Monday 30th of November 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    21-Nov-2020

قراءة في «مطر خلل شعاع شمس – تانكا عربي»* للشاعر محمد حلمي الريشة

 الدستور-سمر محفوض

 
بكل تلك الذاكرة الإشراقية للجوّانية الشعرية وللذاتية، على مستوى الأطروحات وعلى مستوى النظريات الرافدة لجوهر أطروحاتها، وقابليتها للتعبير وللشرح وللاختزال، أيضًا، ضمن المفهوم الشعري.
 
د.محمد حلمي الريشة الشاعر الذي يحلّق وحيدًا في فضاءات تعج بمورث روحه التواقة للانعتاق من المألوف والمتواضع نحو الأشمل والأكثر تكثيفًا أو إفصاحًا عن مكنونات مخيلته بترف جامح الجمال والانحياز للغة بأعلى مدلولاتها من دون أن يتأثر المنتج الإبداعي، تتوهج مجموعته الشعرية الجديدة بالدلالات الرشيقة ليضع المتلقي بمواجهة مسارين متوازيين الشاعرية واللغة، والتي تدفعك باتجاه ما يريده لك من التذوق الانبهاري في حضرة النصوص، حيث يعمل في مجموعته الجديدة المعنونة «مطر خلل شعاع شمس» على تقنية قصيدة التانكا، والتي يمتد في اليابان ما يقارب 1200 عام.
 
وهي- حسب التعريف- شكل من أشكال الشعر الياباني يشبه الهايكو شكلًا ويختلف عنه تركيبًا؛ فهو يتكون من مقاطع، تتوزع على خمسة أسطر تتوالى (5-7-5-7-7)، بدلًا من توزع أسطر الهايكو الثلاثة، وهي تأتي مقطعيًّا على الشكل (5-7-5). وشاعر التانكا على عكس شاعر الهايكو؛ يعتمد التشبيه والاستعارة وأنسنة الجمادات، موضوعاته الأكثر استخدامًا العاطفة بمختلف إرهاصاتها؛ حب، غضب، حزن، فرح الخ، والطبيعة والأحداث العامة السياسية والاجتماعية والصحية، وبخاصة أن الأخيرة باتت عاملًا جديدًا يتحكم بكافة مفاصل حياتنا بعد العزلة الإجبارية التي فرضتها جائحة (كورونا).
 
يمتلك د.محمد حلمي الريشة من الجراءة في التعبير الحد الذي يمنحك الفرصة للخروج بالنص عن مفهوم النصية نحو التحطيمي كشكل والتراكم الإيجابي عمومًا للتعبير كمضمون اعتمد التانكا أسلوبًا في التعبير عنه.
 
أَرْوِيهَا غَزَلًا كُلَّ صَبَاحٍ؛
 
فَتُشِعُّ بِرَائِحَةِ الْحُبِّ ضِيَاءً
 
يَمْسَحُ وَجْهِي كَتَيَمُّمِ صُوفِيٍّ!
 
شَمْسٌ خَضْرَاءُ تَخُطُّ نَشِيدَةَ تَانْكَا
 
كُنْتُ حَلُمْتُ بِهَا قَبْلًا.
 
كوجود فاعل ومنفعل على جانب مهم من روح الشعرية العربية الحديثة على مستوى الموسيقى، وكمعبر للتواصل والصدام في كثير من الأحيان، أيضًا.
 
مَا مِنْ بِدَايَةٍ لَهُ،
 
وَمَا مِنْ نِهَايَةٍ، أَيْضًا.
 
الطِّفْلُ الْكَانَ يُحَلِّقُ بِطَائِرَةٍ وَرَقِيَّةٍ
 
صَارَ يُخَيِّطُ قَصَائِدَ مَحْوٍ.
 
مَا أَضْيَقَ الْفَضَاءَ يَا رَبَّةَ الشِّعْرِ!
 
هنا نلاحظ أنه اعتمد المظهر الخاص بالتَّانكا والمكوَّن من خمسة أسطر يكون الثَّالث فيها هو الرَّابط ما بين الأَوَّلين والأَخيرين، من دون إِغفالٍ أَو تناسٍ لأَهميَّة علامات التَّرقيم وأَصوات الحروف ودلالاتها.
 
أَحْفَادِي يَكْبُرُونَ..
 
يَتَسَلَّقُونَ أَصَابِعِي كَسُلَّمٍ مُوسِيقِيٍّ،
 
وَأَنَا أُدَنْدِنُ لَهُمْ أُغْنِيَةً وَرْدِيَّةً عَنِ الْوَطَنِ.
 
أَبْنَائِي كَبِرُوا:
 
لَيْسَ كُلُّ أَعْذَبِ «الْغِنَاءِ» أَكْذَبَهُ.
 
مع الشاعر محمد حلمي الريشة كلُّ مقطع قصيدة تمنح المتلقي التأمل والإيقاع في بناء النص ودلالاته متزوِّدًا بالحساسية الكافية والذوبان التدريجي في الفلسفة والغرابة والمرارة.
 
هُمْ ه?كَذَا؛
 
لَهُمْ مَا لَهُمْ، وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ مَا عَلَيْهِمْ!
 
أَيُّهَا المَطَرُ النِّيسَانِيُّ
 
كُفَّ عَنْ تَذْكِيرِهِمْ؛
 
إِنَّهُمْ لَنْ يَتَطَهَّرُوا أَبَدًا.
 
مقتربًا بالمحسوسات إلى مضامينها، بمعنى أن المعنى والدلالة لا يشكلان بنية إلا في داخل إطاره، وهو تشكيل صالح للتطبيق ضمن الاستجابة لتذوق الشعر فنًّا ولغة.
 
مَطَرٌ خَلَلَ شُعَاعِ شَمْسٍ
 
يَسَّاقَطُ عَلَى حَدِيقَةِ مَقْبَرَةٍ،
 
وَرِيحٌ رَاقِصَةٌ تَمْزِجُهُم بِسُخْرِيَةٍ.
 
رَاحَ حَارِسٌ/ جَاءَ حَارِسٌ-
 
تَصْفِيقُ أَحْيَاءٍ مَوْتَى.
 
عند الشاعر تشكِّل اللغة انزياحًا واضحًا لا تقف عند الظواهر البسيطة لتراكيبها، بل تحاكي واقعًا موازيًا من منظور شعري بهدف تعميق المعنى، وربما ترسيخ غموضه، أيضًا، مساهمًا في صنع الجمال الأرحب، مما يستدعى جماليات مختلفة للتعبير عنها ضمن الأسلوب والتراكيب من جهة استخدامه لبساطة المفردات، وما تتطلع إليه من خلق مشهديه الرمز والإيجاز من دون إسراف.
 
بِعَيْنَيْنِ شَرِهَتَيْنِ
 
وَلِسَانٍ إِسْفَنْجِيٍّ،
 
يُطَوِّقُ جَرَّةَ عَسَلٍ
 
بِاسْتِسْلَامِ نَحْلَةٍ-
 
لِمَاذَا هُوَ الدُّبُّ دائمًا؟!
 
استلام المستلب/ النحلة/ بمواجهة المستبيح/ سارق العسل؛ هاتان الصورتان المنفصلتان المتحدتان في تكوين التناقض ونتائجه المجسدة للمشهدية التي خلق الشاعر منها نسقًا جماليًّا يودي إلى صورة أخرى تستفيض بشرح إبعاد الاستلاب ونتائجه (لماذا هو الدب دائمًا؟).
 
تمتاز الشعرية المعاصرة بالتعقيد وسريالية التشكيلات ربما، ويمتاز الشاعر الريشة بميله للتبسيط والعناية بانتقاء المفردة التي تشير إلى المعنى، هذا الخط الإبداعي الدال على النضج الشعري المحمول بخيال محلق وأناقة مسرفة التشويق كأحد أهم عناصر الحداثة أو شروط السحرية الشعرية، والتي تمتلك المقدرة على إثارة الشغب والجدل في التشكيل والحدث المراد التعبير عنه.
 
بِانْتِظَارِ هَبَّةِ الرَّبِيعِ؛
 
نَبْتَةُ الْفُلْفُلِ الْأَحْمَرِ
 
تَسْتَنْشِقُ رَذَاذَ الْغَمَامِ
 
فِي ه?ذَا الطَّقْسِ المُتَقَلَّبِ-
 
لِلْقَهْوَةِ نَكْهَةٌ تَرْتَجِفُ بِرِفْقَتِهَا.
 
تلك المقدرة التي تصب في خلق الواقع الانطباعي للحيوية المدهشة (نبتة الفلفل الأحمر تستنشق رذاذ الغمام) عبر تفكيك الرمز المقترن بالطبيعة (في هذا الطقس المتقلب) ما يخلق جاذبية الحكاية بالنص كتميز لغوي صريح يؤرجح اللفظ والمعنى عبر الإحالات الإشارية لوظيفة النكهة (للقهوة نكهة ترتجف برفقتها)، بحيث تأخذنا نحو الانفتاح على الحركة والتواتر المكثف للرجفان في صيغة تكوين بسيط للتركيب آخذًا بعين الاعتبار البدهيَّات الحقيقية، كأنما ثَمَّ تصوير إضافي يشير إليه النص، وهو ما يجعل التواتر طاغي الحيوية.
 
وَرْدَةُ الْفَرَحِ الْوَحِيدَةُ
 
فِي قَلْبِهِ الْكِرِيسْتَالِيِّ
 
قَامَتْ بِعُذْرِيَّةٍ وَبِشَارَةْ!
 
