بعد تدخل ترامب.. هل سيتوقف حزب الله عن إطلاق النار على الشمال؟
الغد
هآرتس
بقلم: عاموس هرئيل
قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب في شهادته إنه أوقف الليلة قبل الماضية غارة إسرائيلية كان مخططا لها على منطقة الضاحية في جنوب بيروت. وقال ترامب إن وقفا مجددا لإطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله سيبدأ بتوجيه منه. وجاءت خطوة الرئيس الأميركي بعد أن هددت إسرائيل بشن هجوم على الضاحية وهددت إيران بمهاجمة إسرائيل.
لقد جاءت تهديدات إسرائيل في أعقاب سلسلة متواصلة من الهجمات بالمسيرات المتفجرة التي شنها حزب الله على قوات الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان. وكانت إسرائيل تأمل، من خلال الضغط في بيروت، بدفع حزب الله إلى الزاوية، وربما الربط بين تسوية في لبنان وبين وقف إطلاق النار الذي يلوح في الأفق بين الولايات المتحدة وإيران في الخليج الفارسي. وأعلن ترامب أنه أجرى "مكالمة هاتفية مثمرة" مع رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، وأجرى "محادثة غير مباشرة إيجابية" مع حزب الله، وبعد ذلك قرر الطرفان التريث في إطلاق النار.
وقد سبق إعلانه تصعيد كبير في الصراع العسكري في لبنان، الأمر الذي هدد بجر الأطراف في الخليج إلى صراع جديد. وحتى إن إيران أعلنت بعد ظهر أمس تعليق المفاوضات مع الولايات المتحدة، في محاولة لمنع المزيد من الضربات الإسرائيلية ضد حزب الله. ومع توسع العمليات البرية إلى ما وراء نهر الليطاني في القطاع الأوسط، أبلغ الجيش الإسرائيلي عن المزيد من القتل. فقد قتل ستة جنود في الخدمة النظامية وأصيب عشرات في ستة أحداث منفصلة في الأسابيع الأخيرة، معظمها بسبب الطائرات المسيرة المفخخة.
حزب الله انسحب بالتدريج من المنطقة التي سيطرت عليها الفرقة 36، لكنه رد على تقدم الفرقة بزيادة نطاق وكثافة هجمات الطائرات المسيرة. ويعترف الجيش بصعوبة إيجاد حل دفاعي وتقني مناسب للطائرات المسيرة التي تعمل بالألياف الضوئية. وإذا كان الرأي السائد حتى الأسبوع الماضي بأن حزب الله لا يستخدم الطائرات المسيرة في القتال الليلي بسبب صعوبة تركيب أجهزة الرؤية الليلية عليها، فإن الحدثين الأخيرين اللذين تسببا بقتلى كانا بالتحديد في ساعات الظلام (مع أنه يحتمل أن يكون أعضاء الحزب قد استغلوا ضوء القمر الخافت).
لكن لماذا تشغل هذه الصراعات الحكومة؟ لقد أعلن نتنياهو أن الإسرائيليين سيعودون إلى قلعة شقيف في وقت أصبحنا فيه أقوى وأكثر وحدة من أي وقت مضى (مشكوك فيه أن يتفق معه حتى لو 1 في المائة من مواطني إسرائيل على الأقل فيما يتعلق بالوحدة). في الوقت نفسه، وجه وزير الدفاع يسرائيل كاتس تهديدا آخر. وقال أول من أمس "إن قانون الضاحية في بيروت هو نفس قانون مستوطنات الشمال في إسرائيل". بل إن نتنياهو وكاتس قاما بإصدار بيان رسمي جاء فيه أنهما أصدرا أمرا للجيش الإسرائيلي بمهاجمة الضاحية. هذه كانت تصريحات جوفاء بالطبع حتى قبل تدخل ترامب.
لقد تم نقل جزء كبير من نشاطات حزب الله من الضاحية أثناء الحرب، وشن سلاح الجو هجمات عليها عشرات المرات، بما في ذلك اغتيال الأمين العام للحزب حسن نصر الله في أيلول (سبتمبر) 2024. هذه التحركات كان لها أثر في السابق، لكن خلافا للانطباع الذي يحاول الحزب إظهاره الآن، فإنه لا يتوقع اتخاذ أي قرار استراتيجي في أعقابها.
في الفترة الأخيرة، تسرب لوسائل الإعلام خطاب حنين عن أيام المنطقة الأمنية في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، وكأن الانسحاب منها بقرار من رئيس الحكومة في حينه إيهود باراك في العام 2000، لم يكن نتيجة مباشرة للعجز عن استخدام المنطقة لتوفير الحماية الفعلية لمستوطنات الشمال.
إضافة إلى ذلك، التحدي في هذه المرة معقد أكثر، لأن الطائرات المسيرة التي يشغلها حزب الله تصيب القوات الموجودة داخل المنطقة الأمنية ويصعب اعتراضها عند عبورها الحدود إلى الأراضي الإسرائيلية. باستثناء السيطرة التكتيكية، من مرتفعات علي طاهر وقلعة شقيف إلى هضبة النبطية المجاورة، يصعب إدراك أي قيمة عسكرية خاصة في الاستيلاء على قلعة شقيف. في هذه المرحلة، لا توجد أي صلة بين التحرك على الأرض وبين الهدف غير الواضح تماما من القتال كله. واللافت للنظر بشكل خاص هو التناقض بين ما يحدث على الأرض وتصريحات متخذي القرارات.
خلافا للانطباع السائد، لا تشمل العملية في لبنان قوات كبيرة. فرقتان فقط تعملان هناك، الفرقة 36 والفرقة 91 (الجيش الإسرائيلي أعلن عن انسحاب الفرقة الثالثة، 146). كل فرقة تتبع لها ألوية قتالية عدة، معظم هذه القوات نظامية، وقوات الاحتياط قليلة جدا في لبنان في الوقت الحالي. ورغم الخطابات الرنانة فإن هذه ليست خطوة كبيرة، بغض النظر عن فرح نتنياهو الزائد، الذي من المؤكد أنه على دراية تامة بهذه التفاصيل. يزعم مسؤولون كبار في الجيش الإسرائيلي، للمرة الثانية، وضع حزب الله أسوأ مما يبدو ظاهريا، وأن استمرار الضغط العسكري قد يؤدي إلى مزيد من النتائج في الأيام المقبلة. هذا وارد، لكن علينا تذكر كم مرة سمعنا مثل هذه التوقعات المتفائلة (بما في ذلك خلال فترة المنطقة الأمنية في التسعينيات) ولم تتحقق بالكامل. ميزان القوة بين الطرفين واضح، وكذلك ضعف حزب الله والهجمات التي تعرض لها، لكن الحقيقة هي أن الحزب كشف عن نقطة ضعف في إسرائيل (هشاشتها أمام الطائرات المسيرة)، وهو يستغلها جيدا.
في غضون ذلك، تجدر مراقبة ما يحدث في ساحات أخرى. ففي الأيام الأخيرة، تصاعدت استفزازات نشطاء اليمين المتطرف في الحرم. في هذا الأسبوع، التقطت لهم صور وهم يرفعون الأعلام قرب قبة الصخرة، ودعا الحاخام شموئيل الياهو إلى إقامة كنيس في الحرم. مرتان، في 2021 (عملية حارس الأسوار) وفي 2023 (مذبحة 7 أكتوبر)، استغلت حماس استفزازات اليهود في الحرم. وفي الحالة الثانية أيضا، استغلت الخطوات التي اتخذتها الحكومة هناك كذريعة لإشعال النار من قطاع غزة. وقد يتكرر هذا الأمر في هذه المرة، وفي اتجاهات عدة، لا سيما مع دخول إسرائيل فترة الانتخابات.
تم الإعلان، مساء أول من أمس، عن اسم النقيب اوري يوسف سلفستر (30 سنة)، طبيب كتيبة في جفعاتي، الذي قتل بطائرة مسيرة مفخخة. وبعد ظهر أول من أمس، تم دفن جثامين ضحايا الأحداث السابقة في لبنان. وفي عسقلان أقيمت جنازة الرقيب مايكل تيوكن، جندي دورية جفعاتي الذي قتل يوم السبت الماضي بطائرة مسيرة مفخخة قرب قلعة شقيف. وتم دفن الرقيب آدم تسرفاتي، الجندي في وحدة ماجلان، الذي قتل في حادثة مشابهة عشية يوم الاثنين قبل الماضي، في المقبرة العسكرية في رأس العين.
وقد تم بث تحذير للجمهور في الراديو وفي نشرة أخبار المساء من قبل بلدية رأس العين يفيد بحدوث تأخير في الوصول إلى الجنازة بسبب المظاهرات التي يتوقع أن تشمل إغلاق الشوارع في المنطقة. ويمكن للمستمعين توقع ما سيحدث بعد ذلك: هذه مظاهرات ينظمها اليهود الحريديون، الغاضبون من الحكومة، التي منحتهم أكثر مما منحته أي حكومة سابقة، لكنها تتباطأ الآن في تمرير الترتيب الذي سيمكنهم من التهرب المطلق من التجنيد برعاية القانون.