Tuesday 2nd of March 2021 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    24-Jan-2021

الأختام العمونية.. تأملات في الأشكال والرموز

 الدستور

الباحث الأكاديمي والفنان التشكيلي زيد عدنان
استكمالا لموضوع سابق حمل عنوان (النحت العموني وتمثلاته الشكلية)، نحاول في هذا المقال تسليط الضوء على نوع اخر من انواع النحت مارسه الفنان العموني، وهو نحت الاختام المنبسطة، والاختام بشكل عام اكانت منبسطة ام اسطوانية، فهي احد ابتكارات وابداعات حضارة بلاد الرافدين ويرجعها المختصون الى حقبة الالف السادس قبل الميلاد، وهي عبارة عن قطع من الحجارة او العاج او الفخار او غيرها من المواد لا تتخطى اطوالها سنتيمترات في الاغلب الاعم، تُنحت عليها مشاهد واشكال ثم تطبع على الاطيان فتترك سماتها، لتكون رمزا تمثل صاحبها واثباتا لملكيته على الاشياء، وهي بمثابة التوقيع الاول في التاريخ ووسيلة تقنية لتنظيم المعاملات الخاصة عند البيع والشراء والائتمان، وتميزا للذات وابرازا للهوية الشخصية، وقد اخترعت الاختام قبل اختراع الكتابة وشاع استعمالها بشيوع الكتابة، وتعتبر اقدم نشوء لفكرة الطباعة والنسخ وتمثل الاساس لفن الجرافيك. وهي احد النتاجات الحضارية التي تستقى منها المعلومات في مجالات متعددة كالسياسة والاقتصاد والفنون والديانة والطقوس التعبدية، وتقسم الاختام الى قسمين رئيسين، اختام ملكية خاصة واختام عامة، وقد اتخذت اشكالا مختلفة، منها الدائري والبيضوي والمربع والمخروطي وغيرها من الاشكال، قد يثبت الختم على خاتم او يكون مثقوبا فيتم تعليقه حول العنق او الرسخ، ومن خلال الاختام يمكن معرفة المكانة الاجتماعية للاشخاص، فالتي تنحت بشكل دقيق ومن احجار كريمة تدلل على مرتبة صاحبها وسلطته وهيبته وثرائه، كما وترمز الى عبادة إله او الولاء لملك، والموضوعات المنفذة على الاختام تحيل الى رموز او قصص لها ابعاد دينية وتعبدية واسطورية، وقد تقدم الاختام كهدايا بين الملوك والشخصيات المهمة، ويمكن ان تكون نذورا وهبات للالهة، كما عثر على العديد منها في القبور لتدلل على استخداماتها في الطقوس الجنائزية، ووضفت لتكون تعويذات تحمي اصحابها وحماية لما يتم ختمه بها من الارواح الشريرة، وتذكر الدراسات في هذا المجال بان الشخص الذي يترك منزله، كان يغلق الباب ويلف المقابض بحبل عليه قطعة من الصلصال يقوم بختمها، وكذلك الممتلكات التي يودعها داخل الجرار يغلق فتحاتها بقطع قماش عليها طبقة من الصلصال ويختمها، لاعتقاده وايمانه بانها ستكون محمية من قبل الالهة او الملك المتمثل على الاشياء المختومة.
 
 لعل قلة المراجع المتوفرة والخاصة بطريقة النحت والادوات المستخدمة لعمل الاختام العمونية تجعلنا نتتبع دراسات مشابهة، فالتقنيات المستخدمة بصناعة الاختام المنبسطة لموقع تل اسمر بمحافظة ديالى في العراق على سبيل المثال والمقارنة قد تكون مشابهة لطريقة عمل الاختام في معظم الاماكن والحضارات ولريادتها في هذا المجال، حيث كشفت التنقيبات في ذلك الموقع عن وجود مجموعة من الادوات ضمت بعض المثاقب والازاميل والابر والمخارز وادوات ذات رؤوس مدببة ودقيقة استخدمت في نحت الاختام، اما عن اليات النحت فانها بحاجة الى دقة ومهارة، في زمن لم يتوصل العلم فيه الى انتاج اي نوع من العدسات المكبرة، كذلك فالاختام التي اشتملت احرفا وكتابات هي بحاجة الى تغير وعكس اتجاهها، فعلى سبيل المثال اذا كانت الكتابة من اليسار الى اليمين فعلى النحات عكس الكتابة لتكون من اليمين الى اليسار وانجازها على سطح الختم لتظهر بالاتجاه الصائب والسديد اثناء طبع الختم على الصلصال، كل ذلك يتطلب براعة وابداعا ودقة فائقة في التنفيذ. وقد اعتمد نوعان من الخامات في هذه الصناعة، مواد سهلة الحفر كالاصداف والاحجار الكلسية واحجار اللازورد والعقيق وغيرها من المواد، واخرى اكثر صلابة وقوة كالبازلت والرخام والجزع والجمشت والعاج وغيرها والتي تحتاج الى ادوات اكثر صلابة وقوة ودقة في عمليات الحفر، وقد يتم نحتها بادوات دقيقة صنعت من مواد برونزية وحديدية، كما واستخدمت بعض الاحجار القوية في عمليات الصقل النهائية لمحو علامات الحفر المراد ازالتها باستخدام مواد كالرمل والحصى المطحون الممزوج بزيت الزيتون او الماء، والتي تعطي المظهر والشكل النهائي للختم.
 
ضمت الاختام اشكالا فنية وتصاميم املتها متطلبات الحياة الاجتماعية والسياسية والمعتقدات الدينية حيث كان النحات ملتزما بالتقاليد والاعراف المتبعة، ومن خلال التمعن والاستقصاء لمجموعة من الاختام العمونية تظهر لنا اشكالا وموضوعات متنوعة في مقدمتها شكل الانسان الذي رافقته مجموعة من الرموز كالنجوم والاهلة والاقراص الشمسية ورمز المذبح والاشكال النباتية والطيور، وتظهر بعض الاختام شخصا يحمل صولجانا او عصا وهي اشارات تعبيرية لملك او من هو بمرتبة رفيعة، فالصولجان هو شكل او علامة سيميائية تدلل على السلطة والقوة، وظهرت بعض الاختام عليها انسان بوضعية الوقوف يرفع يديه الى الاعلى واختام لشخص جالس رافعا يديه للاعلى، وهي صياغات رمزية لمظاهر التعبد والدعاء والصلاة، جاءت بعض الاختام بمشاهد تقابلية لشخصين يفصل بينهما رمز لمذبح او نبات، للاشارة الى بعض من الممارسات الطقسية والدينية، كما ضمت بعض الاختام اشكالا لنساء عاريات رمزا لالهة الام ودلالة على الخصب. اما الاشكال المركبة الاسطورية فقد كانت حاضرة وبقوة في الاختام العمونية، فالاشكال الانسانية المجنحة  بجناحين  والمجنحة باربعة اجنحة ظهرت على اكثر من ختم وقد تكون رمزا للالهة (ايل).
 
 ومن المواضيع الاسطورية، صراع الانسان مع حيوان خرافي مجنح، وهو احد المشاهد الذي يجسد قوة وعظمة الملك المنتصر على اعدائه وخصومه، كما ظهرت اشكال مركبة لجسم انسان مجنح براس طائر او جسد ثور براس انسان وهي اشكال لاشباه الالهة وتمثلاتها الاسطورية وانعاس واستعراض لقوى حماية ووقاية، وهنالك اشكال حيوانية برؤوس طيور، وكذلك الحصان الاسطوري ذو القرن الواحد الذي يرمز للصفاء والنقاء.
 
 اما الحيوانات فقد مثلت وبتنوع كبير؛ فكان الثور الذي يرمز لالهة الرعد، واختام رأس الثور للحماية من الارواح الشريرة، وتذكر بعض المراجع على ان الثور هو رمز للاله (ملكوم)، والاسد رمز للحراسة والحماية ويرمز لالهة الشمش، والكبش رمز للفحولة والخصوبة، اما رأس الكبش فهو تعبير لحيوانات مملوكة للالهة (ملكوم)، والوعل رمز للخصوبة والتعايش والتاقلم مع البيئة، والقردة التي ترتبط باله الشمس، والافعى لحماية الشخص من المخاطر، والطيور رمز للانتصار ورسل للحب، اما الصقور فترمز لالهة السماء، والحيوانات التي ترضع صغارها رمز للتجدد والحياة والخصوبة والعطاء واشارة للالهة عشتار، اما الحشرات فقد ظهرت على الاختام العمونية كالخنفساء رمزا لاله الشمس.
 
 وظهرت اشكال رمزية اخرى كاقراص لتمثل اله الشمس او اله القمر، كما يعد القرص الشمسي المجنح رمزا للحياة المنظمة او رمزا لملك ما، والهلال رمزا لالهة السماء، والنجمة رمزا لالهة الخصب والجمال عشتار، ويظهر شكل المفتاح (عنخ) رمزا للحياة، وزهرة اللوتس رمزا للبعث والتجدد. 
 
في ضوء ما تقدم، يمكننا وصف الاختام العمونية بتنوعها الشكلي وغنى دلالاتها الرمزية، فهي تعكس عمقا حضاريا تسمو فيه المفردات من اشكالها التزينية والزخرفية لتمتد الى مدلولات فكرية تزاوج بين العناصر البنائية للاشكال والمضامين الفكرية المرتبطة بها.