Sunday 5th of July 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    14-Jan-2020

مشكلة سد النهضة: رؤية مصرية

 الغد-محمود فاروق* – (معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى) 2019/11/12

 
في السادس من تشرين الثاني (نوفمبر)، أصدر وزير الخزانة الأميركي، ستيفن منوشين، ووزراء خارجية مصر وأثيوبيا والسودان بيانا مشتركا أكّدوا فيه على التزامهم “بالتوصل إلى اتفاق شامل وتعاوني ومرن ومستدام ومتبادل المنفعة بشأن ملء وتشغيل “سد النهضة الإثيوبي الكبير” في أريتيريا. وجاء هذا البيان، الذي حمل أيضا توقيع رئيس “البنك الدولي”، في ختام الاجتماع المتعدد الأطراف الذي عُقد في الأسبوع الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) في واشنطن، وتعهّد فيه الوزراء بالمشاركة في المزيد من الاجتماعات في 9 و13 كانون الأول (ديسمبر) لتقييم التقدم المحرز.
مع استمرار المناقشات، تتوفر أمام الولايات المتحدة دواع كافية لمواصلة حث الأطراف على التوصل إلى خاتمة قابلة للتطبيق. ومن شأن التراجع خطوة إلى الوراء عن الخلاف المصري-الأثيوبي أن يعطي الخصوم الجيوسياسيين مثل روسيا فرصة لتأدية دور أكبر في هذه المسألة. وعلى الرغم من أنه من غير المرجح أن تندلع حرب بين البلدين في الوقت الحالي، إلّا أن أي اندلاع لأعمال قتال بين هذين البلدين الأفريقيين الرئيسيين في وقت ما في المستقبل سيعرّض عشرات الملايين من المدنيين للخطر ويهدّد طريق التجارة الدولي الحيوي عبر قناة السويس وعلى طول القرن الأفريقي.
نقاط الخلاف
في 22 تشرين الأول (أكتوبر)، أي بعد أقل من أسبوعين من استلام رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد جائزة نوبل للسلام، ادعى آبي أنه “لا توجد قوة يمكن أن تمنع” بلاده من إكمال بناء “سد النهضة” (المعروف أيضاً باسم “سد النهضة الإثيوبي الكبير”) على مسار نهر النيل. وأضاف أنه قادر على “تأمين الملايين” في حال نشوب حرب مع مصر بسبب خطة بناء السد، والتي لطالما كانت مصدر خلاف بسبب تأثيراتها المتوقعة على إمكانية الحصول على المياه، والزراعة المحلية، والقضايا الاجتماعية والاقتصادية ذات الصلة.
ومن جانبه، يبدو أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ملتزم بتجنب النزاع، وقد وصف آبي بأنه “رجل سلام” وطلب من الحكومة الأميركية والاتحاد الأوروبي التوسط في القضية. وتمثّل رد البيت الأبيض في البداية بالطلب من البلدين ومن جارهما السودان مواصلة التفاوض بحسن نية، ثم دعاهم إلى واشنطن لإجراء محادثات مباشرة. وعبّر الاتحاد الأوروبي عن استعداده للتوسط أيضا.
في العام 2011، وصل النزاع حول مياه النيل إلى ذروته عندما بدأت الحكومة السابقة في إثيوبيا في بناء السد لتوفير المزيد من الكهرباء لسكانها البالغ عددهم حوالي 105 ملايين نسمة. وعلى الرغم من قيام الخطة منذ عقود، ومواجهتها العديد من التأخيرات في الميزانية والبناء في السنوات الأخيرة، إلا أن رؤية العمال وهم يشرعون في العمل دقّ أجراس الإنذار في مصر، التي يتسبب تزايد عدد سكانها بسرعة وسوء سجل إدارة المياه إلى قيام ضرورة ملحة للحفاظ على المنسوب الشمالي لنهر النيل.
ومنذ ذلك الحين، تحاول مصر التوصل إلى اتفاق مع إثيوبيا والسودان بشأن القضية الأكثر تأثيرا على المشروع، وهي: الوقت المخصص لملء خزان السد الضخم. وتريد مصر أن تكون وتيرة التعبئة بطيئة بدرجة تكفي لتفادي أي نقص كبير في إمدادات المياه التي تصل أراضيها، بينما تريد أثيوبيا تسريع إمكانية وصولها إلى مصدر جديد للطاقة قادر على إحداث ثورة في إمكانياتها. وعلى وجه التحديد، تأمل إثيوبيا في ملء الخزان في غضون ثلاث سنوات، بينما تطلب القاهرة بفترة سبع سنوات.
ولكن، حتى هذا المعدل الأبطأ سيهدد بشكل خطير وضع المياه الصعب مسبقا في مصر. فقد توقعت دراسة نشرتها “الجمعية الجيولوجية الأميركية” في أيار (مايو) 2017 أن تعاني مصر من نقص بنسبة 25 في المائة في حصتها السنوية من المياه إذا امتلأ الخزان خلال فترة تتراوح بين خمس إلى سبع سنوات. ووجدت الدراسة نفسها أن مثل هذا النقص سيشكل “خطرا كبيرا على الدلتا المصرية”، التي تقع على ارتفاع متر واحد فقط فوق مستوى سطح البحر. بالإضافة إلى ذلك، ووفقاً لتقرير وكالة “رويترز” من نيسان (أبريل) 2018، سيتم تدمير 17 في المائة من الأراضي الزراعية في مصر إذا ملأت إثيوبيا الخزان خلال ست سنوات؛ وترتفع هذه النسبة إلى 51 بالمائة إذا زاد المعدل إلى ثلاث سنوات.
وبعد فشل المفاوضات المباشرة التي دامت أربع سنوات، التمس الرئيس السيسي في تشرين الأول (أكتوبر) الوساطة الخارجية في هذا الشأن وفي قضايا أخرى، وهو خيار تجيزه المادة العاشرة من “اتفاق إعلان المبادئ” الموقع من البلدين والسودان في الخرطوم في العام 2015. وعلى الرغم من موافقة أثيوبيا في النهاية على إجراء محادثات بوساطة أميركية، إلّا أن سياستها منذ العام 2015 تمثلت بالاستمرار في بناء السد من دون الاهتمام الجاد بالطلبات المصرية فيما يتعلق بوتيرة ملئه، أو المخاوف بشأن السلامة، أو نسب المياه. وطرحت القاهرة ما لا يقل عن أربعة عروض واقترحت إشراك “البنك الدولي” لكي يُقدّم المشورة التقنية حول القضايا البيئية والاقتصادية. كما عرضت اقتطاع 15 مليارا من أصل 55 مليار متر مكعب من منسوبها السنوي من مياه النيل، وهو معدل الاستخدام الذي حددته الدولتان استناداً إلى اتفاقية تعود للعام 1929. وعندما فشلت تلك الجهود، أوصت مصر بالتماس الوساطة من أحد الأطراف المتعددة، بما فيها الصين وروسيا. وحتى أيلول (سبتمبر) الماضي خلال انعقاد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، أدّى رفض إثيوبيا المتكرر إلى دفع السيسي إلى التحذير من أنه “لن يتم تشغيل السد بفرض الأمر الواقع”، مما يجعل محادثات واشنطن ضرورية.
سيناريوهات محتملة
إذا واصلت واشنطن وساطتها ومنحت القضية الاهتمام المناسب، فبإمكانها المساعدة في تجنب الأعمال العدائية في بقعة حيوية من أفريقيا مع الحفاظ على التدفق السلس للتجارة الدولية. ومع ذلك، إذا أساءت التعامل مع هذا الأمر أو تركت الأطراف لتحل مشكلتها بمفردها من جديد، فثمة أطراف ثالثة بديلة تنتظر في الظل لتحقيق أجندة تتعارض مع الأجندة الأميركية. وفي تشرين الأول (أكتوبر)، تحدث رئيس الوزراء آبي والرئيس السيسي في سوتشي على هامش “القمة الافتتاحية روسيا – أفريقيا” التي سلطت الضوء على الدور المتنامي الذي ترغب موسكو في لعبه في أفريقيا. ولن يؤدي أي نزاع مسلح كبير في القارة إلّا إلى تسهيل هذا الهدف.
ولا يمكن استبعاد احتمال قيام مثل هذه الأعمال العدائية إذا تعثرت الوساطة الأميركية. وقد يكون القيام بعمل عسكري خياراً صعباً بالنسبة للقاهرة، والذي سيتكون له عواقب وخيمة على البلد بأسره، لكن الحكومة لا يمكنها ببساطة التغلب على أزمة مياه واسعة النطاق. فمصر هي لا شيء من دون النيل -والنقص الحاد الذي ينطوي عليه أي ملء سريع لخزان “النهضة” سيؤدي إلى اضطراب اجتماعي واقتصادي شديد لملايين المواطنين المصريين وللأعمال التجارية.
من المؤكد أن أي مسؤول مصري حالي لم يَذكر إمكانية استخدام القوة، كما أكد السيسي مراراً وتكراراً على أنه يدعم حق إثيوبيا في التنمية من دون إلحاق ضرر جسيم بإمدادات المياه إلى مصر. ومع ذلك، تشير نبرة وسائل الإعلام المصرية -التي تعكس عادة مواقف الحكومة بشأن القضايا الأخرى- إلى تزايد المطالبات بالتحرك. يجب على أثيوبيا والأطراف الثالثة الوسيطة أن يضعوا في اعتبارهم أن القادة المصريين السابقين وقادة الجيش أعلنوا طوعا استعدادهم للحرب من أجل حماية حصة بلادهم من المياه. وبينما تأمل الحكومة الحالية في تجنب الحرب -وربما تفتقر إلى القدرة العسكرية على خوض الحرب، فإن الأهمية الماسة لقضايا المياه يمكن أن تدفع الناس إلى الشوارع على الرغم من ضيق قنوات الاحتجاج المتاحة لهم.
 
*محلل قانوني وسياسي، والمدير التنفيذي السابق للمركز المصري لدراسات السياسات العامة.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات