Monday 17th of June 2019 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    12-Jun-2019

“يوم النصر” وستالين

 الغد-جورج فريدمان* – (جيوبوليتيكال فيوتشرز) 4/6/2019

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
بعد نحو 75 من تنفيذها، ما تزال عملية “يوم النصر” (1) واحدة من المعارك التي كثيراً ما نتذكرها في التاريخ. كما كانت واحدة من معاركه الأكثر حسماً أيضاً. هناك أولئك الذين سيقولون إن “الحلفاء” كانوا يستطيعون أن يكسبوا الحرب العالمية الثانية بغض النظر عن نتيجة معركة نورماندي. وفي الحقيقة، تُطرح حجج مشابهة حول معظم المعارك التاريخية الحاسمة. وكنتُ قد كتبتُ قبل سنتين عن “معركة مِدواي” (2) midway، في الذكرى الخامسة والسبعين لتلك الحملة، وقلت إنها لو مُنيت بالفشل والهزيمة، لكان يمكن أن تخلف نتائج كارثية على التوازن العالمي. لكن بعض القراء رفضوا هذا الرأي، وقالوا إنه حتى لو أن الولايات المتحدة منيت بالهزيمة في تلك المعركة، فإنها كانت ستنشر سفنها في المحيط الهادئ وتتمكن من استعادة عافيتها. ويحتمل كثيراً أن يكون هذا صحيحاً، لكن غزو ساحل كالفادوس الفرنسي كان، كما سأحاول أن أبيِّن، نقطة تحول في الحرب العالمية الثانية. ولو أنه مُني بالفشل، لكان من المحتمل أن لا تتمكن قوى الحلفاء من التعافي بعده أبداً.
حرب بعيدة عن الانتهاء
كانت النقطة المحورية في أحداث تلك الفترة هي الاتحاد السوفياتي. فبحلول الوقت الذي تم فيه إطلاق غزوة “يوم النصر”، كان الاتحاد السوفياتي منخرطاً في القتال ضد الألمان منذ ثلاث سنوات. وكانت ألمانيا قد احتلت معظم الأراضي السوفياتية الرئيسية، وكانت معاملتها للمناطق المحتلة بربرية. وفي الأشهر الخمسة الأولى من الحرب، بدا من المرجح أن السوفيات سوف يخسرون. ولم يتغير ذلك إلا بجهد استثنائي بذله الجيش الأحمر، والذي أتاح له، بمساعدة من الولايات المتحدة، إضفاء الاستقرار على الجبهة والعودة إلى جانب الهجوم. لكن السوفيات كانوا ما يزالون، عندما تم إطلاق عملية “يوم النصر”، على بعد أكثر من 1.000 ميل من برلين. وبالنسبة لهم، كانت الحرب بعيدة جداً عن الانتهاء.
بالنسبة للفرنسيين والأميركيين، كان استمرار المشاركة السوفياتية في الحرب ضرورياً. فقد ثبّت السوفيات القسم الأكبر من الجيش الألماني لسنوات واستنزفوه بشكل كبير. ومن دون مشاركة السوفيات في الحرب، كان إقدام الحلفاء على غزو فرنسا سيكون مستحيلاً، لأن ألمانيا كانت ستحشد قوة عسكرية كاسحة وتقوم بنقل القوات إلى إيطاليا، وتغلق طريق الوصول من هناك.
لكن السوفيات اعتقدوا بأن الحلفاء قاموا بتأخير غزو فرنسا عن عمد من أجل السماح بأن يضعف الألمان والسوفيات بعضهم بعضا بحيث تتمكن القوات الأميركية والبريطانية من الوصول إلى الشاطئ مع مواجهة الحد الأدنى من المقاومة، ثم تشق طريقها بالقتال إلى داخل ألمانيا، وربما أبعد. وكان السوفيات قد طالبوا مراراً وتكراراً بفتح جبهة ثانية في العامين 1942 و1943. واستجاب الحلفاء بإطلاق حملة في منطقة البحر الأبيض المتوسط، أولاً في شمال إفريقيا ثم في إيطاليا. ومن المنظور السوفياتي، كان هذا العمل مجرد إيماءة لا غير -كانوا يقاتلون من أجل حياتهم في ستالينغراد، ولم تكن العمليات في البحر الأبيض المتوسط كبيرة بما يكفي لإجبار ألمانيا على إعادة نشر قواتها بعيداً عن التخوم الشرقية. وهكذا، ظلت علاقات القوة الأساسية بين ألمانيا والسوفيات على حالها.
قال الأميركان والبريطانيون ببساطة إنهم ليسوا مستعدين للقيام بغزو. ولم يعارض ستالين ذلك، لكنه حاجج بأنه يمكن حتى لغزو فاشل أن يجبر هتلر على إعادة تقييم هشاشة قواته في الغرب، وبالتالي نقل بعض القوات من الجبهة السوفياتية إلى هناك. وكان من شأن إحداث تقليص في القوات الألمانية وإعادة توجيه للدعم اللوجستي أن يزيدا من احتمال تحقيق نصر سوفياتي وتقليل الأضرار التي تلحق بالقوات السوفياتية. وقد تُرك ستالين مع انطباع بأن الحلفاء الغربيين كانوا يريدون أن يلحق الألمان أقصى قدرٍ ممكن من الضرر بالجيش الأحمر، وبأن الأميركيين والبريطانيين لم يكونوا راغبين في شن هجوم مُفسد محكوم بالفشل لأنهم لم يكونوا مستعدين -لأسباب سياسية- لامتصاص جزء صغير من الخسائر التي كان يُمنى بها السوفيات.
لم يكن الطرفان يثقان ببعضهما بعضا. كان البريطانيون والأميركيون مرتعبين من معاهدة هتلر-ستالين في العام 1939، بينما كان السوفيات مغضبين من استعداد الأميركيين للدخول في حرب فقط بعد الهجوم الياباني في “بيرل هاربر” وإعلان هتلر الحرب على الولايات المتحدة. وقد بنت الولايات المتحدة قواتها ببطء ومثابرة، مقلِّلة من احتمالات تعريضها لمعارك ثانوية في المحيط الهادئ أو إشراكها في اشتباكات قوية لأسباب غير مهمة. ومن جهته، اعتقد ستالين بأن روزفلت أراد ظهور اتحاد سوفياتي ضعيف، وبحيث تقوم الولايات المتحدة -بعد أن يدمِّر السوفيات الفيرماخت- بالاستيلاء على أوروبا والإمبراطورية البريطانية. وقال ذات مرة إن تشرشل هو رجل من النوع الذي يمكن أن يسطو على جيبك من أجل كوبيك، لكن روزفلت رجل من النوع الذي لا يسرق سوى العملات الكبيرة فقط. ومن منظور ستالين، كان تشرشل يحكم قوة في طور الأفول، بينما كان روزفلت -الداهية والخالي تماماً من الرحمة- مسؤولاً عن القوة المهيمِنة المقبِلة في العالم.
 
حبة دواء مُرة يصعب ابتلاعها
توفرت أدلة وفيرة على أن ممثلي الألمان والسوفيات كانوا قد التقوا في ستوكهولم من أجل إجراء محادثات جادة. ورأى هتلر في انفتاح ستالين علامة على الضعف. ولأنه كان يفهم التوتر القائم بين السوفيات والأميركان والبريطانيين، فإنه لم يكن يعتقد في العام 1943 بأن بإمكانهم القيام بغزو. وبما أن ستالين نفسه كانت لديه شكوك، عرض هتلر عليه صفقة صعبة، والتي طالب فيها بأن تحتفظ ألمانيا بالأراضي التي استولت عليها مسبقاً، وخاصة أوكرانيا. وسرعان ما انهارت المفاوضات، ولو أن الاتصالات تواصلت كما يبدو.
لو أن الحلفاء لم يقوموا بغزو نورماندي في العام 1944، لكان من المنطقي افتراض أن ستالين، الذي تحارب قواته على مسافة بعيدة داخل بلده نفسه، كان سيقبل عقد الصفقة مع هتلر، بما أنه لم يكن ليستطيع على الأرجع مواصلة القتال من دون فتح جبهة غربية، أو لأنه لم يكن ليستطيع استعادة أراضيه بمفرده. ومن الجدير ملاحظة أن تشرشل لم يكن متحمساً على الإطلاق لفكرة الغزو، إما لأنه خشي أن تكون في الخسائر الناجمة نهاية الجيش البريطاني، أو لأنه ما كان ليمانع إذا ما استمرت الحرب الألمانية-السوفياتية بحيث يتمكن الحلفاء من التدخل في الدقيقة الأخيرة، بينما يقومون بقضم اليونان. وفي كلتا الحالتين، رفض روزفلت وجهة نظر تشرشل، مستشعراً أن السوفيات سوف يصنعون السلام مع هتلر في حال عدم قيام الحلفاء بالغزو.
وهكذا، تم إطلاق الغزو في حزيران (يونيو) قبل ذهاب موسم الحملات. ولو أن الأميركان والبريطانيين لم يغتنموا الفرصة للقيام بالغزو في ذلك الوقت، أو لو أن الحملة فشلت، لترتب عليهم الانتظار حتى الربيع التالي للقيام بالغزو. وبحلول ذلك الوقت، كان يحتمل كثيراً أن يكون السوفيات قد أجبِروا على عقد السلام، وهو ما كان ليعطي الألمان دفاعاً أكثر كثافة بكثير على طول الساحل الفرنسي، والذي كان من شبه المؤكد أن يجعل تنفيذ الغزو مستحيلاً. وكبديل، ربما كان الحلفاء يستطيعون محاولة الهجوم ألمانيا من خلال إيطاليا والبلقان -عبر جبال الألب. لكن الألمان كان يمكن أن يكسبوا، مع وجود السوفيات خارج الحرب، ميزة هائلة. وكان عقد هدنة ألمانية-سوفياتية شأناً من الصعب على السوفيات أن يبتلعوه، ولكن، لو أن هجوم “يوم النصر” فشل، ولو أن الحلفاء لم يتمكنوا من تنفيذ العملية لسنة أخرى، فإن ستالين ربما كان ليجد نفسه من دون خيار آخر. لم يكن يستطيع أن يكسب الحرب بمفرده.
بحلول ذلك الوقت، كان الأميركان سيمتلكون القنبلة الذرية في غضون عام، ولا يشكنَّ أحد في أنهم كانوا سيستخدمونها بينما تستعر الحرب. ولكن، لو سلاماً كان قد حل في الشرق، وتواصل القليل من القتال في الغرب، هل كانت الولايات المتحدة لتقصف برلين أو ميونخ بقنابل ذرية ثم تحاول بعد ذلك أن تحتل ألمانيا؟ لا أعتقد أنها كانت لتفعل، لكنني يمكن أن أكون مخطئاً أيضاً.
كانت غزوة “يوم النصر” هي المعركة الحاسمة في الحرب العالمية الثانية، ليس فقط لأنها أطلقت العنان لكامل قوة الحلف الأنجلو-أميركي، وإنما لأنها أجبرت هتلر على القتال في جبهتين، وهو ما خفف الضغط عن السوفيات وحسّن موقفهم بما يكفي لتمكينهم من تحقيق تقدم واثق. ولو أن الغزو لم يحدث، أو لو أنه فشل، لكان ستالين قد صنع السلام مع هتلر على الأرجح. وكانت ألمانيا ستصبح أقوى، إلا إذا أرادت الولايات المتحدة وبريطانيا أن تخوضا الحرب وحدهما، وهو ما لا أظن أنهما كانتا تريدانه. وفي النهاية، كان هتلر محقاً عندما قال إن قدر ألمانيا سوف يتقرر في فرنسا -على شاطئ كالفادوس في نورماندي، إذا أردنا أن نكون أكثر دقة.
*متنبئ جيوسياسي معروف عالمياً واستراتيجي خبير في الشؤون العالمي، ومؤسس ورئيس موقع “جيوبوليتيكال فيوتشرز”. والدكتور فريدمان هو صاحب أكثر الكتب مبيعاً على قائمة “نيويورك تايمز”، وقد ظل أكثر كتبه شعبية “السنوات المائة المقبلة” حياً كمرجع مهم بفضل دقة توقعاته. عمل فريدمان رئيساً تنفيذياً لموقع التنبؤات الاستراتيجية “ستراتفور” الشهير فترة من الوقت.
هوامش المترجم:
(1) يوم النصر، D-Day، هو يوم 6 حزيران (يونيو) 1944 في الحرب العالمية الثانية، والذي بدأت فيه قوى الحلفاء بغزو شمال فرنسا عن طريق إنزالات بحرية على شواطئ نورماندي. وصنع ذلك اليوم انعطافة في مسار الحرب لصالح الحلفاء ونحو هزيمة ألمانيا.
(2) Midway هي معركة بحرية حاسمة وقعت في منطقة المحيط الهادئ خلال الحرب العالمية الثانية في الأيام بين 4 و7 حزيران (يونيو) 1942، بعد ستة أشهر فقط من الهجوم الياباني على “بيرل هاربر” وبعد شهر واحد من معركة بحر المرجان.
 
*نشر هذا المقال تحت عنوان: D-Day and Stalin
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات