العرب -
تبدو حرب إيران، بكل امتداداتها الإقليمية وتداخلاتها الدولية، أقرب إلى نهايتها دون أن يتمكن أي طرف من إعلان نصر واضح أو فرض إرادته بشكل كامل على الآخرين.
ولا تعني هذه النتيجة انتهاء الصراع بقدر ما تعني دخوله مرحلة جديدة أكثر تعقيدا، تتسم بما يمكن وصفه بـ“التوازن الهش”، حيث تتراجع احتمالات الحسم لصالح إدارة طويلة الأمد للأزمة ضمن حدود الردع المتبادل وتوازن الخسائر.
وعلى مدى أشهر من المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لم تنجح العمليات العسكرية ولا الضغوط الاقتصادية ولا التصعيد السياسي في إنتاج تسوية نهائية.
ورغم أن الحرب أعادت رسم بعض ملامح ميزان القوى في الشرق الأوسط، فإنها لم تُنتج منتصرا قادرا على تحويل مكاسبه الجزئية إلى واقع استراتيجي مستقر.
ونجحت الولايات المتحدة، التي دخلت الصراع بهدف منع توسع النفوذ الإيراني واحتواء تهديداته الإقليمية، في إدارة التصعيد ومنع انزلاقه إلى حرب شاملة تهدد الأسواق العالمية، خاصة في ما يتعلق بالطاقة وممرات الملاحة الحيوية مثل مضيق هرمز. لكنها في المقابل لم تتمكن من فرض تسوية سياسية أو إعادة تشكيل النظام الإقليمي بالشكل الذي يعكس تفوقها العسكري والاقتصادي.
وقد اتبعت واشنطن مقاربة تقوم على المزج بين القوة والدبلوماسية، مع إبقاء الضغط العسكري والاقتصادي على طهران كأداة تفاوضية. غير أن هذا النهج كشف حدود القدرة الأميركية على فرض “نهاية حاسمة” للصراعات المعقدة، في ظل عالم دولي أكثر تشتتا وتعددية في مراكز القوة، مقارنة بفترات سابقة كانت فيها الولايات المتحدة قادرة على إعادة تشكيل الشرق الأوسط كما حدث في بداية الألفية.
وحققت إسرائيل بدورها تقدما ميدانيا ملحوظا، خصوصا في استهداف شبكات النفوذ الإيرانية في عدد من الساحات الإقليمية، من لبنان إلى اليمن والعراق وسوريا.
وقد أظهرت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تفوقا تكتيكيا واضحا في عدد من الجبهات، ونجحت في إضعاف قدرات بعض الفصائل المرتبطة بإيران، لا سيما في لبنان حيث تكبد حزب الله خسائر كبيرة خلال جولات التصعيد الأخيرة.
لكن هذا التفوق لم يتحول إلى إنجاز استراتيجي حاسم. فغياب القدرة على تحقيق حسم بري مباشر تجاه إيران، إضافة إلى استمرار البنية الإقليمية لشبكات النفوذ الإيراني رغم الضربات، جعل النتائج النهائية محدودة الأثر.
كما أن إسرائيل، رغم قوتها العسكرية، تجد نفسها في مواجهة معادلة استنزاف طويلة الأمد لا توفر مخرجا نهائيا واضحا، وهو ما يعكس فجوة بين القوة العسكرية والقدرة على إنتاج استقرار سياسي دائم.
وفي المقابل، خرجت إيران من الحرب بحالة يمكن وصفها بـ“البقاء تحت الضغط”. فهي لم تحقق انتصارا عسكريا، لكنها في الوقت نفسه لم تنهَر تحت وطأة الضربات والعقوبات والضغوط المتعددة.
وقد اعتمدت طهران على استراتيجية تقوم على امتصاص الصدمات، وإدارة التصعيد بشكل مدروس، وتجنب الدخول في مواجهة شاملة مباشرة مع الولايات المتحدة، مع الحفاظ على الحد الأدنى من نفوذها الإقليمي.
ولا يمكن اعتبار هذا “الصمود” الإيراني انتصارا بالمعنى التقليدي، بل هو شكل من أشكال البقاء الاستراتيجي في بيئة عدائية. فإيران اليوم ليست في موقع قوة يسمح لها بفرض شروطها، لكنها أيضا ليست في موقع ضعف يسمح بإقصائها من المعادلة الإقليمية.
وبهذا المعنى، أصبحت الحرب جزءا من بنية الدولة الإيرانية نفسها، لا مجرد أزمة خارجية يمكن تجاوزها بسهولة.
وأما أوروبا، فقد لعبت دورا اقتصاديا أكثر منه سياسيا أو عسكريا. فبينما تأثرت بشكل مباشر باضطرابات أسواق الطاقة وارتفاع الأسعار وتراجع الاستقرار المالي، بقي تأثيرها في مسار الحرب محدودا.
وعكست الأزمة مجددا اعتماد أوروبا على استقرار الشرق الأوسط في مجال الطاقة والملاحة، مقابل عجزها عن التدخل الفاعل في إدارة الصراع أو إعادة توجيه مساره.
وكشف هذا التناقض بين الاعتماد البنيوي على المنطقة وضعف القدرة على التأثير فيها حدود الدور الأوروبي في النظام الدولي الحالي، حيث أصبحت أوروبا أكثر عرضة لتداعيات الأزمات الخارجية دون امتلاك أدوات حقيقية لتشكيل نتائجها.