Monday 30th of November 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    05-Jul-2020

مذكرات لا تذكر شيئاً*مجيد عصفور

 الراي

المذكرات هي خلاصة تجارب لأشخاص شغلوا مواقع عامة وسياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، وهي في كل الأحوال ليست سيراً ذاتية ولا ذكريات.
 
وأكثر المذكرات شداً للاهتمام هي التي يكتبها رجال شغلوا مناصب سياسية في بلدانهم، ووثقوا الاحداث التي وقعت اثناء خدمتهم ومن ثم ضمنوها للكتب تحت عناوين مختلفة لكنها تعطي ذات المدلول.
 
في الغرب من العادات التي باتت متوقعة ومنتظرة ان يكتب رؤساء الدول ووزراء الخارجية ومن في مرتبتهم من مسؤولي الصفوف الاولى مذكرات يميطون من خلالها اللثام عن الكثير من الحقائق التي لم يكن بالامكان الكشف عنها عند حدوثها ابان خدمتهم لاسباب كثيرة تظهر ايضا عند الكشف عن هذه الحقائق فيعرف القارئ الحقيقة وسبب اخفائها.
 
بالعادة تكتسب مذكرات السياسيين على وجه الخصوص اهميتها بالقدر الذي تحتويه من حقائق، ويمكن الاستدلال على هذه الأهمية من خلال تسابق وكالات الانباء على نشر مقتطفات بارزة عما ورد في هذه المذكرات حتى قبل ان تحتل مكانها على ارفف المكتبات أو أرصفة باعة الكتب، ولعل الضجة التي اثيرت مؤخرا حول كتاب جون بولتون مستشار الرئيس دونالد ترمب تتسق مع مفهوم الأهمية التي ترافق صدور المذكرات او لا ترافقها، وبالطبع هناك العديد من المذكرات التي نالت الكثير من الاهتمام العام في جميع انحاء العالم مثل مذكرات وزير الخارجية الاشهر في الولايات المتحدة هنري كيسنجر وكذلك الوزيرة هيلاري كلينتون وقبلهما مذكرات الرئيس جون كينيدي التي اختار لها عنوان ألف يوم في البيت الأبيض وغيرهم كثيرون، أما في العالم العربي فإن الكتب التي خطّها العسكريون غالباً ما تحظى باهتمام اكثر من الاهتمام بكتب السياسيين لأنها أكثر جرأة وصدقاً وهنا أود الإشارة إلى ما كتبه اللواء علي أبو نوار، رئيس أركان الجيش الأردني عام 1956 وعنوانه «حين تلاشت العرب» الصادر عن دار الساقي في لندن عام 1990، وكذلك مذكرات القائد شاهر أبو شحوت أحد أشهر الضباط في حقبة الخمسينيات.
 
في الأردن صدرت بعض المذكرات في النصف الأول من القرن الماضي وكانت الى حد ما تستحق القراءة لما تضمنته من معلومات عن مرحلة بداية الدولة ثم انقطع حبل افكار السياسيين طيلة النصف الثاني تقريباً الى ان دخلنا القرن الجديد (21) بهمة جديدة تشبه الاستيقاظ بعد نوم عميق حيث بادر بعض السياسيين الى كتابة مذكراتهم التي عندما صدرت تمنى القُرّاء لو أن أصحابها ظلوا على نومتهم.
 
شخصياً لم اقرأ خبراً واحداً يتضمن معلومة تستحق الوقوف عندها أوردتها وسيلة إعلام محلية أو أجنبية منقولة عن أي من المذكرات التي صدرت حديثاً، وعندما غامرت وقرأت بعض ما ورد فيها تأكدت ان من كتبوا ومعظم من لم يكتبوا لم يكونوا سوى اعداد شكلية لزوم الجلوس على طاولة الاجتماعات دون اي فعالية او ان الامر اختلط عليهم ولم يفرقوا بين مفهوم المذكرات ومفهوم الذكريات والسير الذاتية وفوق ذلك أثقلوها بمدح الذات وتعظيم للادوار التي قاموا بها كما انهم نسوا ان بعض من سيقرأ المذكرات ما زالوا على قيد الحياة فملأوها بادعاءات البطولة والحكمة والنظافة.
 
ولو انهم كتبوا ذكرياتهم عن الفنادق التي اقاموا فيها واجروا مقارنات بينها من رفاهية الخدمة وجودة الطعام والفخامة بشكل عام لحققوا فائدة ما على الأقل.
 
ان ما يفقد مذكرات السياسيين العرب ويفرغها من الأهمية احيانا نقص في الثقافة لدى بعضهم وقصر نظر وفقر بالتجربة احيانا اخرى لكن عدم اهلية السياسي العربي للموقع الذي هو فيه يعد السبب الأكثر أهمية في ضعف مخرجات ادائه اثناء الخدمة وبعدها.
 
ولعل السبب الثاني المهم لانعدام قيمة ما يكتبون هو إصرارهم على مواصلة النفاق للحاكم وارضائه خدمة لأبنائهم وضمان لمستقبلهم سعياً للفوز بالمناصب بنفس الطريقة التي فاز بها الأباء بمناصبهم فتصدر المذكرات متخمة بالمدائح لانفسهم وللحكام ما يجعلها باهتة مملة يندم من يقرأها ولو كان هناك قانون يتيح للقراء استعادة ثمن هذه المذكرات وتعويضهم على إضاعة وقتهم لواجه المؤلفون دعاوى بالجملة على ما اقترفوه من اثم بحق الاوطان وتوجب عليهم الاعتذار وطلب المسامحة أولاً والتعويض على المتضررين ثانياً.