Sunday 17th of November 2019 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    18-Oct-2019

جماليات الحكاية والسرد في رواية (حمالة القمح)

 الدستور-فوزي الخطبا

يحار المرء من أين يبدأ عندما يجد نفسه وسط حقول من الدلالات المفتوحة على التأويل، كالحقول التي أجدني فيها وأنا أطالع سطور «حمالة الحطب» للدكتور أحمد عطية السعودي.
والناظر إلى فن السيرة في الأدب العربي يلحظ أنه تطور تطورا واضحا وأصبح فنا مرموقا وله مكانته بين الأجناس الأدبية، وتداخل مع السرد الروائي فشكّل إضافة نوعية في فن الرواية، وقد ظهرت أعمال التقت فيها جينات السيرة الذاتية مع جينات الرواية، فقد جاء «الأيام» لطه حسين سيرة ذاتية وعملا روائيا، حملت عمق المعنى وبراعة الأسلوب، حتى ليكاد نثره يكون شعرا، وغيره من الأعمال مثل (اعترافات جان جاك روسو، في الأدب الغربي، والخبز الحافي لمحمد شكري في الأدب المغربي، ورحلة جبلية لفدوى طوقان، وغربة الراعي لإحسان عباس، وقصة حياتي لأحمد أمين) وغيرها.
و»حمالة القمح» تأتي في هذا السياق بما حملت من رؤية فنية عالية وتجربة إنسانية ممتدة، ةهذه الرواية لم تأت من فراغ، فقد أصدر الدكتور أحمد عطية السعودي في مجالات الإبداع والدراسات النقدية واللغوية والدراسات الإسلامية، منها: في السيرة( ليالي عابر سبيل).
 المستوى الدلالي:
وعند الوقوف عند العنوان (حمالة القمح) تعود الذاكرة إلى (حمالة الحطب) في النص القرآني، وتظهر قدرة السعودي على بناء التضاد المدهش بين هذه وتلك، فشتان بين من تهدم بالحطب ومن تبني بالقمح.
والقمح في ذاكرتنا الجمعية عنوان من عناوين الخصب والخير والعطاء، وهو ذهب الفقراء، وهو والريف صنوان. وله دلالاته الاجتماعية والديموغرافية والاقتصادية.
وتاء التأنيث في الريف لها جلالها وبهاؤها ولها مكانتها، فالمرأة عصب الحياة فيه، وقد احسن الروائي عندما جمع بين المرأة الحمالة والقمح، فكلاهما يحظى بمكانة كبيرة في وجدان المجتمع الريفي. فالقمح رمز العطاء والخير، والمرأة عنوانه.
ولأسماء الشخوص دلالاتها فهي ليست اعتباطية أو عشوائية، ف لـ (حنيش) و(الرقطاء) دلالات تتناسب مع طبيعة الشخصيات في الرواية والأدوار التي أدتها والسمات التي اتسمت بها.
 المستوى الحكائي:
بنى السعودي روايته بناء شموليا يعكس صورة واقعية من خلال الحكايات الأربع(حكاية علي الرميثي وأخيه سالم) و(حكاية الرقطاء وزوجها) و(حكاية صابر وحليمة) و(حكاية ريان ووداد). فعكست كل حكاية منها صورة من صور المجتمع الريفي. وأبدع الروائي في توظيف هذه الحكايات فجعل الحكايات الداخلية تنمو مع نمو شخصية البطل، مما اسهم في كسر رتابة السرد الروائي وأنجز نصا روائيا مشوقا مبنيا بناء محكما، وزازن فيه بين نمو السرد الروائي ونمو الحكايات، في بناء درامي رائع.
وجمع الروائي الطفولة والكهولة على مائدة واحدة، فالكهولة تمنح الحكمة، والطفولة تعني الأمل والعطاء، فهي صورة تجمع بين المدبر عن الحياة وبين المقبل عليها.
وقد أبدع الروائي في تصوير مرحلة الطفولة، هذه المرحلة التي تتشكل فيها ملامح الشخصية، وتكتسب خصائصها وقيمها، وتشكل صفحة بيضاء تشكلها – في القرية– المجالس كما المدارس. وهذا هو التناغم الذي أوجده الجمع بين السيرة والرواية.
فالرواية واقعية تنطلق من أن الحياة ليست ملهاة دائمة ولا مأساة مستدامة، إنها مزيج بين هذا وذاك، فقصة (ريان ووداد) وقصة (علي الرميثي وأخيه سالم) تلتقطان صورا من الحياة بوجهها الشاحب، بينما (تطوف أباريق الشاي وتدار أطباق الحلوى) فرحا بزواج ضيف الله. وعلى الرغم من الشر الذي توغل في صدر عائلة الرقطاء وزوجها إلا أن الخير ينتصر فتتحول العائلة الى متسامحة محبة للخير على يد ابراهيم.
 المستوى الخطابي (اللغوي):
تساءل (بارت) عندما قرأ أعمال (باتاي) الروائية: قائلا: أروائي هو أم شاعر أم اقتصادي أم فيلسوف أم صوفي؟
ثم علق قائلا: بأن الإجابة في منتهى الصعوبة.
هنا- وأمام (حمالة القمح) تبدو الإجابة صعبة، لكن الحقيقة أن الروائي ينظر إلى الأشياء بعين ثالثة، فلا ينقل الواقع لكنه يصوره، ولا يصور الحياة، لكنه يعيد تشكيلها، ولا يبني الجملة على المستوى الصوابي، لكنه يبنيها متوخيا المستوى الجمالي، لأن الجمال أمر تأثيري، واللغة كائن جمالي، تمنحك من اسرارها كلما ازددت قربا منها وكلما بنيت علاقتك بها، ومتحت من أسرارها.
وهذا هو السعودي.. لا تستطيع أن تقول إنه توحيدي (نسبة الى أبي حيان) ولا رافعي، ولا رهين المحبسين، إنه رهين اللحظة الإبداعية، يقتنصها بكل ذكاء، ويلبسها ثوبا دلاليا ناصع الجمال، بلغته البيانية، واسلوبه الجمالي، ومفردته العذبة، فتأخذك الرواية رهينا لجمال اللغة منساقا وراء صورها، متأملا دلالاتها، لتجد نفسك أمام نص يبوح تارة ويتمنع تارة أخرى، موظفا التناص القرآني والتاريخي والأدبي، لتتأكد مقولة جوليا كريستيفيا بأن التناص هو تشرب واع أو غير واع لنصوص سابقة أو مزامنة.
فالرواية بدأت بمدخل شاعري رومانسي شفاف أخاذ وصور بلاغية دالة ونسق دلالي محكم التكوين على المستيات البنائية والفنية والحكائية، واختتمها السعودي بالشاعرية ذاتها والتدفق العذب.
 المستوى الفني:
نوّع السعودي في شخوصه بين الشخوص الرئيسية والشخوص الثانوية فجاءت الشخوص الثانوية داعمة ومؤازرة للفعل السردي مؤدية دورا فاعلا غير هامشي، في بناء حركة السرد ونموه في النص الروائي، وأحسن توظيف الشخصيات الفاعلة والمؤثرة، كالجد والجدة والأم، والشخصيات الايجابية مثل معلم المدرسة (عمر العناني) وابراهيم، والشخصيات السلبية مثل (الرقطاء وحنيش والفالج)، فأكسب روايته واقعية لا يصعب تتبعها في متن الرواية. وقد ظهرت قدرة الروائي على تصوير خلجات الشخوص الداخلية وهواتفهم النفسية، فيأتي السرد الروائي مليئا بالحركة والنبض الدافق والتشويق فيدهش المتلقي ويهز وجدانه.
وأقام علاقة الإنسان بالمكان، جبلا وسهلا وواديا وعيون ماء، فأنسن الأشياء وأضفى عليها روحا تحس به ويحس بها، وأبدع في تصوير القرية بإنسانها الطيب وطبائعها الجميلة، وحياتها الريفية، ومواسم الغلال والحصاد، وسنابل القمح تلثمها الريح، وعناقيد العنب وهي تعانق صيفا أغصان التين، والرمان وهو يزهو بأزهاره الزاهية.
والقرية هي الأم الرؤوم والوطن الصغير، الكبير بحميميته وتكاتفه، بما يمثله من عادات وقيم أصيلة، وروح متسامحة، وفطرة نقية، وإنسانية شفافة. فقد رأى القرية بعين المحب العاشق والخاشع المتعبد في محراب الريف الزاهي.
وقد أمسك السعودي بقبضة الزمن وكشف عن الزوايا المعتمة وصور حقبة ممتدة من أواخر العهد العثماني إلى وقتنا الحاضر، راصدا التغيرات والتحولات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وربط بين الأجيال بخيط سردي حمل معه السمات والتداعيات والأحلام والآمال والمنى وما بينها من بون شاسع تارة وتشابه طورا، من (الشيخ سلمان) حتى (الفتى أحمد) بأحلامه وطموحاته ورؤاه.
وصفوة القول إن السعودي لم يصافح الواقع بل عانقه بحنان وحب دافئ. فجمع بين الواقع المعيش وبين الرومانسية الشفافة والحزن الشفيف، وهل تسمو النفوس الا بالحب وهل تنضج العقول الا بالحزن؟! فقد قدم شخوص الرواية من صميم الواقع ومزج بين الحدث الاجتماعي والحدث التاريخي عندما تحدث عن حروب العرب مع اسرائيل والعدوان الثلاثي على مصر والحربين العالميتين الأولى والثانية.
وقد كشفت هذه الرواية عن قدرة الروائي في بناء الرواية بناء متماسكا ومتناغما بصورة شمولية غير مجتزأة فكان شاهدا على بعض أحداثها، مازجا بين السيرة الذاتية والسرد الروائي. والرواية منحازة إلى الريف، بسمته الطيب ووقعه الهادئ ودفئه الحاني، على الرغم مما في الحياة من بؤس وحرمان. وكانت الرواية فنا نثريا جماليا مدهشا قصديا، وليست نثرا فنيا مجانيا، وهذا لا يتأتى إلا لقلة ممن يملكون ناصية اللغة وعمق التجربة.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات