من ((فرصتنا الأخيرة)) إلى الأمل الدائم.. ((قراءة في فكر الملك عبدالله الثاني))
الرأي -
بمناسبة احتفالات المملكة بعيد ميلاد جلالة الملك عبدالله الثاني، صدر حديثا كتاب فكري تحليلي بعنوان: «من فرصتنا الأخيرة إلى الأمل الدائم: فن الممكن في زمن المستحيل (قراءة في فكر جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظّم)»، بوصفه عملا معرفياً عربيا أردنيا رصينا، يقدّم قراءة تحليلية معمّقة في فكر جلالة الملك، ويعيد تأطير هذا الفكر ضمن سياقه الوطني والإقليمي والدولي، باعتباره مشروعاً قيادياً متكاملاً في إدارة الدولة، وصناعة الاستقرار، واستشراف المستقبل في زمن التحولات الكبرى.
ويأتي صدور هذا الكتاب في لحظة عربية وإقليمية دقيقة، تتكاثر فيها الأسئلة حول جدوى الدولة الوطنية، ومعنى القيادة، وحدود الممكن السياسي في عالم يتّسم بتسارع الأزمات وتآكل اليقين.
وفي هذا السياق، لا يقدّم الكتاب خطاباً توصيفياً أو احتفالياً، بل يطرح مقاربة تحليلية هادئة تسعى إلى تفكيك البنية الفكرية التي حكمت خيارات جلالة الملك عبدالله الثاني، وقراءة منطقها الإصلاحي والإنساني بوصفه نموذجاً قيادياً قابلاً للفهم والدراسة والتعميم.
وأشرف وشارك في تأليف هذا المشروع الوطني عضو اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية «محمد خير» هشام الصبّاغ، والدكتورة أماني غازي جرار؛ منتدى الفكر العربي، والدكتورة وفاء عوني الخضراء، الجامعة الأمريكية، من خلال تحليل الإطار الفكري العام للعمل، والإشراف العلمي والمنهجي على بنائه، وضبط مساراته التحليلية، بما يضمن اتساقه الأكاديمي ورصانته المعرفية، وانسجامه مع طبيعة الموضوع وحساسيته الفكرية والسياسية.
كما ساهم في تأليف هذا المشروع الوطني الدكتور فيصل الرفوع؛ الجامعة الأردنية، والدكتور محمد سليم الزبون؛ الجامعة الأردنية، والدكتور عاطف عيد الرفوع، جامعة الحسين بن طلال، والدكتور نضال العودات؛ جامعة البلقاء التطبيقية، والدكتور قاسم الثبيتات؛ جامعة البترا.
وقد قدم هذا الكتاب رئيس الوزراء الأسبق سمير زيد الرفاعي، حيث جاءت المقدمة، بما حملته من عمق في الرؤية، وصدق في القراءة، ونضج في المقاربة، أبعد من كونها تمهيداً تقليدياً لكتاب، إذ أسّست لإطار تحليلي جامع أعاد وضع الفكر الملكي في سياقه الوطني والتاريخي الصحيح، وربط بين القيادة والرؤية، وبين الإصلاح بوصفه خياراً سيادياً نابعاً من الداخل، لا استجابة ظرفية ولا استيراداً لنماذج جاهزة. وقد شكّلت هذه المقاربة الفكرية المرجعية الأساس التي انطلق منها فريق العمل في بناء فصول الكتاب ومحاوره وتحليلاته.
وجاء هذا العمل ثمرة جهد جماعي شارك فيه هؤلاء النخبة من الأكاديميين والباحثين الأردنيين، والذين شكّلت مساهماتهم الفكرية والتحليلية ركيزة أساسية في بلورة هذا المشروع الوطني. فقد أسهمت قراءاتهم المتخصصة، وخبراتهم المتراكمة، ورؤاهم النقدية في تحويل الكتاب من فكرة بحثية إلى عمل معرفياً متكاملاً، يعكس تعددية المقاربات ووحدة الهدف، ويجسّد إيماناً راسخاً بأن الفكر الوطني التشاركي هو المدخل الأصيل لفهم التجربة الأردنية وتوثيقها وتأطيرها علمياً من خلال فكر جلالة الملك عبدالله الثاني.
كما تمّت ترجمة الكتاب إلى اللغة الإنجليزية تحت عنوان: (From Our Last Best Chance to Lasting Hope: The Art of the Possible in Times of the Impossible)، في خطوة تهدف إلى توسيع نطاق تأثير هذا العمل الفكري وتعميم مضامينه على جمهور أوسع من القرّاء والباحثين وصنّاع القرار في المحافل الدولية.
وتأتي هذه الترجمة انطلاقًا من قناعة راسخة بأن الفكر القيادي الذي يقدّمه جلالة الملك لا يقتصر على الإطار الوطني، بل يحمل أبعادًا إنسانية وسياسية عالمية تستحق أن تكون جزءًا من النقاش الدولي حول قضايا الإصلاح، والاعتدال، وبناء الدولة الحديثة، وإدارة الأزمات في عالم شديد التعقيد. كما تسعى النسخة الإنجليزية إلى تعريف المؤسسات الأكاديمية، ومراكز الفكر، والجامعات، والمنتديات السياسية الدولية بالنموذج الأردني في القيادة، وبالمنهج الإصلاحي القائم على التدرج، والحكمة، وربط الاستقرار بالتنمية والعدالة.
ويُنظر إلى هذه الترجمة بوصفها جسرًا معرفيًا بين التجربة الأردنية ومحيطها العالمي، وأداة فاعلة لتعزيز حضور الرؤية الملكية في النقاشات الفكرية والسياسية العابرة للحدود، بما يسهم في ترسيخ صورة الأردن كدولة فاعلة فكريًا، وصوتٍ عقلاني يدعو إلى السلام، والحوار، والتنمية المستدامة في زمن التحولات الكبرى.
ويمثل هذا الكتاب قراءة شاملة ومعمقة في فكر جلالة الملك عبدالله الثاني، حيث يسلّط الضوء على محطات أساسية في مسيرة قيادته للأردن، انطلاقًا من لحظة إدراك الخطر، مرورًا بمرحلة صياغة الرؤية الإصلاحية، وصولًا إلى التأسيس لأردن المستقبل بثقة وعزيمة.
ويتناول الكتاب في فصوله السبعة المترابطة مجموعة من المفاصل الفكرية والقيادية التي تميز بها جلالته، ويقدم نموذجًا نادرًا لقيادة توازن بين الواقعية السياسية، والالتزام بالقيم، والانفتاح الحضاري.
واشتمل الكتاب على مقدمة هيئة التأليف والتحرير تحت عنوان (حين يصبح الأمل قرارًا)، إذ تطرح المقدمة فكرة جوهرية مفادها أن الأمل، في فكر جلالة الملك، ليس مجرد شعور عابر، بل هو قرار وطني واستراتيجي، فجلالته لم يختر أن يواجه التحديات بالأمنيات أو الشعارات، بل قرر أن يجعل من الإيجابية نهجًا قياديًا مؤسسيًا.
وتنطلق المقدمة من إدراك جلالته العميق لحجم التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تحيط بالأردن، وتوضح كيف تم توظيف هذه التحديات كفرص للتطوير والبناء. ويُظهر النص الملكي إيمانًا متجددًا بطاقات الإنسان الأردني وقدرته على النهوض بالدولة، إذا ما أُتيحت له الأدوات وتم إشراكه بصدق في عملية صنع القرار.
ثم جاء الفصل الأول تحت عنوان: «فرصتنا الأخيرة (قراءة في لحظة التحول الحاسمة)»، إذ ينطلق الفصل الأول من التحذير العميق الذي أطلقه جلالة الملك في كتابه «فرصتنا الأخيرة»، الذي يُعد وثيقة فكرية ذات بُعد استراتيجي، تسجّل لحظة قلق وتحوّل في المشهد العربي والدولي.
وفي هذا الكتاب، يكشف جلالته رؤيته لحالة التصدع التي أصابت المنطقة، وخاصة فيما يتعلق بتنامي التطرف الديني، وتعطل عملية السلام، وتراجع قيم الاعتدال.
ويطرح الفصل مقاربة واقعية تعكس إدراكًا مبكرًا لأهمية التحرك الاردني العقلاني، وضرورة امتلاك زمام المبادرة بدل الاستسلام للضغوط. ويبرز فيه موقف جلالته الثابت من القضية الفلسطينية، ورفضه للجمود السياسي، وتأكيده على ضرورة قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967.
