوره

لم يعد كافيًا، بعد صدور «طائر التم، حكايات جنى الخُطا والأيام» وصف فهمي جدعان بـ«المفكر العربي» وإنما يجب وصفه أيضا بـ«الأديب العربي» لا لأنه كتب سيرة ذاتية مثلما كتب غيره من المفكرين العرب، وإنما لأنه قدم سيرة ذاتية في شكل رواية أدبية وفلسفية حية، واختار الأسلوب السردي عن قصد، لأنه، كما يقول: «أبلغ من الخطاب الفلسفي – الذي ألفته طيلة عقود – في الكشف عن سريرة الكينونة الإنسانية وعن أغوار الوجود وحيله وتشخُصاته في الحياة الفردية والجمعية». خطاب معزز بحوارات حقيقية ومتخيلة، تظهر منذ الصفحات الأولى في ذلك الذي يجري بينه وبين نادلة مقهى (خوان فالديز كافيه) الفضاء المحبب إلى قلبه للراحة والعمل والكتابة معًا.
فإذا كان الأسلوب السردي يتمتع بسمات مختلفة عن الخطاب الفلسفي، فإنه في حالة صاحب كتاب «فتوحات شاردة لأنوار عربية مستدامة» (2019) لا يتعارضان، ومرد ذلك لأمرين: الأسلوب اللغوي الذي يميز الكتابات الفلسفية لفهمي جدعان، وفلسفته التي تقوم على مبدأ الجمع بين العقل النظري والعقل الوجداني، وهو ما حققته هذه السيرة ـ الرواية التي جمعت بين المصطلح الفلسفي الحاضر بقوة، والعبارات الأدبية الغنية في دلالاتها، والجميلة في أسلوبها.
 
عوالم مختلفة
 
وبحكم أن السيرة ـ الرواية تقدم عوالم مختلفة، ومستويات متعددة، وتجارب حياتية ترتبط بشخص صاحب كتاب «تحرير الإسلام ورسائل زمن التحولات» (2014) التي تبدأ بالشتات، وحياة المخيم، والدراسة في دمشق ثم في باريس، والتدريس في الجامعة الأردنية وسلطنة عُمان، والكويت، وقطر، والتنقل بين مختلف عواصم العالم محاضرًا ومقدما أبحاثه وآراءه الفلسفية في عديد الندوات والمؤتمرات، في قضايا الفلسفة الإسلامية والفكر العربي الحديث والمعاصر، وظهرت في جملة من الأعمال الفكرية المتميزة في طرحها ورؤيتها، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: «أسس التقدم عند مفكري الإسلام» (2010،ط 4) «المحنة بحث في جدلية الديني والسياسي في الإسلام» (2000،ط2) و«خارج السرب، بحوث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية» (2010) وغيرها من الأعمال الفكرية والفلسفية التي جعلته علمًا من أعلام الفكر العربي المعاصر، المتميز بأسلوبه، ومنهجه، ونظرياته ورؤاه التي كشفت عن بعض جوانبها سيرته الفلسفية.
 