لَيْسَ لِغَرِيبٍ غَيْرُ غَرِيبَةٍ
 
تُقَلِّمُ أَحْزَانَهُ وَانْتِظَارَهْ.
 
الشاعر د.محمد حلمي الريشة جرَّب مشروعه الحداثي دافعًا بالنص النثري عن مفهوم النصية، أيضًا، نحو التحطيمي والتراكم الإيجابي عمومًا، ومع تأثّر بالتانكا أو محاكيًا له، حاول بعث الحياة في القصيدة المقطعية المعيشة كوجود فاعل ومنفعل على جانب مهم من روح الشعرية العربية الحديثة على مستوى الموسيقى، كمعبر للتواصل والصدام في كثير من الأحيان، أيضًا.
 
فِي الْبَدْءِ كَانَتِ الشَّرَارَةْ،
 
صَارَتْ حَرِيقًا كَثِيرًا،
 
خَانَهَا رِجَالُ الْإِطْفَاءْ!
 
إِل?هَنَا.. يَا مَالِكَ المَاءْ
 
لَا تُطْفِئْ جَذْوَةً أَشْعَلَتْهَا المَرَارَةْ.
 
مشحونًا دائمًا بالاحتجاج ورفض القهر السياسي والاجتماعي والشخصي، لا تغيب عن الشاعر الريشة هموم السياسة ورفضه للواقع العربي الأشد سوءًا وتفككًا، مازجًا بين جرحه الوطني وجرحه الإنساني في عالم يمتلئ بالإرهاصات غير المعقولة، والتي تقدم لنا بشكل معقول جدًّا كمنتج حضاري يقتل إنسانيتنا، لتبق فلسطين، التي لم يغادرها، نبراسه وجرحه المفتوح على النزف العربي الذي ينفعل ويتفاعل مع أزمات العصر الاجتماعية والصحية.
 
بَيْنَ مَا قَبْلِ (أُوسْلُو) وَقَبُولِهَا
 
وَ(صَفْقَةِ الْقَرْنِ) وَصَفَعَاتِهَا؛
 
تَبَثَّرَتْ بَشْرَةُ قَلْبِي بِخِيَانَاتِنَا.
 
لِمَاذَا أَيْقَظَتْنِي أُمِّي مِنْ حُلُمٍ بِغَدٍ؟
 
أَلِأَسْمَعَ نُبَاحَ (تْرَمْبِ) أَمْ خَشْيَةَ الْـ(كُورُونا)؟!
 
مؤكدًا أنه ما من إبداع يتشكَّل أو يتطور إلا ليخدم النزعات الذاتية والوجدانية الأكثر إلحاحًا للحرية بوصفها الإطار الشامل للمشروع الإنساني، وقد حتمت تلك الحساسية العالية للشاعر الريشة كسر الصورة النمطية، والتي تتصف باللاتعيين، وما من شيء يؤرِّقه أكثر من أن العالم مباح للأقوى والأشد وحشية، لافتًا للإجراءات، ومشيرًا لتعقيم الوضوح كخلاصة مرهفة عارمة الانفعالية، فهي لا تكون إلا لتعني المرارة بشكلها الأكثر صراحة.
 
مُنْذُ مَا قَبْلَ الْعَزْلِ المُتَفَشِّي؛
 
أَضَعُ كِمَامَةً قَبْلَ أَنْ أَلْتَقِيَ بِالْقَصَائِدِ
 
خَشْيَةً مِنْ عَدْوَى شُعَرَائِهَا-
 
أَنَا لَا أَكْذِبُ،?
 
وَل?كِنِّي أُعَقِّمُ الْوُضُوحَ!
 
فالقصيدة وحدة عضوية، فردانية الشعور والتجربة والمخاض، متجاوزة جدار الحجب القاسي بين الكشف والتنبؤ.
 
الشاعر محمد حلمي الريشة يمتلك المقدرة على الإدهاش والمتعة والعمق والتعبير الحر والمطواع، لنضج المقولات الداخلية استطاع أن يجد لنفسه مكانًا خاصًّا في الوسط المليء بالمتاعب والألغاز والجماليات أيضًا، منغمسًا بمشروعه الإبداعي عبر بحثه الدائم عن شكل شعري خاص به يكون منهجًا خاصًّا ضمن تناغم عميق، منطلقًا من كون الإنسان لا يتمتع بالسكينة المجانية، ما فتّق في داخله ينابيع الإبداع والتجديد. هذا التوظيف الفني المتفرد لتمنح مجموعته المعنونة (مطر خلل شعاع شمس- تانكا عربي) مساحة مناسبة للانفلات من قيود الوعي، وليقدم لنا هذا الاستبصار الجمالي الاستثنائي على صعيد الواقع والوعي الشعريَّين.
 
* صدر عن: دار الدراويش للنشر والترجمة، بلوفديف- بلغاريا، 2020م.
 
* شاعرة وناقدة من سورية