الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
جوناثان كوك* - (مدونة الكاتب) 18/6/2026
يريد "حزب العمال" في بريطانيا أن يشكل قمع حركة "العمل من أجل فلسطين" نموذجًا يُحتذى به في السياسة. لماذا لا يتم الزج بقادة أحزاب المعارضة في السجون -ومعهم أي ناخب يجرؤ على الاحتجاج على سياسات الحكومة؟
نشر مايك تاب، الوزير في وزارة الداخلية البريطانية، مؤخرًا، على منصة "إكس"، ردًا من نوع "أمسكت بك" على انتقاد زاك بولانسكي، زعيم "حزب الخضر"، قرار حكومة العمال تصنيف حركة "العمل من أجل فلسطين" منظمة إرهابية.
عقب صدور قرار محكمة الاستئناف الأسبوع الماضي تثبيت قرار حظر الحركة، أشار بولانسكي إلى الهجوم القمعي الذي تشنه الحكومة على الحريات المدنية. ولفت إلى أن آلاف المتقاعدين، من محامين وأطباء ورجال دين ومحاربين قدامى، تم اعتقالهم بتهم تتعلق بالإرهاب لمجرد حملهم لافتة كتب عليها: "أعارض الإبادة الجماعية. وأدعم حركة ’العمل من أجل فلسطين‘".
وردّ تاب بتوجيه سؤال لبولانسكي: "هل تدعم جماعة العمل من أجل فلسطين؟".
كانت هذه محاولة لاستدراجه. فلو أجاب بولانسكي بالإيجاب، لأمكن الحكم عليه بالسجن لمدة تصل إلى 14 عامًا بسبب القرار غير المسبوق الذي اتخذته وزارة الداخلية نفسها باعتبار حركة "العمل من أجل فلسطين" منظمة إرهابية. ولم يسبق في تاريخ المملكة المتحدة كله أن صُنّفت أي جماعة للعمل المباشر كمنظمة إرهابية، ووضعها بذلك على قدم المساواة مع "القاعدة" أو "داعش".
ظنّ تاب أنه يتصرف بدهاء، لكنه في الواقع لم يفعل سوى كشف الطبيعة السلطوية والقمعية القبيحة للحكومة التي يخدم فيها، وتواطؤها مع الجرائم الإسرائيلية المتواصلة في غزة.
وليس تاب طرفًا محايدًا في هذه القضية؛ إنه نائب رئيس منظمة "أصدقاء إسرائيل في حزب العمال"، الجناح الموالي لإسرائيل داخل الحزب والذي يهيمن على الحكومة. وقد أشار الصحفي الاستقصائي بول هولدن إلى أن تاب تلقى أموالًا ومزايا من منظمة "ليبر توغيذر" ومن "أصدقاء إسرائيل في حزب العمال" ومن رجل الأعمال ستيوارت رودن، المؤسس المشارك لشركة استثمارية إسرائيلية مع يهودا تاوب، الضابط السابق في القوات الخاصة الإسرائيلية، والذي خدم لاحقًا في قوات الاحتياط داخل غزة.
تعج حكومة العمال بأشخاص من هذا النوع ممن يؤدون دور الهتاف لإسرائيل داخل بريطانيا.
وفوق ذلك -أو ربما نتيجة لذلك- يتلقى كثير من الوزراء، من رئيس الوزراء كير ستارمر ونزولًا من هناك، تبرعات كبيرة من جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل.
كان رد بولانسكي على تاب كما يلي: "إن حقيقة أن حكومتك جعلت من غير القانوني أن أجيب بـ(نعم) إنما تقدم شهادة دامغة على استخفافكم الفاضح بالحريات المدنية".
ليس مايك تاب، الذي يحاكي أساليب السيناتور الأميركي جوزيف مكارثي، حالة شاذة داخل "حزب العمال"، وإنما يمثل قلبه النابض. وقد أسهم الجناح الذي ينتمي إليه، وبتوجيه من اللوبي الإسرائيلي وعبر أنشطة منظمة "ليبر توغيذر"، في فبركة ما سُمّي "أزمة معاداة السامية" داخل الحزب خلال النصف الثاني من العقد الماضي. وكان الهدف هو استخدام وسائل غير ديمقراطية لطرد جيريمي كوربن وأنصاره من الحزب، وإعادة الممولين الكبار واللوبي الإسرائيلي إلى موقع التحكم بالسياسات.
بينما كان تاب يسعى في الأيام الأخيرة إلى تجريم زعيم الحزب السياسي اليهودي الوحيد بين الأحزاب البريطانية الكبرى، ظهر أن نائبًا آخر من "حزب العمال"، هو بيتر كايل، أبلغ الشرطة عن إحدى ناخباته في مدينة برايتون. وتم اعتقال المرأة ووُجهت إليها تهمة بعد أن كتبت إليه محتجة على دعم الحكومة للإبادة الجماعية في غزة.
يبدو أن كايل اعتبر أن مراسلة المرأة نائبها البرلماني تشكل جريمة بموجب قانون الاتصالات لأنها "تسببت له بالإزعاج". ربما يجد كايل تذكيره بتواطؤ حزبه في الإبادة الجماعية عملًا مزعجًا. وربما يتخيل أيضًا أن الديمقراطية، وفق فهمه، تعني أن يكون للناخبين الحق في مساءلة ممثليهم بشأن قضايا أخلاقية، مثل التواطؤ في جريمة إبادة.
المثير للصدمة أن هيئة الادعاء العام وافقت على متابعة القضية أمام القضاء، وهو ما يؤكد مرة أخرى على أن هذه الهيئة ليست سوى امتداد للسلطة التنفيذية. وفي إشارة نادرة إلى استقلال القضاء، رفض أحد القضاة المحليين القضية الأسبوع الماضي وألقى بها خارج المحكمة.
ثمة خيط واضح يربط بين القضيتين: لقد أراد كلا النائبين من "حزب العمال" استخدام القانون لسحق الانتقادات الموجهة إلى دعم حزبهما المستمر لإسرائيل. وهما يتخيلان أن قمعهما الاستبدادي السلطوي لحركة "العمل من أجل فلسطين" يمكن أن يصبح نموذجًا للحياة السياسية البريطانية. فلماذا لا يُسجن إذن قادة المعارضة وأي مواطن يجرؤ على الاحتجاج على سلوكهم الإجرامي؟
هكذا يمارس "حزب العمال" بقيادة ستارمر السياسة: من خلال الترهيب والتضليل والمحاكمات الاستعراضية. وهو لا يفعل ذلك لمصلحة المواطنين أو، كما يكرر دائمًا، من أجل "الأمن القومي".
بل يفعله خدمةً لحكومة أجنبية تُعد، حتى في نظر كثير من الإسرائيليين، الأكثر تطرفًا في تاريخ إسرائيل، وتضم شخصيات تعلن نفسها فاشية -إلى حد أن موشيه يعلون، رئيس الأركان الإسرائيلي الأسبق، شبّه بعض أفرادها بالنازيين.
إن ما تفعله حكومة ستارمر هو أنها تستدعي من أعماقها ومن أعماق الدولة البريطانية نزعاتها الفاشية الكامنة. ومع اقتراب حزب "إصلاح المملكة المتحدة" بقيادة نايجل فاراج منها في المشهد السياسي، لا يبدو أن هناك أملًا كبيرًا في تحسن الوضع قريبًا.
*جوناثان كوك Jonathan Cook: صحفي بريطاني حائز على جوائز. أقام في مدينة الناصرة لمدة 20 عامًا. عاد إلى المملكة المتحدة في العام 2021. وهو مؤلف لثلاثة كتب عن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني: "الدم والدين: كشف القناع عن الدولة اليهودية" Blood and Religion: The Unmasking of the Jewish State، (2006)؛ "إسرائيل وصراع الحضارات: العراق وإيران وخطة إعادة تشكيل الشرق الأوسط" (2008) Israel and the Clash of Civilisations: Iraq, Iran and the Plan to Remake the Middle East؛ و"فلسطين المتلاشية: تجارب إسرائيل في البؤس البشري" (2008) Disappearing Palestine: Israel’s Experiments in Human Despair.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Fealty to Israel