الغد
هآرتس
بقلم: ديمتري شومسكي 22/7/2026
يبدو أن شخصا في مصلحة السجون الـ"بن غفيرية" كان من المهم له إرضاء جهة معينة في وزارة الأمن الوطني. من هنا صدر التقرير الاستخباري الخاص لمصلحة السجون، بعنوان "مروان البرغوثي يكسب لعبة لا يشارك فيها". وقد نشرت النقاط الرئيسية لهذا التقرير، الذي كتبه الدكتور "م"، من قسم البحوث الإستراتيجية في مصلحة السجون، في هذا الشهر في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، في مقال كتبه ليران تماري. هدف التقرير هو "سَنورة البرغوثي"، أو كما يقول "ب"، وهو ضابط استخبارات رفيع في مصلحة السجون والذي استند المقال المذكور إلى مقابلة أجريت معه: "إنه (البرغوثي) نوع من يحيى السنوار، بل هو أكثر دهاء وخطرا". مع ذلك، عند قراءة المقال يصعب تقديم أي دليل حقيقي يدعم هذا الادعاء.
للتذكير، تم اعتقال البرغوثي، القائد السابق للتنظيم، وهو الجناح العسكري في حركة فتح، في الانتفاضة الثانية، في عملية "الدرع الواقي" في نيسان (أبريل) 2002، وفي العام 2004 تمت إدانته في المحكمة المركزية في تل أبيب بالتورط في هجمات أدت إلى قتل خمسة إسرائيليين. وقد صدر بحقه حكم بالسجن المؤبد خمس مرات، إضافة إلى أحكام أخرى بتهمة الشروع في القتل والانتماء لمنظمة إرهابية والعمل فيها. بعد ذلك، كما كتب آفي يسسخاروف في نيسان (أبريل) 2016 في صحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، تخلى البرغوثي عن تأييد الكفاح المسلح، وصاغ مفهوما للمقاومة السلمية للاحتلال الإسرائيلي، بهدف إقامة دولة فلسطينية في حدود 1967، وهو المفهوم الذي يسعى من خلاله إلى توحيد كل فصائل الحركة الوطنية الفلسطينية.
في المقال عن التقرير الخاص لمصلحة السجون، الذي يتضمن أيضا لمحة تاريخية عن سيرة البرغوثي قبل الإدانة وبعدها، لم ترد الإشارة إلى أي تغيير في موقفه من الكفاح المسلح. وخلافا لذلك، يؤكد التقرير والمقال بشكل قاطع، أن البرغوثي، مثلما كانت الحال في الانتفاضة الثانية، ما زال يؤيد نهج الإرهاب حتى الآن. مع ذلك، رغم الادعاء بأن التقرير يعكس "تطور في شخصيته"، بالاعتماد، ضمن أمور أخرى، على تسجيلات لمحادثاته الخاصة، فإن المقال لا يقدم أي دليل صريح على أقوال البرغوثي اليوم يدعم هذا الادعاء.
يفشل التقرير والمقال عن البرغوثي في تقديم أدلة كافية، ليس فقط فيما يتعلق بدعمه المزعوم لنهج الكفاح المسلح، بل أيضا فيما يتعلق بمسالة جوهرية أخرى، لا تقل أهمية بالنسبة لكل من يتوق إلى اعتبار البرغوثي النسخة الخطيرة للسنوار، وهي مسألة الاعتراف بدولة إسرائيل. في الواقع، لو أن "تطور شخصيته" قد أوحى، ولو بالتلميح، إلى أن البرغوثي يسعى إلى طرد "المستعمرين الصهاينة" من الشرق الأوسط وإقامة دولة فلسطينية واحدة من البحر إلى النهر، لكانت عملية "سنورته" قد اكتملت. مع ذلك، تبين أن حصيلة معلومات مصلحة السجون هنا ضئيلة جدا: لقد اعترفت (ب) وهي العضوة البارزة في هذا الجهاز، "التي قضت ساعات طويلة مع البرغوثي وتعرفت على كل المعلومات الاستخبارية عنه"، اعترفت بأن البرغوثي كان يتحدث دائما في محادثاتها معه عن ضرورة تحقيق السلام بين الشعبين. وقد اعتبرت ذلك مجرد مجاملة.
لكن الأمر لا يعتبر سرا. ففي الانتفاضة الثانية عندما كان يقود تنظيم (مقاومة) وقبل اعتقاله من قبل إسرائيل، أكد البرغوثي بوضوح التزامه بحل الدولتين الذي يقوم على التعايش السلمي والازدهار والترابط الاقتصادي والثقافي. وفي مقاله المشهور في "واشنطن بوست" في كانون الثاني (يناير) 2002، وصف إسرائيل بأنها "الجارة المستقبلية"، وأكد اعتراف الفلسطينيين بدولة إسرائيل "على 78 % من أراضي فلسطين التاريخية"، وطلب من إسرائيل الاعتراف بحق دولة فلسطين في الوجود على 22 % من هذه الأرض. وأكدت مجموعة من المقربين من البرغوثي في 2017 مبدأ الاعتراف المتبادل بين إسرائيل وفلسطين، لذلك لا يوجد ما يدعو إلى التشكيك في صدق تصريحاته الحالية بشأن التزامه بالسلام بين الشعبين، التي يشهد عليها تحقيق معهد الدراسات السياسية نفسه، طالما لم يثبت عكس ذلك.
يوجد لجيل كامل مثل البرغوثي موقف سياسي فلسطيني يدعو إلى الحل الواقعي والعادل الوحيد في الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين، وهو حل الدولتين. إضافة إلى ذلك، كان على مدى عقد يرفض المقاومة المسلحة للاحتلال، ويبدو أنه الزعيم الفلسطيني الوحيد القادر على توحيد معظم الفصائل الوطنية الفلسطينية تحت قيادته وحول هذين المبدأين: دعم حل الدولتين ونبذ الإرهاب. وينطبق هذا أيضا على أجزاء من حماس والجهاد الإسلامي اللتين توصل ممثلوهما إلى اتفاقيات مع أنصار البرغوثي في العام 2016، استنادا إلى نفس المبادئ. والآن، بالتحديد بعد كارثة تدمير غزة، يتوقع ظهور خائبي أمل جدد في منظمات (المقاومة)، الذين سيكونون مستعدين للموافقة على قيادة البرغوثي ورؤيته.
إن احتمالية ظهور قيادة فلسطينية موحدة وتلتزم بحل الدولتين بقيادة البرغوثي، تعد تهديدا حقيقيا لإسرائيل. لأن ظهور هذه القيادة سيضع حدا لذرائعها المتكررة لتجنب استئناف العملية السياسية. في الواقع، ترفض إسرائيل، التي أطلقت سراح مئات (المقاومين) الفلسطينيين الملطخة أيديهم بالدماء، إطلاق سراح البرغوثي، ليس بسبب تورطه في قتل إسرائيليين، بل بسبب ما يمثله من "خطر" على السلام وتقسيم البلاد. وبناء على ذلك، فقد حان الوقت لأنصار حل الدولتين في إسرائيل، يهود وفلسطينيين، لبذل قصارى جهدهم لزيادة هذا الخطر.
بشكل ملموس، يجب اتخاذ إجراءات مستعجلة لإنشاء منتدى يهودي – عربي من أجل المطالبة بإطلاق سراح البرغوثي. وسيعمل هذا المنتدى بحزم على إيصال صوته محليا ودوليا، وسينظم حملة توقيعات جماعية من قبل مواطنين إسرائيليين يحبون السلام، للمطالبة بإطلاق سراح البرغوثي، وفي نفس الوقت سيضمن تزويد الرأي العام الإسرائيلي بمعلومات موثوقة ومفصلة حول مواقفه السياسية، الأمر الذي سيضع حدا لمحاولة ذر الرماد في عيون الجمهور الإسرائيلي حول هذه القضية، مثل "الكشف المخجل" الذي نشرته "يديعوت أحرونوت".