الغد
هآرتس
بقلم: أسرة التحرير 18/8/2026
تفكير حكومة نتنياهو في أن سياسة الاحتلال المتواصل لأجزاء من جنوب لبنان ستضمن على مدى الزمن الهدوء في الشمال من شأنه أن يتفجر على أرض الواقع. فأحداث الأيام الأخيرة تجسد بالملموس حقيقة غير مريحة: رغم الإنجازات العسكرية لإسرائيل في الحرب ضد حزب الله، فإن التنظيم لم يختفِ. ورغم التفوق العسكري، ليس لإسرائيل القدرة على نزع سلاح حزب الله بقوة الذراع وحدها.
فضلا عن ذلك، فإن من شأن السياسة الإسرائيلية الحالية أن تقضم، بالذات، من الإنجازات الإستراتيجية المهمة التي تحققت حيال حزب الله منذ 7 أكتوبر. فتآكل القوة العسكرية للتنظيم واغتيال حسن نصر الله وبديله ساهما في خلق واقع سياسي مختلف جوهريا في لبنان. وكان انتخاب جوزيف عون للرئاسة رمزا لهذا التغيير. فلأول مرة منذ سنوات نشأت نقطة لقاء مهمة بين مصلحة إسرائيلية ومصلحة لبنانية: إضعاف القوة الذاتية لحزب الله وإعادة الصلاحيات إلى الدولة اللبنانية.
غير أنه من سلوك الحكومة يتضح أن هذه فرصة إستراتيجية تصر إسرائيل على تفويتها. فالمصلحة الإسرائيلية المركزية في لبنان لا ينبغي أن تكون احتلال أرض أخرى، بل خلق واقع تكون فيه حكومة لبنان وجيشه قويين بما يكفي كي يقلصا بالتدريج القوة العسكرية والسياسية لحزب الله. أما استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان، وبالتأكيد التطلع إلى جعله دائما، فيعملان في الاتجاه المعاكس. فهذا يضعف حكومة لبنان والمعسكر السياسي الذي اختار المواجهة مع حزب الله، ويمنح حزب الله من جديد إحدى الذخائر السياسية الأهم لديه: القدرة على أن يعرض نفسه كـ"مقاومة" ضرورية لحماية لبنان من وجود إسرائيلي في أراضيه. وباسم الصراع ضد حزب الله، توفر إسرائيل له الحجة اللازمة كي يبرر استمرار وجوده.
إن حل بنية بُنيت على مدى عشرات السنين لن يتم في خطوة عسكرية واحدة. ومن يعتقد أن وجودا دائما للجيش الإسرائيلي في لبنان سيخلق وحده هدوءا بعيد المدى في الشمال يتجاهل التاريخ اللبناني والآلية السياسية التي نما منها حزب الله.
البديل ليس انسحابا بلا شروط، بل إستراتيجية متداخلة: استمرار حرية العمل حيال تهديدات فورية، إلى جانب خطوة سياسية منسقة مع الولايات المتحدة والسعودية وجهات أخرى، بهدف تقوية مؤسسات الدولة اللبنانية وجيشها. وفي إطار مثل هذه الخطوة، يمكن لاستعداد إسرائيلي للانسحاب التدريجي من المناطق في لبنان أن يتحول من مخطط إلى جزء من صفقة إستراتيجية أوسع، في مركزها تقليص قوة حزب الله وحرية عمله.
إن استمرار الغرق الإسرائيلي في لبنان من شأنه أن يحقق بالضبط النتيجة المعاكسة، ويحوّل إنجازا عسكريا إسرائيليا مهما إلى فرصة سياسية مفوّتة.