Thursday 25th of April 2019 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    12-Apr-2019

تأملات في «ذئب المضارع» للشاعر نضال برقان

 الدستور-(لن أستطيع أن أصل إليك، وليس في وسعي أن أفصل نفسي عنك) جلال الدين الرومي.

ابعد من فكرة الزمن هو الإحساس بالزمن ذاته وهو يرسم ظلاله في الحضور والغياب، كأننا لم نعرف منتهى الوقت الذي يمر بنا في الزمن، لذا حاول الانسان منذ بدأ الخليقة السيطرة على الزمن والامساك باللحظة التي تمر به من خلال رسومه على جدران الكهوف، ثم بدأ عصر الكتابة فحاول السيطرة على الزمن أيضا، ولدينا ملحمة كلكامش خير دليل على ذلك؛ فهي منحته الخلود الذي لم تمنحه له عشبة الحياة.
والشاعر نضال برقان في ديوانه (ذئب المضارع) الصادر عن الدار الأهلية في عمان، حاور هذه الفكرة وحاول تجسيدها، فالعنوان على اعتباره عتبة أولى يدل على آنية الحضور المستمر الذي لا ماضي له، وسنجد حضور ذئبه المجازي ممتدا عبر أفق الديوان؛ ففي مفتتح ديوانه قصيدة «صورة عائلية» وهي قصيدة النثر الوحيدة لكن الشاعر منحها كل المفاتيح، واجتهد أن يجعل ما يجري بدمه زمنا مرئيا عبر ما ابتكره من ثنائية النص والنص الموازي؛ فالصورة بحد ذاتها هي نص مكثف ومختزل كقصة قصيرة جدًا والقصيدة هي النص الموازي لهذه الصورة الذي يبوح في سريرة السر عن سره الكامن في سره.
فمن الصعب حساب زمن اللحظة الشعرية على الوقت في مثل هذه النصوص؛ لأنها تشكيلًا فنيًا وشعرياً للشاعر/الإنسان في زمن ثابت وأخر متحول وما بينهما امتدادات لإخضاع جوانب الحياة الأسرع زوالاً للديمومة بين الثابت والمتحول، فعبر متتاليات بصرية متواترة إيحائية و متكافئة حققت الدهشة وجسدت الكلمة المفقودة لمعنى الزمان كونها حولت النص إلى نص مرئي متحرك مضاف له الخيال الذي منحنا نوعاً من الحياة المشتركة مع القصيدة و إحساساً جميلاً بالمكان والزمان عبر فيض إدراكي حسي وتدفق شعوري سلس و متماوج. 
النص يبدأ بوصف الصور وترتيب افراد العائلة فيها -على اعتبارها زمنا ثابتا - فيضع رولا في اليمين على اعتبارها الفكرة ثم ترتيب الأطفال ويضع نفسه في اليسار على اعتباره المعنى وهو بهذا يمرر الفكرة من اليمين الى اليسار عبر افراد العائلة كعازف البيانو الذي يمرر اللحن كذلك من اليمين الى اليسار فيبدأ نص القصيدة: «خمسُ بناتٍ/ وصبيٌّ في وسط الصورةْ/ في الطرف الأيمن كالمعتاد «رولا»/ وأنا، كالمعتاد كذلك، في الطرف الأيسرْ».
وينتهي بهذه الكلمات: «تلك قصيدتي الوحيدة/ التي كتبتها في دفتر العائلة/ من دون وزنٍ/ أو استعارةٍ/ أو مجازْ».
ثم يبدأ النص الموازي على اعتباره زمن متحول، فنجده انه اتخذ منحى تصويريا ايضا عبر حركة ديناميكية منتظمة أكثر تقبلاً لحركة الزمن داخل النص وتحاكي اللحظات العابرة التي تحول حضورها المفتون بالزوال الى قصيدة وتأكيد توافقها مع الالهام الذي انبثقت منه عبر خصوصية أسلوبية و حس الاختزالي فيقول الشاعر:
«لا شيء وحيدٌ في بيت «رولا»/ هي: أختُ الشبّاك/ صديقةُ فنجانِ القهوةِ/ عمةُ آنيةِ الفخّار بجنب الباب/ وخالةُ بروازيْ «الله» و»محمد»/ والصبّـيرةُ والسجادةُ و»الطبليّـةُ»/ كلٌ يجمعه بـ»رولا» صلةُ دمٍ/ وقرابةُ روحْ».
ثم تبدأ الامتدادات ما بين الزمنين الثابت والمتحول كرنين أو كامتداد النغمة في المدى؛ فبمجرد أن انساب تشكيل الصور في النص سنجد أن الالهام المطلق يتحرك في ثناياه، وان الشاعر لم يعمد لخلق الصور الشعرية ولا الاستعارات فحسب بل ايضا الى الابتكار (وذئبُ مجازٍ يبحثُ عن دمـه بدمي) وهنا نستشعر حضور هذا الذئب بصيغته المجازية اذ يتولى فعل التقرب من لحظة الشعر في دم الشاعر:
«استيقظُ صبحا/ أمشي بين غيومِ الصمتِ المتلبِّـدِ في أركان البيت/ الأولادُ نيامٌ في جنّـات الخِفّـةِ/ جنبَ الشبّـاكِ الصبّـيرةُ لا باس عليها/ و»رولا»؛ ما أن تتركَ طرْفَ صلاةٍ حتى تمسكَ بالأخرى/ وأنا لا أمسكُ إلا خيطَ الحيرةِ/ ثمةَ وزنٌ يتكسّـرُ/ ثمةَ إيقاعٌ يتنفّـسُ/ ثمةَ قافيةٌ في الأثناء../ وذئبُ مجازٍ يبحثُ عن دمـه بدمي/ هي رائحةُ الظُلَمِ/ يا أبتا: كيف أناديك بغير فمي؟».
نتسأل في هذه اللحظة الغنية بالإيحاء ماذا يعني الشعر حتى لو نظرنا للصورة واي موسيقى ستحاكيه وسترافقنا، فالشاعر يستحضر في لحظة الشعر صوره العائلية لإبقاء عالمه حياً. ولضبط إيقاع هذه الحياة عن طريق الكلمات، وسنجد أن كل ما قرأناه من وجد في هذه القصيدة يمثل آنية الحدث الذي مازال جديد و متجدد وإن بدت امتدادات اللغة في ملامح الصورة العائلية –القصيدة شكلاً أثبته حوار في الأبدي؛ ومن هنا في هذه الامتدادات سنلاحظ ملامح التحولات التي مست لغة الشاعر فالقصيدة تنهض في دمه ذئب يعوي عند اكتمال قمر القصيدة، فالدم هو الذي يرى، لذا هو يخاطب أباه في هذا المقطع التراجيدي الذي ينهي به القصيدة: «يا أبتا: كيف أناديك بغير فمي؟».
فهل ستخرج القصيدة من مقام الدم الى مقام الكلمات، لكن الشاعر في قصيدة (الخسارةُ تربحُ) يؤكد حقيقة مهمة رغم ان الشعر يسري في الدم ويشرق في الكلمات، فالقصيدة تذهب الى الكلمات والشاعر يذهب الى قصيدة الحياة وهذه هي الخسارة التي تربح:
«الخسارةُ تربحُ/ تذهبُ أرضاً/ وتختارُ قلبي: جناحَ «رولا»/ وفضاءَ الصغار/ وبيتَ القصيدةِ/ تختارُ أرضاً/ وتتركُ لي شَـرَكَـاً في السماء..».
ان هذه القصيدة تلخص تجربة الشاعر، وتجسد رؤيته الشعرية في أن يجعل الشعر موازياً لفكرة الحياة ؛ وهذا ما سنقرأه في قصيدة: (أيها الحبُّ: شكراً)
هذه القصيدة أقرب للسوناتا في التعبير عن الحياة اليومية للشاعر، التي سنجده فيها متنقلاً بين ثلاثة مستويات زمنية في حضور واحد؛ فهي متناغمة متوازية و أكثر كثافة من الحلم، ناصعة الحضور في فرض رغبتها لتنفذ الى غايتها، فبأقل ما يمكن من الكلمات وسع الشاعر رؤيته للأقصى في التعبير عن سيكولوجية القصيدة شعريا و اسلوبيا وكأن نشوة الحضور لا تتم إلا عبر تتطابق و تكامل جمالي بين الفكرة وصياغتها شعريا ودورها في تحقيق الإدهاش وهذا ما يحدث في قصيدة (أيها الحبُّ: شكراً):
«القصيدةُ، أين تخبئ بستانها؟.. يا «رولا»/ كم أحبُّ النداءَ عليكِ/ فظلي هناكَ على حافّـةِ اسمكِ/ مشغولـةً بـصَلاتِـكِ/ وضّـاءةً بحنينكِ/ ماطرةً في الصدى/ كي أظل َّ أنادي: «رولا»/ يا «رولا»..».
وفي قصيدة (القصيدةُ في سـرِّها) سوف نحصل على أقصى مايمكن ان تقدمه الكلمات للشعر، وسنجد نداها على ورق القصيدة أيضا؛ فإنتاج الجمال يتحقق بالانتماء إلى أشكال جديدة من البدء والكتابة، فأن كل كلمه هي تلك اللحظة التي نشعر بوجودها و يقين حضورها الحميمي المؤيد بقوة الشعر، فأنها تبدأ دون أن تنتهي وتسهم في خلق تشكيل فن الكتابة الشعرية فيقول الشاعر :
«القصيدةُ في سـرِّها/ هي امرأةٌ في الثلاثين من سـرِّها/ لا تجيدُ التأمّـلَ إلا بمرآتِـها/ هكذا وجدت نفسَـها/ منذ كانتْ/ ولمْ تكترث للكواكبِ/ تلك التي لم تجدْ، بعدُ، شيئاً يدلُّ عليها/ سوى ما يدلُّ على غيرِها. هي امرأةٌ/ لم تخنها المعاني التي انفتحت/ في بساتين فتنتِها. هي امرأةٌ وسواها كلامٌ يئنّ بلا سببٍ/ وبلا سببٍ يتكسّــرُ/ في ليلِـها».
لكن تبقى هذه القصيدة ذات قيمة شعرية عالية، لأنها مرتبطة بتحويل الحياة اليومية إلى كلمات أراد الشاعر أن يبعث فيها روحاً أزلية، وهذا ما أكدته قصيدة (كما لو كان وجهي) هذه القصيدة المبتهجة بلونها الأخضر وهو لون النماء:
«خضراءُ في روحي/ وأخضرُ عشبُها/ من غير سوءٍ في العروقِ/ ودربُها رقراقةٌ/ ما شابها كدرٌ ولا حَزَنٌ/ كضوءٍ في الكلامِ/ وقلبُها روّى بلا إثمٍ..».
 قصيدة (حديقة موغلة في التسابيح)
نفترض أننا نستطيع رؤية الشاعر وهو يواصل حياته وجدانيا في القصيدة بتوتر وإيقاع متسارع، فالشاعر يحاول أن يحتوي حياته ويتتبع تفاصيلها بإيجاز، وهو ممسك بلحظته الشعرية التي أهدته سر خلودها الذي أغنى عن جمالها العابر فكأنما الكلمات تهطل من سماء بعيدة على اخر بقايا المعنى فتخبرنا من أين يبدأ الشعر وأين ينتهي:
«يا وردةُ/ كيف أشمُّكِ؟/ ثمّـةَ حربٌ ودمٌ/ وخرابٌ يتنفـّـسُ من رئتيَّ/ وثمّـة موتُ يركضُ نحوي/ ثمّـةَ ما يتهدمُ من جسدي/ في قلبي جفَّ النهرُ/ وها يبست عيناي/ وأنت أمامي/ لكني لا أعرف كيف أشمُّكْ.
 تجربة الشاعر
إن الناظر الى تجربة الشاعر نضال برقان عبر ديوانه (ذئب المضارع) سيجد أنها تجربة شعرية غنيّة وممتدّة عبر دفق حاشد للكلمات مر بسياق الخلق والتكوين وتشكيل مشهد شعري في غاية التوهج الإبداعي، وإن روح الشاعر الحرة لامستها نشوة الوجد الصوفي ومسها سحر الكلمات، على اعتبار أن القصيدة هي الفكرة الثانية للحياة، وأن الشعر يختصر الكثير من المسافات التي تقود إلى معرفة الذات والآخرين.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات