Wednesday 22nd of May 2019 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    24-Apr-2019

نوتردام تنهض من الرماد: لماذا يهتم الناس بالمباني القديمة؟

 الغد-ترجمة: علاء الدين أبو زينة

 
تقرير خاص – (الإيكونوميست) 17/4/2019
 
يشكل تدفق المشاعر التي صنعها حريق الكاتدرائية دليلاً على أننا، على الرغم من قوى الانقسام المظلمة السائدة الآن، ما نزال جميعاً معاً. وفي وقت يشكل فيه صعود القومية تهديداً، يجعل الحزن المشترك الحدود غير ذات صلة فجأة. وعندما تصبح السياسة مستقطَبة، يمتلك حب الثقافة القدرة على التوحيد. وعندما يفصل التطرف المسلمين عن المسيحيين، والمتدينين عن غير المتدينين، فإن أولئك المنتمين إلى جميع الديانات وغيرهم من غير المؤمنين يحزنون معاً.
* * *
“ما هي الحضارة؟”، تساءل كينيث كلارك قبل 50 عاماً في سلسلة مهمة من الحلقات التي أعدتها محطة “بي. بي. سي” حول هذا الموضوع. وأجاب: “لا أعرف، ولا يمكنني تعريفها بعبارات مجردة بعد. لكنني أعتقد أنه يمكنني أن أميزها عندما أراها، وأنا أنظر إليها الآن”. والتفت ليشير خلفه، إلى دعامات جدران كاتدرائية نوتردام وأبراجها القوطية المرتفعة.
يبدو من غير الإنساني الاهتمام بمبنى أكثر من الاهتمام بالناس. وأن يكون مشهد نوتردام بينما تشتعل فيها النيران قد اجتذب اهتماماً أكبر بكثير من ذلك الذي اجتبته الفيضانات في جنوب إفريقيا والتي أودت بحياة أكثر من 1000 شخص، فشأن يثير مشاعر الذنب. ومع ذلك، فإن الحزن المنتشر والكثيف الذي أثاره مشهد برج الكنيسة المتداعي يظل في الواقع شعوراً إنسانياً بعمق -وبصورة خاصة لأنه يأتي في القرن الحادي والعشرين.
ولا يقتصر الأمر على الاقتصاد الذي أصبح معولماً اليوم فحسب، بل هو يتعلق بالثقافة أيضاً. فالناس لا يتجولون في العالم بحثاً عن الوظائف والأمان فحسب، وإنما يبحثون أيضاً عن الجمال والتاريخ. والألفة تولد المودة. ويصبح مبنى استرحتَ يوماً على درجاته المشمسة، والتقطت لنفسك صورة أمامه مع أحبابك، جزءاً دافئاً من ذكرياتك، وبذلك جزءاً من نفسك. ويساعد هذا على تفسير حالة الحزن والحداد على ما الكاتدرائية في الصين -كان تطبيق WeCha، الوسيلة الرئيسية التي يتحدث بها الشباب الصينيون إلى نفسهم، يغص بالقصة، كما أرسل شي جين بينغ، رئيس البلاد، رسالة تعزية إلى إيمانويل ماكرون، نظيره الفرنسي- بينما كانت الهند غير مبالية إلى حد كبير. فالسياحة من الهند إلى الغرب مجرد قطرة في بحر مقارنة بفيضان الزوار القادمين من الصين.
لقد وهب هذا العصر البصريُّ الجمالَ قوة جديدة، وحولت وسائل التواصل الاجتماعي الأعمال الفنية العظيمة إلى شخصيات بارزة مثل النجوم. ومع ذلك، حققت القليل منها هذه المكانة. ومثلما لا يوجد سوى حفنة من الممثلين المشهورين على مستوى العالم، فإن مجموعة الرموز الثقافية المعروفة عالمياً صغيرة جداً: الموناليزا؛ وتمثال داود لمايكل أنجلو؛ وتاج محل؛ والهرم الأكبر، ونوتردام. كما أن الكارثة، أيضاً، بصرية. في غضون 24 ساعة من بدء الحريق، تجاوز عدد مشاهدات مقاطع الفيديو التي انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي للكاتدرائية المحترقة ربع مليار مشاهدة.
مع ذلك، لم تكن المشاعر التي أثارها المشهد تتعلق بالمبنى نفسه بقدر ما تتعلق بما قد يعنيه فقدانه. فنوتردام تعبير عن الإنسانية في أفضل حالاتها الجماعية. لا يمكن لأحد أن ينظر إلى هذا السقف المقبب بدون أن يتساءل عن العبقرية التراكمية لآلاف الحرفيين المجهولين الذين جسدوا، على مدار قرن ونصف، رؤية عظيمة للغاية في طموحها الهيكلي، وبالغة الدقة في تفاصيلها المنقوشة باليد. وقد شكلت نجاتها وبقاؤها على مدى 850 عاماً من الاضطرابات السياسية -خلال الحرب، والثورة، والاحتلال النازي- وشيجة تربط الحاضر بالماضي.
كما أن الحريق يربط الناس بعضهم بعضا. ويشكل تدفق المشاعر التي صنعها الحدث دليلاً على أننا، على الرغم من قوى الانقسام المظلمة السائدة الآن، ما نزال جميعاً معاً. وفي وقت يشكل فيه صعود القومية تهديداً، يجعل الحزن المشترك الحدود غير ذات صلة فجأة. وعندما تصبح السياسة مستقطَبة، يمتلك حب الثقافة القدرة على التوحيد. وعندما يفصل التطرف المسلمين عن المسيحيين، والمتدينين عن غير المتدينين، فإن أولئك المنتمين إلى جميع الديانات وغيرهم من غير المؤمنين يحزنون معاً. كما يمثل صرح مصمم لمجد الله وحدة الروح الإنسانية أيضاً.
وسوف يُعاد بناؤه. في صباح اليوم التالي للحريق، وجد الكثير من الباريسيين الذين ذهبوا إلى الكاتدرائية للحداد على دمارها السلوى بدلاً من ذلك. على الرغم من اختفاء القمة المستدقة، ما تزال الأبراج قائمة، ويبدو من المرجح أن يكون بالوسع استعادة المبنى وترميمه بأكمله. ومثل الحريق نفسه، سوف تجمع الجهود التي تُبذل لإعادة البناء الناس معاً. في غضون 24 ساعة، تم جمع 600 مليون يورو (677 مليون دولار) من الشركات والأثرياء، وبدأت سلسلة من حملات التمويل الجماعي. ويجب أن يساعد على البناء مسحٌ ضوئي كان قد أجري مؤخراً بالليزر عالي الدقة للمبنى.
لن يعود الصرح هو نفسه أبداً، لكنه سيكون كما يجب أن يكون. وكما كتب فيكتور هوغو في روايته الفذة “أحدب نوتردام”، وهي رسالة حب في ثلاثة مجلدات للكاتدرائية: “الصروح العظيمة، مثل الجبال العظيمة، هي عمل قرون. عادة ما يتم تحويل الفن بينما يتم صنعه… ويكون الزمن هو المعماري، والأمة هي البنّاء”.
 
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The human spark: Why people care about ancient buildings
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات