Friday 20th of October 2017 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    11-Aug-2017

قلب الطفل وعقل الناقد: عن روايتي "كوخ العم توم" و"الطائر المصبوغ" - معاذ بني عامر
 
الغد- أول كتاب قرأته في حياتي كان رواية (كوخ العم توم) للروائية الأميركية "هيريت ستو Harriet Stowe,s ". للآن ما أزال غير قادر على إعادة قراءة هذه الرواية خشية أن يتدخّل عقلي النقدي، فيشوّه شعور الطفل الذي كنته يومذاك، الذي قرأ تلك الرواية بحماسة كبيرة، معايناً آلام العم توم، ومعانياً معه أيضاً. وكلما هممتُ بقراءتها خرج الطفل الصغير من بين ثناياها وأمسك بالرواية وأعادها إلى مكانها، هامساً في أذني: حاذر، إنك تُسيء إلى قلبك.
وآخر رواية قرأتها قبل يومين كانت رواية (الطائر المصبوغ) للروائي البولوني "جيرزي كوسنسكي Jerzy Konsinski". وهي عن طفل صغير يعيش ويلات وفظاعات الحرب العالمية الثانية، شاهداً على ما حدث في أوروبا من 1 - قطع مع عصر الأنوار ومنجزاته الحضارية التي ارتقت بالإنسان، و2 - وصل مع عصر الهمجية حيث البشر محض حيوانات ضارية تتذابح وتتسافد دون أدنى حسّ من وازع داخلي أو ضمير حيّ.
الطفل الأول (قرأ) والطفل الثاني كان مادة (للقراءة). الأول كان (خارج النص) والثاني كان (داخل النص). الأول قرأ آلام الكبار، والثاني حلّت عليه آلام الكبار. الأول عاين العالَم عبر النصّ، والثاني عاين العالَم في النصّ. لذا كان حريا بالطفل الأول؛ الطفل الذي قرأ رواية كوخ العم توم، أن ينحاز للطفل الموجود في رواية الطائر المصبوغ، وذلك بالاستيقاظ من ذلك السبات الوجداني الذي نام فيه منذ مدة طويلة، ويُعاود قراءة رواية كوخ العم توم مرة أخرى. لكي يُعيد ترتيب العالَم من جديد، والنظر إليه نظرة فاحصة، بما يتجاوز حدود الذات الأنانية، التي لا تريد لشعورها الطفولي أن ينخدش تحت وطأة قراءة العمل قراءة نقدية جديدة. فذلك الشعور الذي راودني وأنا طفل صغير تجاه رواية كوخ العم توم، وجعلني أصرُّ على عدم قراءتها مرة أخرى، هو شعور أناني بالدرجة الأولى؛ شعور طفل صغير حصل على لعبة وليس بإمكانه التخلّي عنها لأيّ أحد. لكن، بعد قراءة رواية (الطائر المصبوغ) صار لزاماً للطفل الذي كنته يوم أن قرأت كوخ العم توم، أن يدخل في شراكةٍ عقلية مع طفل (الطائر المصبوغ). نظراً لحجم الآلام التي حلّت بهذا الطفل، ساعة رأى أحشاء أوروبا كاملة تندلق ومعها تندلق قذاراتها.
ولقد راودني سؤال مقلق لحظة قراءة الرواية: ما حجم ألم المرء وهو يقرأ نصّا مؤلماً ومؤذياً، مقارنة بحجم الألم الذي يكون قد عايشه البطل في الواقع أساساً، ثم عمل الروائي على نقله إلى الورق ثانياً؟.
ما حجم ألم قارئ يقرأ رواية (جوستين) للمركيز دو ساد، مقابل الألم الذي حلَّ بـ "جوستين" أصلاً؟. وما حجم آلام قارئ يقرأ في نصّ "سوفوكلوس" عن "أوديب" وهو يفقأ عينيه، مقارنة بآلام أوديب نفسه؟. وما حجم ألم الطفل الذي كنته يوم أن قرأت آلام العم توم في رواية "هيريت سنو"، مقارنةً بآلام الطفل في رواية (الطائر المصبوغ)؟.
ثمة نمطان من الإجابة عن هذا السؤال:
أولهما: سلبي، يجنح ناحية التموضع داخل النص المقروء، والبقاء داخل هذه الشرنقة، حفاظاً على شعور وجداني يبرز قيمة الذات الأنانية لحظة القراءة. وهذا ما حدث معي إذ أبقيت على آلام العم توم داخل الطفل الصغير الذي كنته، ولقد تعمّقت هذه السلبية يوم أن أصررتُ على عدم قراءة الرواية قراءة جديدة تجنح ناحية تفكيك فكرة الألم تفكيكاً عقلانياً لفهم أبعادها المختلفة، والمساهمة مساهمة حقيقية للتخفيف من هذا الألم قدر المستطاع؟ فإطلالة الطفل الصغير ليصرخ في وجهي: حاذِر! هي إطلالة أنانية بالدرجة الأولى، لأنها تتعامل مع النص تعاملاً سلبياً غير مُنتج. فهي إذ تتألّم لآلام العم توم، فإنها تبقي على هذا الألم داخل الذات، دون أن تبحث عمّا يحدّ من فتكه بالناس مرةً أخرى، أو بالأحرى بأشباه العم توم.
وبناء عليه، تُصبح آلام فرتر الحقيقية في عمل غوته الذي يحمل اسم فرتر نفسه، سواءً في الواقع أو داخل النص الروائي، أو آلام العم توم في رواية كوخ العم توم لهيريت ستو، أو آلام أوديب في أوديب ملكاً لسوفوكلوس، أو آلام جوستين في رواية جوستين للمركيز دو ساد، أو آلام راسكولينكوف في الجريمة والعقاب لدوستويفكسي أو آلام أيوب في التوراة، أو آلام إبراهيم في النص القرآني، أو آلام مورتينز في (الساعة الخامسة والعشرون) لقسطنطين جورجيو، أشدُ ألماً من ألم القارئ، على اعتبار عدم فاعلية فعل القراءة في تجاوز الذات الفردية، فالقراءة –والحالة هذه- قراءة ذاتية، وإنْ ادعّت حزنها على من تألموا في النصوص المؤلمة والمؤذية للوجدان الإنساني. 
وهذا ما حدث مع الطفل الذي قرأ رواية كوخ العم توم، وخاض حرباً وجدانية ضدّ ذاته لكي لا يعيد قراءتها وهو كبير. فهو إذ يحتفظ بهذا الشعور الرومانسي، فإنه يساهم مساهمة سلبية في فاعلية العقل النقدي، وقدرته على المساهمة مساهمة حقيقية في الحدّ من آلام الناس.
ثانيهما: إيجابي، يجنح ناحية تجاوز فعل القراءة السلبي، إلى ما هو خارجي. أعني لناحية تحوّل فعل القراءة إلى فعل مُنتج. وذلك بتفكيك السياق الذي أنتجَ آلاماً في الواقع ابتداءً، والتخفيف قدر الإمكان من تلك الآلام. نعم، سيكون الوقت لإنقاذ الأبطال الذين عانوا من تلك الآلام، لا سيما من تموقع منهم داخل النصوص، قد فات. فقد تجرّعوا كأس الألم عن آخره، وهاهي هي حيواتهم تتطوّح تحت ضربات موجعة لا رحمة فيها ولا شفقة، بما يجعل منهم أمثلة على البسالة والشجاعة في مواجهة المخاطر المُوحشة والمتوحشة التي يمكن أن تفتك بالإنسان. فالعم توم كان قد تجرّع كأس الألم، ولم يعد ثمة إمكان، سواء أقُرِئت آلامه قراءة سلبية كالتي أشرتُ إليها آنفاً، أو قراءة إيجابية كالتي أتحدث عنها الآن، لإنقاذه أو تقديم يد المساعدة له. لكن أمكن تقديم يد العون، من خلال تفكيك السياق الواقعي الذي أنتج العم توم، وجعله يُعاني معاناة شديدة نتيجة لنظام العبودية في المجتمع الأميركي، والعمل على فهم التباساته، لغاية تقديم رؤى أكثر إنسانية وتسامحية، بحيث لا نعود نرى العم توم مرة أخرى، لا في الواقع ولا في النصوص. وهذا ما حدث بالفعل ليس مع رواية كوخ العم توم أو رواية جوستين أو رواية الطائر المصبوغ أو رواية الساعة الخامسة والعشرون، فقد ساهمت الآلام القارّة داخلها، في بلورة سياق إيجابي يمكن للإنسان ان يستفيد منه، للتخفيف من آلام الناس في الواقع المعيش. فالقراءة لم تقتصر على الحالة الوجدانية التي تتعاطف مع البطل في العمل الأدبي، بل تعدّت ذلك إلى قراءة السياقات التي أنتجت هذا البطل قراءة إيجابية ستثمر في الواقع آجلاً، عاجلاً. فالقراءة المُنتجة لرواية كوخ العم توم هي التي أنتجت سياقاً –وإن استغرق مدة طويلة- يُجرّم العبودية، ونفس القراءة لرواية جوستين هي التي أنتجت مفهوم "السادية" في علم النفس، والبحث عن علاج له، وهكذا  دواليك.
لذا، بناء على ما أسلفت، فإني اليوم أتخلّى عن نظرات ذلك الطفل الذي جاهد طويلاً لكي يمنعني من قراءة كوخ العم توم مرة أخرى. فالقراءة الواعية للعمل الأدبي أجدى على المستوى الإنساني، لما لها من تأثير يتجاوز الذات الفردية، وذلك بالبحث عن مخارج آمنة لآلام الذات الجمعية، سواء أكانت في الواقع أو في النصوص. وها هو –أعني الطفل الذي كنته- يضع يده بيدّ بطل رواية (الطائر المصبوغ) ويصرخان معاً في وجه العالَم: "لا تتعاطفوا مجرد تعاطف مع آلام الآخرين. لا تقرأوا بقلوبكم فحسب، بعقولكم أيضاً"! فعبرها يمكن التخفيف من آلام من هم على شاكلة (العم توم) أو شاكلة طفل "جيرزي كوسنسكي" في رواية (الطائر المصبوغ).
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات