الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
جون فيفر* - (فورين بوليسي إن فوكَس) 8/4/2026
ترامب ونتنياهو لا يحاولان تدمير إيران فقط، بل يسعيان إلى تدمير مفهوم الدبلوماسية ذاته.
قبل أن يصبح واحدًا من أبرز دبلوماسيي القرن العشرين، كتب هنري كيسنجر أطروحته عن رجل الدولة النمساوي كليمنس فون مترنيخ. ودرس كيسنجر عن كثب كيف بنى دبلوماسيون أوروبيون، مثل مترنيخ، نظامًا إقليميًا جديدًا بعد هزيمة نابليون بونابرت. وكان مترنيخ خبيرًا مبكرًا في فن "جمع القطط"، حيث كانت هذه "القطط" القادة الأوروبيين الأقوياء.
وبالاستفادة من تلك الرؤى خلال عمله مستشارًا للأمن القومي في عهد الرئيس ريتشارد نيكسون، كان تنسيق كيسنجر الشهير لسياسة الانفراج الأميركية مع الصين، وأبرم حزمة من اتفاقيات الحد من التسلح مع الاتحاد السوفياتي. كما أدخل مفهوم "الدبلوماسية المكوكية" في جهوده الناجحة لتخفيف العداوات والتوترات في الشرق الأوسط. وقد تقاسم جائزة نوبل للسلام لدوره في المفاوضات التي أنهت حرب فيتنام.
لكن كيسنجر لم يكن رجل سلام. كان متورطًا في عدد كبير من التدخلات العسكرية والكثير من الأفعال التي يصعب تبريرها أخلاقيًا، مثل زعزعة استقرار تشيلي في عهد الرئيس الاشتراكي سلفادور أليندي، ودعم باكستان في حملتها الإبادية ضد البنغاليين. وفي حالة حرب فيتنام، كان أحد المهندسين الرئيسيين لحملة القصف السرية في كمبوديا ولاوس، وهو دور يستنطق شرعية فوزه بجائزة نوبل للسلام ويضعها في موضع التساؤل. كان دبلوماسيًا بارعًا ومجرم حرب في آنٍ واحد.
لطالما عملت الولايات المتحدة ضمن هذين المسارين: استخدام القوة العسكرية الساحقة، وتوظيف مهاراتها الدبلوماسية لإبرام اتفاقيات السلام. وغالبًا ما سارت الاستراتيجيتان جنبًا إلى جنب، كما كان حالهما مع كيسنجر.
لكنّ ما كان ذات مرة يتسم بقدر من التعقيد -وإن كان مغلفًا غالبًا بعنفٍ سري- أصبح اليوم ببساطة فظًا، مباشرًا ووحشيًا بشكل مكشوف. وقد روّجت إدارة ترامب لسلسلة من "اتفاقيات السلام" التي تضاهي، من حيث العدد على الأقل، إنجازات هنري كيسنجر. لكن فحص هذه الاتفاقيات بالمزيد من العناية يكشف عن كون هذه الاتفاقيات إما سابقة لأوانها، أو أنها غير موجودة أصلًا، أو أنها ليست أكثر من مجرد استعراض. وعلى سبيل المثال، جرى تجميع "اتفاق السلام" في غزة على عجل، وكيف ما اتفق، وبلا تخطيط كافٍ؛ ولذلك لا عجب أنه لم يصل إلى مرحلته الثانية.
وفي الوقت نفسه، شرع ترامب وفريقه في سلسلة من الحملات العسكرية التي بلغت ذروتها في "عملية الغضب الملحمي" الجارية ضد إيران. وهنا أيضًا، يتأرجح ترامب بين الحرب والسلام، أحيانًا في التصريح نفسه الذي يدلي به للصحافة. وهو يعد بإنهاء الحرب، سواء وافقت إيران على اتفاق أم لا، ثم يهدد في الوقت ذاته بـ"محو إيران من الوجود أو، كما يقولون، إعادتها إلى العصر الحجري!!!".
لخّص عوفير فولك، مستشار بنيامين نتنياهو للسياسة الخارجية، الأمر بإيجاز حين سألته الإذاعة الوطنية العامة عن موقف نتنياهو من مبادرات ترامب السلمية تجاه إيران.
قال فولك: "نحن نتفاوض بالقنابل".
لم تجعله العبثية الغرائبية الصارخة لهذا التصريح يتوقف ولم تثر أي رد فعل من المحاور. ومع ذلك، فإن هذه العبارة المقتضبة تختزل نهج كلٍّ من نتنياهو وترامب. إنهما غير معنيين بالدبلوماسية، حتى عندما يتحدثان عن أهميتها. في نظرهما، تُعتبر المفاوضات، التي تتطلب وقتًا وقدرًا من الدقة، مضيعةً للطاقة.
إنهما يفضلان تغيير الوقائع على الأرض عن طريق القوة المحضة.
لم تدّعِ إسرائيل في أي يوم أنها مفاوض بارع أو وسيط رشيق. لكن الولايات المتحدة ادّعت طويلًا أنها تمتلك الخبرة، والعلاقات، والنفوذ الاقتصادي والعسكري اللازم لإبرام الصفقات. وقد لعبت أدوارًا محورية في حل نزاعات في أيرلندا الشمالية، وفي يوغوسلافيا السابقة، وبين مصر وإسرائيل، وغيرها.
على السطح، يعِد ترامب بمواصلة هذا التقليد. إنه، بطبيعة الحال، سيد "فن الصفقة، كما يقول عن نفسه. لكن الحقيقة، مع ذلك، هي أن ترامب لم يكن يومًا صانع صفقات بارعًا. كان مشهورًا بخداع شركائه في الأعمال. ومسيرته مليئة بالمشاريع الفاشلة مثل "ترامب إيرلاينز" و"جامعة ترامب" و"مجلة ترامب". وانهارت العديد من أكبر صفقاته، مثل مشروع "الجانب الغربي من مانهاتن" و"برج ترامب في تامبا". وقد أعلن إفلاسه ست مرات.
ولا يقتصر الأمر على أن صفقات ترامب الدبلوماسية زائفة على نحوٍ مماثل، بل إنه يهدد بوضع الدبلوماسية الأميركية برمّتها تحت الوصاية.
بعد قراره مهاجمة إيران في خضم المفاوضات معها -وليس مرة واحدة فقط، بل مرتين!- لم يعد هناك سبب وجيه لأن تثق أي دولة بما يقوله الدبلوماسيون الأميركيون لها. والدبلوماسية، في جوهرها، قائمة على الثقة. وبهذه الطريقة، يكون ترامب بدّد ما تبقى من رأس المال الدبلوماسي الأميركي.
وبالنظر إلى المستقبل، قام ترامب أيضًا بتقويض كوادر الدبلوماسيين الذين يمكنهم إعادة بعض التوازن إلى الوضع السابق. في تموز (يوليو) الماضي، سرّحت الإدارة 1.300 موظف من وزارة الخارجية، بينهم نحو 250 من موظفي السلك الدبلوماسي، بمن فيهم مختصون في شؤون الشرق الأوسط كانوا مسؤولين عن إعداد سيناريوهات في حال إغلاق مضيق هرمز. كما جرى تفكيك المساعدات الخارجية الأميركية عمليًا. ويقترح آخر مشروع موازنة خفض ميزانية وزارة الخارجية والعمليات الخارجية بنسبة 22 في المائة إضافية.
وإلى جانب هذه التخفيضات، رفع ترامب الإنفاق العسكري إلى تريليون دولار، وطلب زيادة إضافية بنسبة 50 في المائة ليصل هذا الإنفاق إلى 1.5 تريليون. وهذا يعادل ماليًا مفهوم "التفاوض بالقنابل". بعد تقليص الكوادر والميزانيات في وزارة الخارجية، لم يعد لدى الولايات المتحدة عمليًا سوى القنابل لتدير بها دبلوماسيتها.
ليس تفكيك الدبلوماسية الأميركية مأساة بالضبط. كانت النشاطات الدبلوماسية للولايات المتحدة تعكس دائمًا مصالحها الخاصة الصريحة. ويمكن لدول أخرى أن تملأ الفراغ وتعمل كوسطاء، مثل الاتحاد الأوروبي، أو الصين، أو عُمان.
لكن المأساة تكمن في مكان آخر. طالما أن الولايات المتحدة لم تعد تسعى إلى خيارات دبلوماسية حقيقية -على عكس أسلوب "المهرجين الثلاثة" في حل النزاعات، حيث يكتفي ترامب بضرب رؤوس المتحاربين ببعضها بعضًا- فإنها ستعتمد على القوة كخيار أول. وستتحدث واشنطن مستقبلًا بشكل حصري تقريبًا بالقنابل وحدها. وسوف تكون نسخة من كيسنجر من دون معرفته الدبلوماسية. وسيكون الأمر كله عصيًا بلا جزر.
بفضل ترامب، أصبحت الولايات المتحدة دولة بلطجية. والسؤال الوحيد المتبقي هو ما إذا كان بقية العالم قادرًا على الحفاظ بطريقة ما على فن الدبلوماسية -مثلما فعلت باكستان لتجنب أحدث موجات التصعيد في الحرب مع إيران- وعكس وجهة الاتجاه الراهن القائم على استخدام القنابل للتفاوض.
*جون فيفر John Feffer : كاتب ومحلل سياسي أميركي يركّز على قضايا السياسة الخارجية الأمريكية والنزاعات الدولية. يعمل مديرًا لمشروع "السياسة الخارجية تحت المجهر" Foreign Policy In Focus التابع لـ"معهد الدراسات السياسية في واشنطن"، ويُعد من الكتّاب الدائمين في منصة "توم ديسباتش". ينشر مقالاته في عدد من الصحف والمواقع الدولية، من بينها الصحيفة الكورية الجنوبية Hankyoreh، ويركز في كتاباته على نقد السياسات الأميركية الخارجية، والحروب، والدبلوماسية، ودور الولايات المتحدة في النظام العالمي. أحدثُ كتبه هو "عبر العالم كله: التشبيك العالمي لليمين المتطرف واستجابة اليسار" Right Across the World: The Global Networking of the Far-Right and the Left Response.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Negotiating with Bombs