وإذا كان من غير الممكن الوقوف عند مختلف أبعاد هذه التحفة الفنية والأدبية، فإن بعضها يحضر بكثافة دالة، ومنها على وجه التحديد ما يمكن تسميته بتجلي الحياة الفلسفية المعتدلة. حقا إن السيرة بما هي نوع أدبي، هي الفضاء المناسب للكشف عن الحياة الذاتية والفردية، ولكن في حالة صاحب «طائر التم» فإن هذه الحياة لا تبدو مثلما نقرؤها في سيرِ بعض المفكرين والفلاسفة، وكأنها جزء من أجزاء حياة المؤلف، ولكنها تظهر وكأن الحياة نفسها مشكلة فلسفية، وذلك ليس فقط على مستوى الاختيارات النظرية، أو المفاهيم المستعملة، وإنما في التفاصيل الصغيرة، والجزئيات المختلفة للحياة التي عاشها المؤلف، بحيث لا يكفي القول إن السيرة عبارة عن خلاصة فلسفية، وإنما يجب القول إن السيرة تقدم فلسفة فهمي جدعان في الحياة بكل تشعباتها وفصولها ومفاصلها وأصولها، وبحثها الدؤوب عن ذلك التوازن والانسجام بين الواقع والمثال، وبين المعطى المحدود والأمل الفسيح، وبين إكراهات اللحظة الآنية وإمكانات المستقبل، وبكلمة البحث عن ذلك الاعتدال الذي كان ولا يزال مطلب الفلاسفة العظام في القديم والحديث، وعلى رأسهم فلاسفة الرواقية.
يؤكد هذا المنحى ما اتسمت به السيرة من بحث دائم عن النفس والذات، وعبرت عنه مختلف فصولها بدءا بالفصل الأول: (ما قبل الكلام «برولوغوس») وانتهاء بالفصل الأخير: (طائر التم يفقد الرضى) وهو ما يعني استئناف السعي والعمل والبحث من جديد، وكذلك ما رسمه في بقية الفصول أو الأسفار الأربعة، سواء بمناسبة مواقف معينة، أو أحداث حياتية محددة.
وعلى الرغم من هذا البحث الدؤوب في أغوار الذات الوجودية والحياتية والواقعية، إلا أن سيرة صاحب «رياح العصر، قضايا مركزية وحوارات كاشفة» جاءت متوازنة ومتناسقة في مختلف جوانبها ومواضيعها وتحليلاتها، وشهادتها، وكأنها قطعة موسيقية جميلة، فلم تُفْرِط في (الذاتية) ولم تُفَرط في (الموضوعية) التي تسم بعض السير الذاتية، وبخاصة الفلسفية منها، سواء في حديثه عن نفسه وأسرته وقريته (عين غزال) أوعن وطنه المغتصب فلسطين ومختلف الأوطان العربية والغربية التي عاش فيها، أو في نقده لكثير من جوانب هذه الحياة الصعبة والمريرة، وبخاصة تلك المتمثلة في السلطوية الأبوية، وما أصابه من ظلم (ذوي القربى) وحوّله كما حوّل أعز وأحب إنسان لقلبه في هذه الحياة: أمه السيدة (عزيزة) إلى حالة لامرئية، أو في اعترافاته الصادقة التي خلت من كل شطط أو ادعاء كاذب.
ومع أنها كُتبت بضمير المتكلم، إلا أنها كانت (موضوعية) في طرحها، لا لأنها سجلت أحداثًا ووقائع سياسية واجتماعية وفكرية كثيرة، وتحدثت عن علاقات إنسانية متنوعة شرقية وغربية، عربية وأوروبية، بحيث يمكنني القول، إنها تفردت بالتعريف ببعض المفكرين والأصدقاء الذين نسج معهم صداقاته ومعارفه، بل إن هذا التوازن الصعب الذي لا نحققه بالأقيسة المنطقية، والحجج الجدالية، وإنما بنوع من الاعتدال الأخلاقي، والحس الجمالي، والإلهام الفني البديع، الذي يظهر أكثر ما يظهر في حديثه عن (الخصوم) أو بالأحرى عن كل أولئك الذين تسببوا له في الأذى بشكل من الأشكال، ولكن مع ذلك ذكرهم بإنصاف من غير غل أو حقد، مثاله في ذلك طائر التم في نُبله وعلوه وترفعه، ورمزيته التي أعطت لنص السيرة كثافة دلالية خاصة، ذلك الطائر الذي يشار إليه بأنه «طائر ملكي، نبيل، سام، ذو إهاب وجيه، وخطو مهيب، واثق معجب بنفسه، دائم الوفاء لمن يحب، تتملكه «الرغبة» بلا هوادة وتحمله على الهجرة إلى أماكن عديدة وبعيدة». وإنني أتذكر، وأنا أقرأ هذه التحفة الجمالية، أن فهمي جدعان كان يحدثني، بين الحين والآخر، عن رغبته في كتابة سيرة (موضوعية) وكنت دائما أتخفى وراء مصطلحاتي الأبستمولوجية، لأسأله: كيف يمكنك أن تكتب سيرة ذاتية موضوعية؟ ألاَ ترى في ذلك تناقضًا؟ وأنه كلما تعرضنا في لقاءاتنا الأسبوعية في أحد مقاهي أو مطاعم مدينة السالمية في الكويت، لموضوع سيرته الفكرية، وطرحت عليه السؤال الصوري المشروع في شكله، والخاوي في مضمونه، إلا ولاذ بالصمت، ومدّ بصره في الأفق البعيد.
 
حس فني بديغ
 
وكنت أقول بيني وبين نفسي إن صديقي إما هو في حيرة من أمره، أو أنه ينشد المستحيل، ولكنني الآن، وبعد أن قرأت «طائر التم» أدركت فحوى الصمت، ودلالة النظرة البعيدة، وبالتالي يمكنني أن أجيب عن سؤالي بلسانه الذي أصبح نصا جميلاً يقول لي ولكل قارئ: (إنك يا صديقي لا تعرف الفنان الذي يسكنني)! وبالفعل، فقد كتب فهمي جدعان سيرته بحس فني بديع، واستطاع أن يقدم لنا حياته وفلسفته في صورة جمالية حية، وتمكن أن يُحولها إلى أثر فلسفي وجمالي. وإذا ما كان الإبداع يعني تقديم رؤية مبتكرة للأشياء والعالم والحياة، والتعبير عنها بأسلوب جميل وصادق وحقيقي، فإن نص: «طائر التم حكايات جنى الخُطا والأيام» نص إبداعي بامتياز.
 
أكاديمي جزائري