أما الفصل الثاني فقد جاء تحت عنوان (فلسفة الإصلاح الملكي… من التنظير إلى التطبيق) ليركز على المنظور الملكي للإصلاح باعتباره عملية مستمرة وليست لحظة ظرفية، يوضح جلالته أن الإصلاح يجب أن ينبع من الداخل، وأن التغيير الحقيقي لا يُفرض من الخارج أو ينتظر الضغوط الدولية.
ويظهر الفصل كيف نجح جلالته في ترسيخ مشروع إصلاحي واقعي عبر سلسلة من الأوراق النقاشية التي رسمت ملامح الحياة السياسية، انطلاقًا من بناء المواطن الفاعل، ووصولًا إلى دولة القانون والمؤسسات. كما يبرز اهتمام جلالته ببناء حياة حزبية برامجية، وتحقيق توازن بين السلطات، واحترام سيادة القانون باعتبارها الأسس التي تقوم عليها الدولة الحديثة. ويعرض الفصل بوضوح كيف انتقل الخطاب الملكي من التنظير إلى التطبيق، عبر قرارات تشريعية ومبادرات عملية.
وتناول الفصل الثالث، تحت عنوان (فن الممكن في زمن المستحيل... القيادة في مواجهة الأزمات)، قدرة جلالة الملك على التعامل مع المتغيرات الإقليمية والدولية بحكمة واتزان. في زمن عاصف حافل بالأزمات من الربيع العربي إلى الحرب في سوريا والأزمة الاقتصادية العالمية، استطاع جلالته أن يقود الدولة الأردنية بحنكة سياسية عالية، وبتوازن دقيق بين الثوابت الوطنية والانفتاح الإقليمي.
ويعرض الفصل استجابة جلالته الفورية للمطالب الشعبية، وتوظيفه للأدوات الدستورية لتجاوز الأزمات، بما في ذلك تعديل الدستور، وإنشاء المحكمة الدستورية، وتعزيز استقلال القضاء. كما يسلط الضوء على الدور الملكي في تعزيز شبكة الأمان الاجتماعي والاقتصادي، والتعامل مع موجات اللجوء، وتقديم الأردن كنموذج في الاعتدال السياسي والاستقرار الداخلي.
وركز الفصل الرابع تحت عنوان (جلالة الملك في عيون الأردنيين، والعرب، والعالم)، على الصورة العامة لجلالة الملك كما تتشكل في وعي الداخل والخارج، ويستعرض كيف يُنظر إليه كقائد عادل، وقريب من شعبه، ومدافع عن القضايا العربية في المحافل الدولية.
داخليًا، يظهر جلالته دائم الحضور في حياة الناس، من خلال جولاته الميدانية، وتدخله في قضايا العدالة الاجتماعية، ودعمه للفقراء والضعفاء. عربيًا، يُنظر إليه كصوت للاعتدال، ومدافع شرس عن القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني.
أما دوليًا، فقد تمكّن جلالته من كسب احترام المجتمع الدولي، من خلال خطاب عقلاني، وشبكة تحالفات دبلوماسية، ومواقف مبدئية متزنة، جعلت من الأردن دولة محورية في ملفات الأمن، والسلام، والهجرة، والحوار بين الحضارات.
ومن ثم يأخذنا الفصل الخامس تحت عنوان (الملك القائد: وقفات للتاريخ والحاضر والمستقبل) إلى استعراض ملامح القيادة التاريخية لجلالة الملك عبدالله الثاني، ويقدم نماذج عملية على قرارات مصيرية أثّرت في حاضر الأردن وشكلت معالم مستقبله.
ويبدأ الفصل من رؤية جلالته للجيش كمؤسسة وطنية تحمل الذاكرة والتضحية، ويمتد إلى رعايته الدائمة للقطاع الصحي، والتعليمي، وتمكين الشباب. كما يُظهر الفصل كيف أن القرارات السياسية لجلالته، مثل مكافحة الفساد، وتحديث المنظومة السياسية، لم تكن ردود فعل، بل جاءت ضمن مسار إستراتيجي طويل المدى.
ويتوقف النص عند محطات مفصلية، أبرزها تصديه لمحاولات زعزعة الاستقرار، ومواقفه الصلبة في الدفاع عن القدس، ما يعكس بُعدًا قياديًا يوازن بين التاريخ والمستقبل.
وجاء الفصل السادس تحت عنوان (جلالة الملك عبدالله الثاني ومستقبل الأردن المشرق)، ليكون بمثابة رؤية مستقبلية شاملة للأردن كما يراها جلالة الملك.
ويستعرض الفصل مبادرات التحديث السياسي التي دعا إليها جلالته، واهتمامه ببناء اقتصاد إنتاجي رقمي يستثمر في طاقات الشباب، ويعزز من مكانة الأردن كمركز إقليمي للاستثمار والريادة.
ويتناول الفصل أولويات جلالته في المئوية الثانية، والتي تشمل بناء هوية وطنية جامعة، وتمكين المرأة، وتوسيع المشاركة السياسية، وتحسين جودة الحياة.
كما يركز على البعد التعليمي والمعرفي، والتأكيد على ضرورة أن يكون الإنسان الأردني هو محرك التنمية ومحورها. ويظهر في هذا الفصل الإيمان الملكي بأن الأردن، رغم محدودية موارده، قادر على النهوض، إذا ما توفر القرار والإرادة والتخطيط المستقبلي.
وفي الفصل السادس من الكتاب، يحضر كل من جلالة الملكة رانيا العبدالله وسمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد، كشخصيتين محوريتين تعكسان بُعدًا تكامليًا في منظومة القيادة الأردنية الحديثة.
ويظهر دور جلالة الملكة رانيا بوضوح في صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، حيث لا تقتصر مشاركتها على البعد الرمزي أو البروتوكولي، بل تتجسد في مبادرات مؤسسية مستدامة مثل «مؤسسة نهر الأردن» و"أكاديمية الملكة رانيا لتدريب المعلمين».
كما تُبرز جلالتها أهمية التعليم كمفتاح للتحول المجتمعي، وتدفع باتجاه إصلاح المناهج، وتأهيل المعلمين، وتفعيل التفكير النقدي في المدارس، ما يجعلها شريكًا أساسيًا في تنفيذ الرؤية الملكية للتنمية البشرية.
أما سمو ولي العهد، فيجسد الجيل القيادي الجديد، ويُعد الامتداد الحيوي لفكر جلالة الملك، يبرز سموه في خطاب شبابي تفاعلي، يربط بين الطموحات الوطنية وآمال الشباب، ويقود مبادرات مثل «مجلس النواب الشبابي» ويشارك فعليًا في صياغة السياسات العامة.
ويُنظر إلى سموه ليس فقط كوريث شرعي للسلطة، بل كمحرك حيوي للمستقبل، يوازن بين التجديد والالتزام، وبين الجرأة في المبادرة والحكمة في الموقف، إن العلاقة التشاركية بين جلالة الملك، وجلالة الملكة، وسمو ولي العهد تُجسد نموذجًا أردنيًا فريدًا لقيادة تقوم على الفكر، والمبادرة، والانفتاح المجتمعي.
وفي الفصل السادس من الكتاب ايضاً خُصِّصت وقفة دلالية لسمو الأميرة سلمى بنت عبدالله الثاني تحت عنوان (الأميرة المناضلة وجينات البطولة)، بوصفها نموذجًا معاصرًا لتجسّد القيم الهاشمية في بعدها الإنساني والوطني.
وتتناول هذه الوقفة مشاركة سموها في المهمة الجوية الإنسانية لدعم المستشفى الميداني العسكري الأردني في قطاع غزة واهالي غزه، لا باعتبارها فعلًا رمزيًا أو حضورًا بروتوكوليًا، بل بوصفها ممارسة قيادية شجاعة تنطلق من قلب الميدان.
ويحلّل النص هذه المشاركة ضمن سياق أوسع يربط بين التربية الهاشمية، والالتزام الأخلاقي، وتحويل القيم إلى أفعال ملموسة، ليعيد تعريف البطولة بوصفها مسؤولية إنسانية لا مجرّد خطاب وشعارات.
كما يبرز الفصل كيف تعكس شخصية سمو الأميرة سلمى امتدادًا حيًا لفكر جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، حيث تتكامل الشجاعة مع الرحمة، والفعل مع المعنى، في صورة ملهمة لجيل عربي جديد يؤمن بأن القيادة تبدأ من خدمة الإنسان.
وقد شكّل خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام البرلمان الأوروبي في مدينة ستراسبورغ عام 2025 مسك ختام هذا العمل الفكري، بوصفه لحظة مفصلية جمعت بين البلاغة الأخلاقية والدبلوماسية الفاعلة، فقد قدّم جلالته خطابًا استثنائيًا استهلّه بتوصيف العالم بأنه فقد «ثقله الأخلاقي»، في عبارة لافتة حوّلت القاعة البرلمانية إلى ساحة مساءلة ضميرية قبل أن تكون منبرًا سياسيًا.
واعتمد خطاب جلالته لغة متوازنة محسوبة، مزجت بين الصور الإنسانية المؤلمة والمنطق العقلاني، مستحضرًا معاناة المدنيين في غزة، واستهداف الصحفيين والأطباء، واستخدام الجوع كسلاح، في بناء بلاغي جمع بين استنهاض العاطفة وتحفيز العقل. كما استخدم جلالته التكرار التأكيدي وضمائر الجماعة ليؤسس إحساسًا بالمسؤولية المشتركة، ويحوّل الرسالة من خطاب إدانة إلى شراكة أخلاقية مع الحضور الأوروبي.
وقد عكست ردود فعل البرلمانيين الأوروبيين عمق تأثير الخطاب، حيث قوبل بتفاعل لافت وتصفيق حار بلغ ذروته في تصفيق جماعي واقف، في تعبير دبلوماسي نادر عن التقدير للجرأة الأخلاقية وجودة الطرح، ولم يتوقف أثر الخطاب عند القاعة، بل امتد إلى الإعلام الغربي والنقاشات السياسية الأوروبية، التي أعادت طرح قضية غزة بوصفها اختبارًا حقيقيًا للقيم الأوروبية.
في الختام، يأتي هذا الكتاب بوصفه أكثر من إصدار فكري أو قراءة تحليلية في خطاب القيادة؛ إذ يقدّم نموذجًا معرفيًا متكاملًا يصلح لأن يكون إطارًا مرجعيًا ومنهجيًا لطلبة التعليم العام والتعليم العالي، وللخبراء والأكاديميين والسياسيين والمختصين على حدّ سواء.
فالكتاب، بما يحمله من تفكيك عميق للرؤية الملكية، وبما يقدّمه من ربط منهجي بين القيم والممارسة، وبين الفكر والقرار، يفتح أفقًا تربويًا ومعرفيًا جديدًا يعيد تعريف دور التعليم في بناء الوعي الوطني والإنساني، وفي تنمية القدرة على التفكير النقدي والتحليل الأخلاقي، وفهم تعقيدات الواقع الإقليمي والدولي.
وتنبع أهمية اعتماد هذا العمل مرجعًا ومنهجًا من كونه يستند إلى الرؤية الملكية لجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، بوصفها رؤية شاملة في إدارة الدولة، وصياغة الإصلاح، وتعزيز الاستقرار، وبناء الإنسان. وهي رؤية لا تُقدَّم في هذا الكتاب كخطاب نظري مجرّد، بل كمسار عملي متكامل يربط بين السيادة الوطنية، والعدالة الاجتماعية، والانفتاح الإنساني، والالتزام بالقيم العالمية.
ومن هنا، فإن إدماج مضامين هذا الكتاب في السياقات التعليمية والبحثية يتيح للأجيال الناشئة، وللمجتمع الأكاديمي والمهني، فرصة نادرة للتعلّم من تجربة قيادية حيّة، قائمة على الحكمة والتوازن، والقدرة على تحويل التحديات إلى فرص.
كما يكتسب هذا العمل قيمته المضافة من كونه جهدًا جماعيًا مؤسسيًا، شاركت في بنائه عقول أكاديمية وبحثية وتحريرية من تخصّصات متعددة، اجتمعت على هدف واحد هو تقديم قراءة وطنية رصينة لفكر القيادة، بعيدًا عن التبسيط أو التوظيف الآني.