Wednesday 26th of September 2018 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    06-Jul-2018

خطبة الجمعة وأثرها في النهوض الحضاري - د. أحمد ياسين القرالة
 
 
الغد- خطبة الجمعة لقاء دوري أسبوعي يلتقي فيه خطيب الجمعة مع المصلين يعظهم ويوجههم ويأخذ بأيديهم نحو الخير والفضيلة، وهو ليس لقاءً اختياراً خاضعاً للإرادة والرغبة، بل هو فرض على كل مسلم بالغ عاقل، لقوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ"، وليس كافياً من المسلم أن يحضر هذا اللقاء بل يجب عليه الإصغاء للخطبة وتنفيذ مضمونها، ولا يجوز له أن يتشاغل عن الاستماع إليها والإنصات لمضمونها بأي شاغل، وفي هذا يقول العلامة ابن عبدالبر: لا خلاف بين فقهاء الأمصار في وجوب الإنصات للخطبة على من سمعها، ودليل ذلك ما رواه البخاري عن النبي عليه السلام أنه قال: "إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة أنصت فقد لغوت"، فهو إنصات كامل للقلب والحواس معاً، لتحقق الخطبة مقاصدها وتؤتي ثمارها.
ولخطبة الجمعة مقاصد عظيمة وحكم جليلة، فهي وسيلة إعلامية مهمة يتداول فيها الخطباء الأخبار التي تهم المسلمين في حياتهم اليومية، وهي أداة تواصل بينهم لتحقيق التكافل والتضامن الاجتماعي، كما أنها وسيلة مهمة للتغيير الإيجابي؛ إذ يستطيع الخطيب من خلالها أن ينشر القيم الإيجابية والأخلاق الفاضلة، وتوجيه المسلمين نحو مكارم الأخلاق ومعالي الأمور، ويستطيع بها ومن خلالها أن يكافح العادات والأخلاق الذميمة، امتثالاً لقوله تعالى: "وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ".
وتسطيع خطبة الجمعة إذا أعدت بشكل جيد وقدمت بأسلوب حكيم أن تغير الواقع وأن تنهض به نحو الرقي والتحضر، وأن تسهم في حل مشكلات المجتمع ووقايته من الاختراق وحمايته من الرذيلة والتخلف.
وإن من يتابع خطب الجمعة في هذه الأيام يجد أنها تفتقر للتوازن المطلوب في عرض المواضيع والقضايا، ويعتريها الخلل في ترتيب الأوليات وجدولة الموازنات، فمعظم الخطب، إن لم يكن كلها، تركز على مواضيع أسرفتْ في عرضها وطرحها وبالغت في تكرارها والتذكير بها، ومن ذلك الحديث عن الأمور المتعلقة بالآخرة من الجنة والنار وعذاب القبر وأداء العبادات من فرائض ونوافل، كما اعتمدت على الإكثار من الوعظ والحث على الأخلاق الفردية، وكان ذلك على حساب المواضيع التي تركز على التنمية الاجتماعية والاقتصادية والعلمية التي تنهض بالمجتمع وتعمل على تطويره، فغابت عن خطب الجمعة أو كادت أن تغيب المواضيع التي تركز على احترام الوقت وتقدير النظام وإتقان العمل والإحسان فيه، والمحافظة على البية والبحث العلمي خاصة في العلوم الطبيعية التي تنهض بالأمة وتقيل عثرتها وترفع كبوتها، كما افتقرت الخطب للمواضيع المتعلقة بالأخلاق الاجتماعية العامة من الحث العمل التطوعي وإعلاء شأنه، والدعوة إلى الإيثار ومحبة الخير وتحقيق التسامح بين أفراد المجتمع ونبذ الفرقة وثقافة الكراهية.
ليس كخطبة الجمعة وسيلة إعلامية أخرى يمكنها نشر الثقافة الإيجابية وتعزيز القيم وتغيير الواقع والعمل على تحقيق مقصودها بشكل كامل، وذلك بسبب بعدها الديني الذي يلامس القلوب ويخاطب الأرواح والضمائر قبل أن يخاطب الأسماع والجوارح، كما أن الاستماع إليها واجب وتنفيذ مضمونها ملزم ديانة، وهذا ما لا يتوفر في أي خطبة أخرى مما يجردها من أهم عناصر قوتها.
لو استغل خطباء الجمعة هذه الخطبة بشكل جيد وعملوا على تفعليها وتضمينها بالمواضيع التي تمس حياة المسلمين، وتعالج مشكلتهم الأساسية التي تتلخص في التخلف الحضاري الذي يجثم على صدورهم، فأعاق حركتهم وشل فاعليتهم وعطل قدراتهم، وأدى إلى تراجع اللغة العربية وغياب القيم الدينية واضمحلال الثقافة الإسلامية، وأورث الأمة التقليد الأعمى غير المتبصر حتى كادت تفقد هويتها وخصوصيتها وتميزها، لتغير واقع الأمة وعادت لها مكانتها، ولتحقق فيها قول الله تعالى: "كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ".
ولما كانت وزارة الأوقاف هي التي تشرف على خطبة الجمعة وتتابع الخطباء، كان لزاماً عليها أن تضع برنامجاً عملياً لتأهيل الخطباء وتثقيفهم بأهمية تناول المواضيع الحياتية، وتدربهم على التعاطي معها وتزودهم بالبيانات والمعلومات والإحصاءات التي تساعدهم في عرضها بشكل جيد ومقنع، كما يجب عليها أن تضع جدولاً دورياً لتلك المواضيع يتم تناولها بشكل موحد وجماعي من قبل الخطباء، ويكون الأمر أكثر فاعلية إذا تم التنسيق مع المؤسسات التربوية والإعلامية والتعليمة الأخرى لتناول تلك القضايا وعرضها بالتوازي مع خطبة الجمعة.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات