Tuesday 23rd of July 2019 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    10-Jul-2019

تونس تحافظ على الهدوء وتمضي قدُماً بعد الهجوم الإرهابي الأخير

 الغد-هارون ي. زيلين* – (معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى) 3/7/2019

في 27 حزيران (يونيو)؛ أي بعد مرور أربع سنوات ويوم واحد على الهجوم الذي عانت منه سوسة، شهدت تونس هجومين انتحاريين مزدوجين استهدفا الأجهزة الأمنية في موقعين مختلفين من وسط العاصمة. ولكن، ما هي إلا ساعات حتى عادت الحياة إلى مجاريها في المدينة. وسرعان ما سلطت الحكومة الضوء على أن السياحة لم تتأثر -وهذه نتيجة مختلفة تماماً عمّا حدث بعد هجوم سوسة في العام 2015؛ حيث ألغت أعداد كبيرة من السياح زياراتها إلى البلاد وصرّح الرئيس الباجي قائد السبسي أن “الدولة ستنهار إذا ما وقع هجوم مماثل آخر”.
في واقع الأمر، ازدادت هذه الجمهورية الواقعة في شمال أفريقيا نُضجاً في التعامل مع التهديدات الأمنية المرتبطة بالجهاد؛ فقد توقف المسؤولون عن ترديد تلك الهواجس الوجودية، سواء أكان ذلك مبرراً أم أنه كان يهدف إلى إشاعة الخوف. ومقارنةً بالعام 2015، أصبح كلٌّ من الدولة والشعب أكثر استعداداً للتعامل مع تبعات الهجمات الأخيرة. لكن تضاؤل نسبة الشفافية فيما يتعلق باعتقالات الإرهابيين والروابط الظاهرة بالتعبئات الجهادية السابقة يجب أن تثير القلق بشأن انتقال تونس على نطاق أوسع من الميول الاستبدادية إلى الديمقراطية وسيادة القانون.
روابط بشبكات الماضي
في صباح اليوم السابع والعشرين من حزيران (يونيو)، قام انتحاري بتفجير نفسه بالقرب من مخفر للشرطة في وسط العاصمة تونس، متسبباً بقتل شرطي وجرح آخر وإصابة ثلاثة مدنيين. ومرتكب الجريمة الذي لم يُكشف عن اسمه هو من مواليد العام 1988، وينحدر أصلاً من باب الجديد في العاصمة، وكان يعمل سابقاً في الصناعات اليدوية في حي المدينة. وبعد الهجوم، تم اعتقال أحد المتواطئين، كما داهمت وحدات الأمن منزل مرتكب الجريمة حيث عثرت على مواد تُستخدم في صنع المتفجرات.
وبعد مرور عشر دقائق على الانفجار الأول، دوّى انفجار آخر بالقرب من الباب الخلفي لإدارة الشرطة العدلية بمنطقة القرجاني وأسفر عن إصابة أربعة من عناصرها. وحاول المهاجم، الذي وصل إلى المكان على متن دراجة هوائية، اقتحام مقر وحدة مكافحة الإرهاب في اللحظة التي فُتح فيها الباب وخرجت آلية للشرطة، مما دفعه إلى إطلاق الانفجار. وبينما ألمح مصدر أمني إلى أن الفاعل تلقى مساعدة للوصول إلى المكان، أفاد الناطق باسم الوحدة، سفيان السليطي، متحدثاً لـوكالة فرانس برس، بأنه تم اكتشاف هوية المهاجم، إلا أن هذه المعلومات لم يتم الكشف عنها علناً.
في وقت لاحق من ذلك اليوم، تبنّى تنظيم “داعش” المسؤولية عن التفجيرين، وترسخت مصداقية هذا البيان عندما أشار السليطي في اليوم التالي إلى ثبوت الرابط بين الهجومين. وفي غضون ذلك، أوقفت القوات الأمنية 25 شخصاً لاشتباهها بانتمائهم إلى تنظيم إرهابي أو التهليل للعمليات الإرهابية أو التورط في أعمال محظورة.
وفي إطار التحقيقات الجارية، داهمت الشرطة جامع الغفران في حي الانطلاقة وصادرت كمية كبيرة من المتفجرات. كما لاحقت العقل المدبر للهجومين وأردته قتيلاً، وهو المدعو أيمن السميري البالغ من العمر 23 عاماً، وفقاً لوزارة الداخلية. وكانت القوى الأمنية قد رصدته في البداية في محطة قطار حي الانطلاقة، وعند مواجهته أطلقت عليه النار فقام بتفجير حزامه الناسف، لكن أي ضحايا سواه لم تسقط في الانفجار، لحسن الحظ.
تجدر الإشارة إلى أن حي الانطلاقة هو مسقط رأس عنصر تنظيم “داعش” المدعو شمس الدين السندي، الذي كان قد خطط لتفجيري باردو وسوسة في العام 2015. وكان السندي يقيم في ليبيا في ذلك الوقت، ولكن مكانه الحالي غير معروف. وهذا الحي هو أيضاً أحد الأحياء التي نشط فيها التنظيم الجهادي “أنصار الشريعة في تونس” بعد الثورة وقبل إدراجه على قائمة الإرهاب في العام 2013، علماً بأن هذا التنظيم كان يسيطر على جامع الغفران خلال تلك السنوات، من بين جملة من المعاقل المحلية الأخرى.
من خلال مختلف الفعاليات والأنشطة، وبعضها موثق على وسائل التواصل الاجتماعي، عمل تنظيم “أنصار الشريعة في تونس” على نشر عقيدته بين غالبية سكان المنطقة، ليرسخ بذلك أفكاره الراديكالية في المجتمع. بل إنه اتبع النهج نفسه في مناطق أخرى من تونس ككل. وقد تعاطف كثير من المواطنين مع القضية الجهادية آنذاك لأن التنظيم بدا في بادئ الأمر وكأنه يقتصر على الدعوة والحوكمة. وفي حي الانطلاقة، على سبيل المثال، وزّع التنظيم الكتب والمؤلفات في الأسواق والمقاهي، وكلّف رجال الدين المتعاطفين معه بإلقاء المحاضرات الدينية، ونظّم حملات لتنظيف الأحياء السكنية، وقدّم المساعدات الغذائية للأُسر المحتاجة، وعقد دورات لحفظ القرآن، كل ذلك تحت شعار “أبناؤك في خدمتك”.
ومع أنه يصعب معرفة مدى تأثر الأشخاص المعنيين بهذه الأعمال، فهناك أمر واضح هو أن الكثير من عناصر التنظيم السابقين انخرطوا في حملات للمقاتلين الأجانب في الخارج وفي أعمال تمردية في الداخل. وتفيد التقارير الإعلامية المحلية بأن بعض هؤلاء المقاتلين عادوا إلى الوطن وأنهم يعيشون بحرية خارج السجن في حي الانطلاقة ومناطق أخرى من تونس.
المزيد من الاعتقالات، ثم المزيد من السرية؟
منذ مطلع العام 2014 وحتى اليوم، نفّذت قوات الأمن 1.411 عملية توقيف لأسباب جهادية، وفقاً لبيانات صحفية صادرة عن وزارة الداخلية ومثبتة من خلال مقارنتها بالتقارير الإعلامية المحلية. ومن الصعب معرفة عدد المعتقلين بالتحديد لأن الموقوفين يتضمنون مجرمين سابقين. ومع ذلك، كان هناك اتجاه تصاعدي في الاعتقالات السنوية المتعلقة بالجهادية: 32 في العام 2014؛ 163 في العام 2015؛ 262 في العام 2016؛ 404 في العام 2017؛ و521 في العام 2018.
هذا الاتجاه يجعل البيانات التي جُمعت منذ أواخر العام 2018 أكثر إرباكاً. فقد تراجعت وتيرة الإعلان عن الاعتقالات سريعاً منذ شهر تشرين الثاني (نوفمبر) بحيث لم تسجَّل سوى 29 حالة اعتقال في العام 2019. وبهذا المعدل، قد يكون المجموع السنوي أقل من ستين؛ أي أدنى بكثير من المعدل الملحوظ في السنوات الأربع السابقة.
قد يبدو هذا خبراً ساراً في البداية -كونه يعني أن قوات حفظ القانون في تونس أصبحت أكثر قدرةً على التمييز واستخدام المعلومات الاستخباراتية عوضاً عن الاكتفاء بتوقيف أي شخص يُشتبه بأن تكون له له أي علاقة ولو بعيدة بحادثة معينة. ولكن، من الممكن أيضاً أن وزارة الداخلية لم تعد تفصح عن عمليات التوقيف بشفافية مطلقة. ونظراً إلى المنحى المسجل في السنوات القليلة الماضية، لا يبدو منطقياً انخفاض الأعداد بهذا الشكل الجذري والسريع. ومن المعقول أن الأجهزة الأمنية تنفّذ فعلاً هذا العدد الضئيل من الاعتقالات، لكن هذا التراجع المفاجئ يستحق بعض الشكوك.
من المثير للاهتمام أن تَراجع البيانات بدأ بعد صدور مقالة المرصد السياسي في تشرين الأول (أكتوبر) 2018 لكاتب هذا المقال بشأن هجوم إرهابي نفّذته إمرأة منفردة في العاصمة التونسية بوحيٍ من تنظيم “داعش”. وقد استندت تلك المقالة جزئياً إلى المعلومات الواردة في البيانات الصحفية لوزارة الداخلية. ولذلك، فإن بدء البيانات المماثلة بالتلاشي مباشرةً في أعقاب نشر المقالة قد يكون محض صدفة، ولكن الأمر ملفت على أي حال.
إذا تبيّن أن بيانات الاعتقال الصادرة عن الحكومة غير مكتملة أو غير دقيقة حقاً، فسوف يواجه الباحثون المحليون والأجانب صعوبة أكبر في تقدير نطاق التوجهات الجهادية في تونس ومسارها، كما أن ذلك ينذر بالعودة إلى ممارسات أكثر استبدادية كان قد اتبعها النظام الحاكم في فترة ما قبل العام 2011.
توصيات السياسة العامة
أصبح المشهد الأمني في تونس اليوم أكثر تطوراً بشكل ملحوظ عما كان عليه قبل أربع سنوات. ولا بد من الإشادة بالتحسينات التي قامت بها الحكومة بمساعدة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والجزائر، في حين أن مرونة السكان تُظهر أن التأثير الذي ينشده الإرهاب المحلي قد فقد الكثير من قوته بمرور الوقت.
ولكن، بغض النظر عن هذا التقدم، لن يتوقف الجهاديون -العائدون منهم من الخارج، والخلايا المحلية، والسجناء الحاليون على حد سواء- عن محاولة إضعاف الدولة. ونظراً للسياق الهش الراهن للانتخابات المقبلة، والقلق من حالة السبسي الصحية، يجب على واشنطن أن تواصل دعم المساعي التي تبذلها الحكومة لجعل أمنها وقضائها ومنظومة سجونها أكثر تماشياً مع سيادة القانون في الإطار الديمقراطي. وينبغي أيضاً على المسؤولين الأميركيين أن يوضحوا لتونس أن الشفافية في كيفية تعامل أجهزتها الأمنية مع الجهاديين ستجلب على المدى البعيد من الحسنات أكثر مما سيكون لها من السيئات. وفي النهاية، عند التعمق في فهم الشبكات والمناطق الجهادية السابقة، يمكن استنباط الدلائل حول الأماكن التي قد تظهر فيها الأعمال الإرهابية في المستقبل، لأن هذا النوع من التعبئة لا يأتي من العدم.
 
*زميل “ريتشارد بورو” في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، ومؤلف الكتاب القادم “أبناؤكم في خدمتكم: المبشرون التونسيون بالجهاد” (مطبعة جامعة كولومبيا).
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات