Friday 12th of July 2024 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    29-May-2023

حياصات تكتب: النقابات المهنية والتحديث السياسي .. هل جاء دور النقابات؟

 عمون-ميس حياصات

تعتبر النقابات المهنية من أهم المؤسسات المدنية في الأردن، نظرا إلى الأعداد الكبيرة جدا من المنتسبين إليها، إضافة إلى الدور التنموي الذي قامت ولا زالت تقوم به، وكذلك الدور السياسي الذي شاركت به ولا زالت حتى اللحظة.
 
بدايةً تأسست النقابات المهنية في الأردن من أجل الحفاظ على مصالح منتسبيها، ثم جاء سبب آخر ساهم في رفع المكانة المهمة للنقابات، فعندما تم حظر الأحزاب السياسية في عام ١٩٥٧ كانت النقابات المهنية هي البديل السياسي، وعبر عقود متتالية كانت العيون تتجه نحو النقابات المهنية لمعرفة المزاج السياسي، والذي كان في الأغلب يعتبر أنَّهُ مزاج معارض لِلتَّوَجُّهَاتِ الحكومية، وخلال تلك العقود المتتالية وجدت الأحزاب السياسية المحظورة مظلتها غير الرسمية في النقابات المهنية، لذلك ساد القول أنَّ النقابات هي واجهات سياسية للأحزاب السياسية، وكنتيجة رئيسية لذلك كانت النقابات المهنية هي الرافعة السياسية للعديد من كبار الشخصيات السياسية نيابيا ووزاريا، وكذلك عضوية مجلس الاعيان، فالبداية والانطلاقة لكل واحد منهم كانت من النقابات المهنية عبر أنشطتها السياسية، ومن المؤكد أنَّهُ ومن خلال تلك العقود الماضية كان ال�'هَمّ السياسي هو أعلى شأنا من ال�'هَمّ النقابي، أو هكذا كانت النظرة إليها، فقد كانت النقابات المهنية روافع ودعائم سياسية في كثير من المواقف السياسية في البعدين الداخلي والخارجي .
 
مع عودة الديمقراطية إلى الأردن ومنذ عام ١٩٨٩، وما تبعه من السماح بعودة الأحزاب السياسية عبر قانون أحزاب سياسي جديد، مَكَّنَ الأحزاب المحظورة من إعادة ترخيص ذاتها من جديد، كان طبيعيا أن تدخل النقابات في مرحلة التراجع السياسي، فهذا هو دور الأحزاب، لكن ونتيجة لعدم الاستجابة من النقابات وقعت اصطدامات كثيرة ما بين بعض النقابات وبعض الحكومات.
 
كانت تلك الحكومات تريد نقابات تعمل في الشأن المهني البحت، وهذا لم يكن تطبيقه سهلا بعد تركة العقود الماضية، والتي برزت فيها النقابات المهنية سياسيا، وعلى الرغم من كل تلك الضغوطات الحكومية إلا أنَّ النقابات لا تزال تمارس دورا سياسيا، وإن كان بدرجات أقل مما مضى، باستثناء الدور الذي لعبته النقابات المهنية في المظاهرات التي حدثت في عام ٢٠١٨، احتجاجا على مشروع قانون الضريبة الذي كان يمس الأوضاع المالية لمنتسبي النقابات المهنية وغيرهم، وفي ذات الاتجاه لا ننكر أن نقابة المعلمين قد تصدرت المشهد النقابي إلى أن وصل بها الحال إلى ما هو معلوم لدى الجميع .
 
في منتصف عام ٢٠٢١، شُكِّلَت لجنة التحديث السياسي كبوابة دخول الدولة الأردنية إلى المئوية الثانية، وعملا بمخرجاتها تم إصدار قانون جديد للأحزاب السياسية، ومن الواضح تماما وبحكم التَّوَجُّهَاتِ الملكية أننا ذاهبون نحو تحزيب المجتمع الأردني، أو على الأقل أن تكون نسبة منه مُتحَزِّبَة، والبقية تُشارك في الانتخابات النيابية لاختيار الحزب السياسي، أو غيره خاصة في ظل وجود ٤١ مقعدا للأحزاب السياسية في البرلمان القادم. اليوم واستجابة لذلك يكون السؤال هنا، ما هو دور النقابات المهنية في تعزيز منظومة التحديث السياسي والترويج لها، خاصة وأنَّ السياسة ليست بعيدة عن النقابات، فهي إحدى العناوين البارزة لها، وبدون شك أنَّ هنالك جدلا أو تباينا في الآراء حول شكل التفاعل المطلوب من النقابات مع منظومة التحديث السياسي مع الإقرار أن الأحزاب تنشط في استقطاب أعضاء لها من كافة الشرائح، ومن المؤكد أن منتسبي النقابات هم هدف أساسي لهذه الأحزاب، فكثير من الأحزاب تُخَصِّص لجنة من لجانها الرئيسية لمتابعة الشأن النقابي، كما أن نسبة تواجد الحزب السياسي في مجالس النقابات هو أحد المؤشرات على قوة الحزب السياسي، علما بأن النقابات مع الجامعات والمعلمين هم ركائز نجاح هذه التجربة الحزبية الجديدة.
 
السؤال اليوم بمزيد من التفصيل هو سؤال يتمحور حول شكل التفاعل المطلوب من النقابات المهنية مع منظومة التحديث السياسي، ومرتكزها الأحزاب السياسية، وهنا نقول إن الأحزاب ستكون حاضرة في المشهد النقابي بلا شك، لكن كيف سنجد معادلة تضمن الحفاظ على المهنية رغم وجود الحزبية؟ ربما أنَّنا نحتاج إلى نظام خاص يصدر عن النقابات يتناول كيفية ممارسة الأنشطة الحزبية داخل النقابات المهنية يفصل المهنية عن الحزبية، أو إيجاد ميثاق شرف يضمن تحقيق ذلك الفصل بينهما، والفكرة واضحة أن لا تؤثر التَّوَجُّهَاتِ الحزبية على هدفنا الأساسي، وهو خدمة جميع منتسبي النقابة بحيادية تامة.
 
نعم نحن في النقابات مهمتنا الأساسية هي خدمة منتسبيها مهنيا ومعيشيا، لكن في ذات الوقت فإنَّهُ يتوجب علينا القيام بدورنا التنويري والتوعوي، ألا وهو مشاركتنا في تعزيز مشروع الدولة في مئويتها الثانية، وترجمة لذلك المقترح ربما يكون من المناسب أن تبدأ اللجان المعنية في مجالس النقابات، ومجالس الفروع في التوعية بقانون الأحزاب، والقوانين الأخرى ذات العلاقة في منظومة التحديث السياسي. لكن ومن جانب آخر فإن الصَّرَاحَة تتطلب مني القول هنا، أن التفاعل من منتسبي النقابات مع المشهد السياسي ضعيف، والدليل على ذلك هو ضعف المشاركة في انتخابات مجالس النقابات المهنية، ويعود ذلك إلى عدة أسباب أبرزها واقع التضييق على الحُرِّيَّات العامة. هنا نقول أنَّه وبالقَدَر الذي تَتَّسع فيه مساحة الحُرِّيَّات ينتج عنه مزيدا من التصويت في انتخابات النقابات المهنية، ومزيدا من التفاعل مع التجربة الحزبية القادمة، مع التأكيد أن وجود منتسبي النقابات في الأحزاب السياسية يخدم في بلورة برامج هذه الأحزاب اعتمادا على حقيقة أنَّ النقابات هي بيوت خبرة في كافة المجالات.
 
 
في الختام أُدرك أنَّ ما كتبته اليوم، ما هو إلا محاولة استباقية نحو التفكير في واقع انتشار الأحزاب، والتي ستكون النقابات إحدى مساحات التنافس الرئيسية بينها. آملا أن تكون هذه المقالة بداية لحوار نقابي داخلي حول كيفية التعامل مع هذه المعطيات الجديدة لضمان كيفية التعامل مع الأحزاب بما لا يَضُرّ بِمِهَنِيّتنا والتي هي هدفنا الأساسي.