Sunday 15th of December 2019 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    14-Nov-2019

لماذا يسعى الزعماء العرب إلى عقد شراكات استراتيجية مع روسيا؟

 الغد

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
أمير أسمر – (مجلس العلاقات الخارجية) 5/11/2019
عن طريق تدخلها في العام 2015 في الحرب الأهلية في سورية، عاودت روسيا الدخول في معمعة الشرق الأوسط لأول مرة منذ نهاية الحرب الباردة -وبطريقة مذهلة. والآن، مع رحيلها الأحدث عن سورية، تقوم الولايات المتحدة على ما يبدو بالتنازل عن هذا المسرح لصالح النفوذ الروسي. وعلى الرغم من أنه قد تم كتابة الكثير عن الدوافع الروسية للعمل في المنطقة، إلا أنه لم يتم التركيز على دوافع الزعماء العرب الذين يسعون إلى إقامة علاقات أوثق مع روسيا، والذين قد يفكرون، في مرحلة ما في المستقبل، في عملية إعادة اصطفاف استراتيجية بعيداً عن الولايات المتحدة وفي اتجاه موسكو. وعلى الرغم من أن أسباب التهييج القائمة منذ أمد طويل لم تكن، في حد ذاتها، كافية لتحطيم العلاقات، فإن الإجراءات الأميركية الأخيرة أزعجت الزعماء العرب وخلقت فُرجاً يمكن لموسكو استغلالها. وفي حقبة تشهد تجدد التنافس بين القوى العظمى، يمكن أن يكون القادة العرب قد فهموا أنهم ربما يستفيدون من تنمية العلاقات مع الولايات المتحدة وروسيا معاً أكثر مما كان ممكناً في السابق.
من بين القضايا التي توتر العلاقات الأميركية العربية منذ طويل، ثمة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. ويدرك القادة العرب أن إسرائيل تأتي في المرتبة الأولى بالنسبة للولايات المتحدة، على الرغم من التغييرات المهمة التي شهدتها المنطقة منذ حرب حزيران (يونيو) 1967 عندما تم تأسيس الشراكة الأميركية الإسرائيلية. وعلى الرغم من أن معظم القادة العرب لا يهتمون كثيراً بمحنة الفلسطينيين، إلا أنهم يظلون قلقين من القوة العاطفية للقضية وقدرتها على إغضاب وتعبئة مواطنيهم، خاصة بعد قرار الولايات المتحدة الأخير الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل وبسيادة إسرائيل على الجولان. وبالمثل، فإن ضمان الولايات المتحدة للتفوق العسكري النوعي لإسرائيل على أي مجموعة من الخصوم الإقليميين يفرض فعلياً قيوداً بيع بعض الأسلحة المتقدمة للدول العربية. وتأتي مبيعات الأسلحة الأميركية أيضاً مصحوبة باتفاقيات المستخدم النهائي المرهقة التي تقيد استخدامها –وهي القيود التي يشك القادة العرب بأنها لا تُطبَّق على إسرائيل. وبينما يواصل المسؤولون والمشرِّعون الأميركيون إظهار التزامات قوية تجاه إسرائيل، تظل روسيا غير منشغلة بهذا الهاجس وتواصل تصدير الأسلحة إلى الدول العربية.
كما يجب أن تتسبب السياسة الأميركية تجاه إيران في إرباك القادة العرب أيضاً. فبسبب خوفهم من طموحات إيران الإقليمية، واستخدامها الإرهاب، وبرنامجها النووي، تطلع القادة العرب إلى الولايات المتحدة للمساعدة في احتواء المغامرة الإيرانية. ومع ذلك، شنت واشنطن حروباً في أفغانستان والعراق، والتي أسفرت -أياً كانت مبرراتها- عن الإطاحة بنظامين قويين مناهضين لإيران: طالبان في أفغانستان؛ وصدام حسين في العراق، تاركة إيران أكثر حرية في متابعة تنفيذ مخططاتها الإقليمية. وكانت حرب العراق، على وجه الخصوص، مصدراً لإحباط الزعماء العرب؛ فقد أغضبت جماهيرهم لأنها أكدت الانطباع بأن واشنطن لم تفكر كثيراً قبل انتهاك سيادة دولة عربية في إطار مسعى إلى تحقيق أهداف غير مقنعة. وتتمتع إيران الآن بنفوذ كبير في العراق، بالإضافة إلى نفوذها المتزايد في أفغانستان ولبنان وسورية واليمن وغيرها. وبالحد الأدنى من التشاور مع شركائها العرب، أبرمت واشنطن أيضاً اتفاقية خطة العمل الشاملة المشتركة التي هدفت إلى الحد من برنامج إيران النووي، ثم قامت بإلغاء تلك الخطة بعد بضع سنوات، بمشاورات محدودة مع العرب بنفس المقدار. وبالنظر إلى قدرة روسيا المؤكدة على العمل مع إيران في سورية، ربما ينظر القادة العرب الآن إلى موسكو كوسيط مع إيران لا توفره واشنطن.
كما يجب أن يكون رد واشنطن الفاتر على الهجوم الذي شُن في أيلول (سبتمبر) 2019 على بقيق، وهي منشأة نفطية سعودية مهمة، قد عزز شكوك الزعماء العرب. فقد انضمت الولايات المتحدة إلى المملكة العربية السعودية في إلقاء اللوم على إيران في الهجوم. ووصفه وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، بأنه “عمل من أعمال حرب”، لكنه لم يفعل سوى القليل أبعد من نشر بعض القوات والمعدات “لمساعدة المملكة العربية السعودية في الدفاع عن نفسها”. ويتناقض هذا الرد بشكل ملحوظ مع استجابة الولايات المتحدة الجريئة والفورية في العام 1990 لغزو العراق للكويت. وعلاوة على ذلك، استهدف الوكلاء الإيرانيون في جميع أنحاء المنطقة حلفاء الولايات المتحدة ومصالحها منذ نهاية الصراع الإقليمي ضد دولة “داعش” المعلنة ذاتياً، وانسحاب الولايات المتحدة من خطة العمل الشاملة المشتركة، وكلاهما كانا بمثابة الفرامل على الهجمات التي ترعاها إيران. ويوحي عدم وجود رد قوي من الولايات المتحدة على هجمات بقيق بأن الولايات المتحدة لا تحجم عن الوقوف إلى جانب أصدقائها العرب فحسب، وإنما تتخلى أيضاً عن التزامها بالتدفق الحر للنفط – وهو مصلحة بالغة الأهمية لمنتجي الطاقة في الخليج ولحلفاء الولايات المتحدة في أوروبا وأماكن أخرى.
كما شاهد القادة العرب واشنطن وهي تتخلى عن القادة الذين زعمت أنها تدعمهم. فبعد ثلاثة عقود من الشراكة مع الرئيس المصري السابق، حسني مبارك، بشأن الأمن الإقليمي، دعت إدارة باراك أوباما مبارك إلى التنحي في نفس اللحظة التي وقع فيها في ورطة سياسية. ويقف دعم روسيا لبشار الأسد السوري في تناقض صارخ مع هذا الموقف الأميركي. فقد التزمت روسيا بمكافحة التطرف الإسلامي في سورية، وليس بترويج الأعراف السياسية. كما يُرجح أن ينظر القادة العرب إلى الضوء الأخضر بحكم الأمر الواقع الذي منحته واشنطن لأنقرة لكي تحتل أجزاء من شمال سورية كخيانة لقوات سورية الديمقراطية التي يقودها الأكراد الذين نفذوا الحملة الأميركية لهزيمة “داعش”. وحتى لو وضعنا خيانة الولايات المتحدة للأكراد جانباً، فإن الاحتلال التركي لأراض عربية، مهما كان محدوداً، سيعيد إحياء أشباح ماضي المنطقة العثماني، ولن يكون له وقع جيد على العرب بالتأكيد.
بالإضافة إلى التعقيدات التي يواجهها القادة العرب في علاقاتهم مع الولايات المتحدة، تميل مشاعر جماهيرهم إلى أن تكون متناقضة، إن لم تكن عدائية، تجاه واشنطن. ومن المهم أن نلاحظ أن معظم القادة العرب هم من الأوتوقراطيين، الذين يحصلون على الأمن من مستويات مختلفة من الشرعية المحلية. ولذلك، يقوم هؤلاء القادة بتقييم الشراكات الأجنبية القائمة –في جزء منها- على أساس التصورات المحلية للشريك الأجنبي المعني. وقد أظهر استطلاع أجرته مؤسسة “زغبي” في العام 2017 للمعهد العربي الأميركي أن المشاركين في اثنتين فقط من سبع دول عربية شملها الاستطلاع اعتبروا أن دور الولايات المتحدة في العراق وسورية كان إيجابياً أو ينظرون إلى سياسات إدارة دونالد ترامب بشكل إيجابي. وكان العراقيون من بين المنتقدين لأنشطة الولايات المتحدة في العراق، على الرغم من الدور الأميركي البارز في هزيمة “داعش”. وعلاوة على ذلك، وفقاً لاستطلاع أجرته مؤسسة “بيو” للأبحاث في العام 2017، نظر 35 في المائة من المشاركين المصريين والسعوديين (من الدولتين اللتين يمكن القول إنهما أقرب شريكين للولايات المتحدة) إلى روسيا بشكل إيجابي، بينما رأى 27 في المائة فقط الولايات المتحدة في ضوء إيجابي.
في السرديات الشائعة، يتخذ العرب مواقف أكثر شدة وينظرون إلى الولايات المتحدة -غالباً من منطلق نظرية المؤامرة– على أنها هي السبب في العديد من المشكلات الإقليمية. وينظر البعض إلى الولايات المتحدة باعتبارها “فتوة” تستخدم الدول العربية لتحقيق أهدافها الإقليمية، تاركة الفوضى في أعقابها. ويجادل آخرون –غير متوافقين مع حكوماتهم- بأن واشنطن هي التي استدرجت العراق إلى غزو الكويت في العام 1990 بهدف خلق ذريعة للتدخل واستغلال نفط العراق؛ وبأنها خلقت تنظيم القاعدة وكانت لها يد في هجمات 11 أيلول (سبتمبر) لتبرير شن حرب ضد الإسلام؛ وبدأت حرب العراق لحماية إسرائيل من صدام حسين؛ ونصَّبت حكومة الإخوان المسلمين في القاهرة في العام 2012 كبديل سياسي لتنظيم القاعدة وغيره من المتطرفين؛ وخططت، بموافقة الإخوان المسلمين، لإقامة دولة فلسطينية في سيناء.
على الرغم من أن القادة العرب بعيدون عن التخلي عن علاقاتهم مع واشنطن واعتناق موسكو كشريك استراتيجي رئيسي لهم، إلا أن التوترات بين العرب والولايات المتحدة في تزايُد. ويدرك القادة العرب أن لديهم نفوذاً محدوداً على السياسة الأميركية، لكنهم ربما بدؤوا ينظرون إلى الولايات المتحدة على أنها غير قابلة للتنبؤ أو غير موثوقة. وهناك مجموعة متنوعة من الديناميات، بما في ذلك حدوث تجدد للانتفاضات الشعبية العربية، أو نشوب صراع بين إسرائيل والفلسطينيين، أو حدوث تقارب أميركي-إيراني، أو شن هجوم إرهابي إسلامي كبير آخر على الأراضي الأميركية، والتي يمكن أن تهز العلاقات الأميركية-العربية وأن تفتح أبواباً جديدة على موسكو.
ينبغي على الولايات المتحدة أن تولي هذا التوجه الجديد الكثير من الانتباه، لأن تغيير الاصطفافات باتجاه روسيا يمكن أن يكلف الولايات المتحدة قدرتها على الوصول إلى المنطقة بسرعة من أجل العمليات العسكرية، وقدرتها على المزيد من التأثير في إمدادات النفط وأسعاره، وعلى التشارك بشكل أكثر فعالية مع اللاعبين الإقليميين لتعزيز المصالح الحاسمة، مثل مكافحة الإرهاب، واحتواء إيران، وتعزيز الاستقرار. ويقوم عدد من شركاء الولايات المتحدة العرب بتطوير ترتيبات تعاونية مع روسيا بشأن قضايا محددة، كما تجذب التجمعات متعددة الأطراف، مثل منتدى التعاون الروسي-العربي، عدداً متزايداً من الوزراء العرب.
إذا كانت واشنطن تريد أن تحافظ على فوائد العلاقات مع الدول العربية، فعليها أن تسعى إلى أن تكون شريكاً يمكن التنبؤ بتصرفاته. ويجب أن لا تنحرف سياسة الولايات المتحدة عن المواقف السابقة إلا عندما تتغير الظروف بشكل كبير بما يكفي لجعل هذا الانحراف مبرراً. ويجب على القادة العرب أن يفهموا بوضوح الظروف التي يمكنهم فيها الاعتماد على دعم الولايات المتحدة والمسافات التي ستذهب إليها واشنطن لتحقيق أهداف محددة. وهذا مهم بشكل خاص للشركاء في منطقة معرضة للصدمات مثل الشرق الأوسط. وإذا أمكن، يجب أن تسبق المشاورات مع الشركاء التغييرات التي تحدث في السياسة لشرح التحول المعني والغرض منه ومدى التغير الذي سيشهده موقف واشنطن. وليست هذه دعوة إلى التخلي عن الأولويات أو القيم، وإنما دعوة إلى الثبات والتساوق في موازنتها.
 
*محلل في وزارة الدفاع الأميركية، وزميل مجلس العلاقات الخارجية للأمن القومي. طوال حياته المهنية في مجال الاستخبارات، كان مجال تركيزه الأساسي هو الشرق الأوسط. شغل مجموعة واسعة من المناصب التحليلية والتحليلية العليا، ومراكز قيادية في إدارة الجيش ووكالة الاستخبارات الدفاعية ومجلس الاستخبارات الوطني. بيانات الحقائق أو الرأي أو التحليل المعبر عنها في هذه المدونة هي تصريحات المؤلف ولا تعكس السياسة أو الموقف الرسمي لوزارة الدفاع أو الحكومة الأميركية.
*نشر هذا التحليل تحت عنوان: Why Would Arab Leaders Pursue Strategic Partnerships With Russia?
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات