Saturday 16th of February 2019 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    10-Feb-2019

مسألة الكسب والخسارة غير ذات صلة في سورية وأفغانستان

 الغد-ماكس بوت* – (الواشنطن بوست) 30/1/2019

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
 
“ربما لا يكون كسب الحرب (في أفغانستان) خياراً متاحاً، لكن الخسارة كذلك بالتأكيد. سوف تكون أي مغادرة متهورة ومتسرعة للقوات الأميركية، مهما كانت أسبابها منطقية، بمثابة اختيار للخسارة. وسوف تكون النتيجة ضربة تتوجه إلى المصداقية الأميركية، وإضعافاً للردع ولقيمة الضمان الأميركي في الأماكن الأخرى، وزيادة في التهديد الإرهابي الذي ينبع من منطقة أفغانستان، والإمكانية الكبيرة لعودة ضرورية لقواتنا إلى هناك في ظروف أسوأ بكثير”.
 
* *
شرع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مسبقاً في سحب الجنود الأميركيين من سورية، ويرجح أن يقوم بسحبهم أيضاً من أفغانستان، بافتراض أن يتم التوصل إلى صفقة سلام انتقالية مع حركة طالبان هناك. وعلى الرغم من أن ترامب زعم بداية أن الولايات المتحدة كسبت في سورية، فإن الدافع الحقيقي وراء كلتا الخطوتين هو إحساس واسع النطاق، والذي يتقاسمه مؤيدون لترامب ومنتقدون له على حد سواء، بأن الأمر لا يقتصر على أننا لا نكسب الحروب فحسب، وإنما أننا لا نستطيع أن نكسب هذه “الحروب المستمرة إلى الأبد”، بغض النظر عن مدة بقائنا في هذين البلدين.
كتب الاستراتيجي وكاتب أدب الرحلات، روبرت د. كابلان، في صحيفة “نيويورك تايمز” مؤخراً: “ليس هناك عملياً أي احتمال لتحقيق انتصار عسكري على طالبان، وثمة احتمال ضئيل لأن نترك وراءنا (في أفغانستان) ديمقراطية قادرة على إدامة نفسها أيضاً”. وفي الأثناء، كتب الدبلوماسيان المخضرمان؛ آرون ديفيد ميلر وريتشارد سوكولسكي، في موقع محطة الإذاعة الوطنية، “إن. بي. آر”، أن “داعش ليس ألمانيا أو اليابان؛ حيث استطاعت الولايات المتحدة وحلفاؤها أن يكسروا إرادة القتال عند هذه الأنظمة، وأن يدمروا قدراتها على خوض الحرب، والقضاء على أيدولوجيات الدولة الفاشية لديها والمساعدة على صياغة بيئة جديدة لبلدين ديمقراطيين. سوف يكون تحقيق الولايات المتحدة هذا الهدف في سورية مهمة مستحيلة”.
لدي احترام كبير لهؤلاء الكتاب، لكن ملاحظاتهم، في حين أنها صحيحة، تبقى غير ذات صلة أيضاً. وكان جيمس دوبينز، المبعوث الأميركي السابق إلى أفغانستان وباكستان، وزملاؤه في مؤسسة “راند”، أقرب إلى الفكرة عندما كتبوا: “ربما لا يكون الكسب خياراً متاحاً، لكن الخسارة كذلك بالتأكيد. سوف تكون أي مغادرة متهورة ومتسرعة، مهما كانت أسبابها منطقية، بمثابة اختيار للخسارة. وسوف تكون النتيجة ضربة تتوجه إلى المصداقية الأميركية، وإضعافاً للردع ولقيمة الضمان الأميركي في الأماكن الأخرى، وزيادة في التهديد الإرهابي الذي ينبع من منطقة أفغانستان، والإمكانية الكبيرة لعودة ضرورية لقواتنا إلى هناك في ظروف أسوأ بكثير”. ويتحدث تقرير “راند” عن أفغانستان، لكن التحليل نفسه ينطبق على سورية أيضاً.
لم يمكن بالوسع هزيمة تنظيم “الدولة الإسلامية” ولا طالبان الأفغانية عن بُعد. وقد فقد “داعش” عملياً كل أراضي “خلافته”، لكن مدير المخابرات القومية الأميركية، دانيل كوتس، حذر للتو من أن التنظيم “ما يزال يسيطر على آلاف المقاتلين في العراق وسورية، وهو يحتفظ بثمانية فروع، وأكثر من دزينة من الشبكات، والآلاف من الأنصار الموزعين في جميع أنحاء العالم”. بل إن طالبان تبلي بلاء أفضل من “داعش” نفسه: فهي تسيطر -أو تنافس من أجل السيطرة- على 40 في المائة من المقاطعات الأفغانية، وهي تلحق خسائر فادحة بقوات الأمن الأفغانية. ويقول جنرال أفغاني إن هناك أكثر من 77.000 متشدد يقاتلون ضد الحكومة -وهو عدد أعلى بكثير من الرقم الرسمي الذي يقدرهم بما بين 25.000 و30.000. وإذا انسحبت الولايات المتحدة من أفغانستان، فإن من المرجح أن تستولي طالبان على معظم أجزاء البلد؛ وإذا انسحبت قواتنا من سورية، فإن تنظيم “الدولة الإسلامية” سوف ينبعث وينشط مجدداً على الأغلب.
في حربها مع هؤلاء المتمردين، تحتاج الولايات المتحدة إلى إحداث تغيير في عقليتها إزاء الحرب الكبيرة. نعم، لن يكون هناك احتفال باستسلام العدو على دكة حاملة الطائرات الأميركية “يو. أس. أس. ميسوري”. ولكن، حتى الانتصار الذي تحقق في الحرب العالمية الثانية كان سيتبدد بسهولة، كما حدث لسابقه في الحرب العالمية الأولى، لو أن الولايات المتحدة لم تحتفظ بقوات في أوروبا وآسيا منذ 73 عاماً -وما تزال. وكلما كان أمد بقاء القوات الأميركية أطول في أي مكان، كانت فرصتها في تحقيق غاياتها أكبر. وعندما تنسحب القوات الأميركية، فإن التداعيات عادة ما تكون مكلفة، سواء كان ذلك من نوع استيلاء الشيوعيين في كمبوديا ولاوس وفيتنام الجنوبية على السلطة في العام 1975، أو صعود “داعش” بعد مغادرة القوات الأميركية العراق في العام 2011. وفي حين أن الفيتكونغ لم يكونوا يحاولون مهاجمة الأراضي الأميركية الرئيسية، فإن “داعش” والقاعدة يفعلان. وقد ذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” أن المخابرات الأميركية حذرت من أن “انسحاباً شاملاً للقوات الأميركية من أفغانستان سوف يفضي إلى شن هجوم على الولايات المتحدة في غضون عامين”.
سوف يجادل المدافعون عن الانسحاب بأن انتشاراً مفتوح النهاية للقوات سيكون شأناً غير قابل للاستدامة. لكن هذا ليس صحيحاً. فالقوات الأميركية تتكون من متطوعين. وبما أنهم لا يتحملون الكثير من الخسائر، فإن الجمهور لن يكون معارضاً لنشرهم. وقد عانت القوات الأميركية من 6 وفيات سورية، و66 في أفغانستان منذ العام 2015 -بمعدل 18 جندياً في السنة الواحدة. ولا شك في أن هذه الخسائر مأساوية، لكن الجيش الأميركي فقد في العام 2017 وحده 80 من أفراد الجيش في حوادث خلال التدريب. وقد أصبح التدريب الآن أكثر قتلاً بالنسبة للقوات الأميركية بنسبة أربعة أضعاف من الاشتباك في قتال حقيقي. كما أن هذه الصراعات ليست مدمرة من الناحية المالية أيضاً: حيث تتكلف الحرب في أفغانستان أقل من 10 في المائة من ميزانية الدفاع. وإذا ما اختار ترامب الانسحاب، فإن ذلك سيكون خياره هو. وعلى النقيض من ريتشارد نيكسون في فيتنام، فإنه لن يكون قد اضطر إلى الخروج بسبب الضغط الجماهيري في الوطن. ليست هناك مظاهرات مناهضة للحرب في الشوارع الأميركية.
عادة ما تكون هذه الأنواع من نشر القوات مطولة ومثيرة للحفيظة حتماً. ولنفكر في الحروب الهندية، التي استمرت لما يقرب من 300 عام (من العام 1600 إلى 1890)، أو نشر القوات البريطانية في الجبهة الشمالية الغربية (لحدود الباكستانية-الأفغانية اليوم)، الذي استمر لنحو 100 عام (من أربعينيات القرن التاسع عشر وحتى أربعينيات القرن العشرين). ولا تقوم الولايات المتحدة بتنفيذ مهمات قتالية تقليدية، وإنما تقوم بمراقبة حدود “باكس أميركانا”. وتماماً كما أن الشرطة لا يحاولون القضاء على الجريمة، فإن الجنود لا يحاولون القضاء على الإرهاب، وإنما يحاولون بدلاً من ذلك إبقاءه تحت العتبة الحرجة التي تهدد الولايات المتحدة وحلفاءنا. وليس هذا مرضياً مثل السعي إلى إلحاق الهزيمة غير المشروطة بالعدو، لكنه، كما قد نكتشف قبل مضي وقت طويل، يتفوق على البديل. 
إن ترامب لا يقوم بإنهاء، ناهيك عن كسب، الحروب في سورية وأفغانستان. وتبقى وعود طالبان بحسن التصرف بلا قيمة، بينما لا يبذل تنظيم “داعش” أي وعود من الأساس. وإذا ما قام ترامب بإعادة جنود الولايات المتحدة إلى الوطن، فإنه يختار بذلك الخسارة وإهدار التضحيات التي قدمها الجيش الأميركي منذ العام 2001.
*مؤلف أميركي، مستشار، محرر، محاضر، ومؤرخ عسكري. عمل ككاتب ومحرر لمجلة كريستيان ساينس مونيتور ثم لصحيفة وول ستريت جورنال في تسعينيات القرن الماضي. وهو الآن زميل جيان كيكباتيريك في دراسات الأمن القومي في مجلس العلاقات الخارجية.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Why winning and losing are irrelevant in Syria and Afghanistan
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات