Saturday 26th of September 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    16-Sep-2020

الدروس التي يقدمها لنا فيلسوفان قديمان خلال الوباء

 الغد-ديفيد فون دريله – (الواشنطن بوست) 8/9/2020

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
 
كانت رحلة السيارة التي تستغرق ساعتين إلى إحدى جامعات وسط الغرب الأميركي الكبيرة قد بدأت للتو عندما فتحت ابنتي، العائدة إلى الحرم الجامعي بعد قضاء عطلة نهاية أسبوع في المنزل بمناسبة عيد العمال، كتابها المقرر لمساق الفلسفة. وسألتني إذا كنت سأمانع إذا قرأت الدرس المكلفة بدراسته بصوت عالٍ.
أمانع؟ بالنسبة لمتخصص قديم في الفلسفة، كانت هذه دعوة غير متوقعة إلى السفر عبر الزمن. وعندما شرعت ابنتي في القراءة، سرعان ما اكتشفت أننا كنا في طريقنا إلى لقاء اثنين من المعلمين القدامى، لطيفَين وإنما متطلِّبين، وهما رواقيان. وكان ذلك لي بمثابة لم للشمل؛ ولها تعارف أول.
كان لوسيوس آنيوس سينيكا، قرأت ابنتي، عالِماً رومانياً بثقافة متعددة الأوجه من عصر نيرون، قبل حوالي 2000 عام. وكفيلسوف، وشاعر، وكاتب مسرحي وسياسي، ازدهر بشكل كبير قبل أن ينتهي به المطاف (كما حدث مع كثيرين) وقد أثار غضب الإمبراطور. وقبل أن يُجبر، مثل سقراط من قبله، على الانتحار بسبب جرائمه الفكرية، كتب سينيكا مقالًا حول موضوع السعادة الحقيقية.
لا يمكن العثور على الحياة السعيدة في الملذات أو الممتلكات، كتب سينيكا الذي سرعان ما سيتم تجريده من كليهما. إنها حياة تُقضى في السعي إلى الفضيلة، في تعلُّم ما هو الشيء الصحيح الذي ينبغي فعله ثم فعله -بغض النظر عن عدد الأشخاص الذين يفعلون خلاف ذلك. قد نعيش حتى الشيخوخة أو نموت صغارًا؛ قد نكون أصحاء أو مرضى، أغنياء أو فقراء: هذه أمور تتعلق بالقدر وخارجة عن إرادتنا. إننا نتحكم فقط في أفكارنا وأفعالنا، وكيف نتصرف مع أنفسنا وكيف نُعامِل الآخرين.
ومن نثر سينيكا المنساب القابل للاقتباس، تحولت ابنتي إلى قراءة القطعة التالية المطلوبة: مقاطع من عمل ذلك اليوناني القديم الصعب، إبكتيتوس. وقد ذكرني دائمًا بالمدرب الخشن في أحد أفلام هوليوود الرياضية، ذلك الذي يدفع أعضاء الفريق بقسوة لأنه كان، في أعماقه، يحبهم كثيرًا. ويأتي الانطباع عن هذه الشخصية من قصة مشكوك فيها من حياته المبكرة في العبودية، قبل أن يكسب حريته ويذهب إلى التدريس. كان سيِّدٌ وحشي (أحد أصدقاء نيرون -ها هو ذا نفسه مرة أخرى!) يعذب إبكتيتوس الصغير عن طريق ليّ ساقه. وقال أبكتيتوس متفكراً بهدوء، استمر في هذا وسوف تكسرها. واستمر الساديُّ في ليّها؛ وكسرت الساق، وبدلاً من الصراخ من الألم، قال الفيلسوف: لقد أخبرتك أنها ستفعل.
وقال ذات مرة إن الله مثل مدرب المصارعة الذي يجعلنا نختبر الألم لكي يجعلنا أبطالاً في الفضيلة.
في النسخ المكتوبة لدروسه المنطوقة الصريحة، شدد على الفارق بين الأشياء القليلة التي نتحكم فيها -أفكارنا وأفعالنا- والأشياء الكثيرة الخارجة عن نطاق سيطرتنا وإرادتنا. ومثل سينيكا الأكبر سناً منه بقليل، لاحظ مدى التعاسة الناتجة عن الخلط بين هذه الأمور. وعندما قرأت ابنتي نصيحة الفيلسوف بتقبل المرء -حتى موت ابنه نفسه- برباطة جأش، انكمشنا معًا. لكنني غامرتُ بعد ذلك بقول أن إبيكتيتوس ربما كان يحاول أن يصدمنا حتى نرى أن فلسفته المتمثلة في عدم أخذ أي شيء على محمل المسلمة، واغتنام كل لحظة، تنطبق حتى في أسوأ الظروف.
كانت السيارة تمضغ الطريق السريع بينما غرقنا في التفكير. في الأمام تكمن ظروف أقل حدة من موت ابن، ولكنها أكثر صعوبة بكثير من ظروفي عندما كنتُ في سن ابنتي. الشباب في زمن “كوفيد-19” أشبه بالسير في مسار موانعٍ أخلاقي، واختبار صارم للشخصية في ظروف خارجة عن إرادة المرء. ثمة متع الحفلات المزدحمة والمشاعر الحميمة المتقاسمة تنادي بإغراء بصوت أعلى من فضائل ارتداء الكمامات والتباعد الاجتماعي. إنك تريد أن تكون الحكومة كفؤة، وأن يكون القادة خاضعين للمساءلة، وأن يتصرف مواطنوك بمسؤولية. ومع ذلك، فإن افتقارك إلى السلطة على هذه القوى الخارجية فوري وحتمي مثل شاشة الحاسوب المحمول التي تشارك بها في صفوفك الدراسية بواسطة “زووم” وتشاهد عليها بث “نيتفليكس”.
غالبًا ما يُساء فهم الرواقية، فتفهم على أنها تعني الاستسلام للعجز. وكما سمعتها في قراءة ابنتي، فإن الفلسفة كانت تعلّم العكس تمامًا: الاعتناق الجذري للمسؤولية الفردية. إن الرواقية تضع طلابها في ظرف معين وتصدر تحديًا: ابذل قصارى جهدك. هاكَ مليار دولار: أي خير يمكنك أن تفعل بها؟ إليك السرطان: أي كرامة يمكنك أن تستخرجها منه؟ إليك الشهرة: أي تواضع يمكنك تعزيزه من خلالها؟ إليك الحزن: أي تعاطف يمكنك أن تتعلم منه؟
لاحظَت ابنتي أن أحد الأمور المعزية في الفلسفة هو أنه حتى المفكرين الموقرين قد يفهمون الأمور المهمة خطأ. كانت لدى أرسطو، على سبيل المثال، العديد من النظريات -لكن بعضها جنون محض. أما الدروس الداعمة لسينيكا وإبكتيتوس فشيء مختلف. وسواء كنت أبًا عجوزًا تسمعها للمرة الألف أو شابًا يلتقي بها لأول مرة، فإنها مفاتيح للعيش بنزاهة وبشخصية متماسكة في عالم لا يمكن التنبؤ به، وغالبًا ما يكون غير عادل.
تتضرع صلاة مألوفة من أجل صفاء النفس لقبول ما لا يمكن تغييره، والشجاعة فعل ما هو في مجال سلطتنا، والحكمة لمعرفة الفرق. وقد تمتمت بها عندما أودعت ابنتي في كليتها. إليك جائحة: أي قوة يمكنك أن تستمد منها؟
 
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The lessons two ancient philosophers have for us during the pandemic
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات