Tuesday 17th of February 2026 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    17-Feb-2026

استمرار الاحتلال ينزع الشرعية

 الغد

هآرتس
بقلم: اوري بار يوسيف
 
كتبت باربارة توخمان كتابها "مسيرة الحماقة" عن الدول التي تبنت سياسة تتعارض مع مصالحها، وذلك عندما رأت حرب فيتنام، وهو المستنقع الذي غرقت فيه الولايات المتحدة مدة ثماني سنوات. وقدمت أمثلة كثيرة: سكان طروادة الذين أدخلوا الحصان الشهير إلى مدينتهم وتسببوا بتدمير أنفسهم، الباباوات في عصر النهضة، الذين قاموا بالتحريض على انفصال البروتستانت وبأيديهم وضعوا تحديا لسلطتهم، تصميم بريطانيا على فرض الضرائب والسيطرة السياسية، الأمر الذي أدى إلى خسارة مستعمراتها وتأسيس الولايات المتحدة.
 
 
لو أن توخمان كانت على قيد الحياة، لكان من المرجح أن تؤلف كتابا عن الاحتلال باعتباره مدمرا للمشروع الصهيوني. مثال صارخ، مقارنة مع أبرز مسيرات الحماقة في التاريخ. وجوهر هذا المثال هو المصالح المشتركة لكل من يعرف نفسه بأنه صهيوني، بدءا باليمين الاستيطاني وانتهاء باليسار التطهري، كان استمرارا وجوديا لإسرائيل كدولة للشعب اليهودي.
في العام 1967، حققت إسرائيل هذا الهدف. ففي أقل من عشرين سنة تضاعف عدد سكانها ثلاثة أضعاف، وبنت مئات المستوطنات الجديدة وازدهرت اقتصاديا وطورت أنظمة تعليم وصحة وزراعة، أصبحت نموذجا يحتذى به في دول كثيرة، وبنت جيشا حقق في ستة أيام أحد أعظم الانتصارات في التاريخ، وأصبحت قادرة على ردع أي تهديد وجودي. وباستثناء الهوامش الضئيلة، التي كانت تتقلص بالتدريج، لم تكن لها طموحات أخرى للتوسع، وكان همها الوحيد هو تحقيق السلام مع العالم العربي.
بعد ذلك، جاءت حرب الأيام الستة وبدأ موكب الحماقة المسيحاني. لقد منح احتلال الأراضي إسرائيل الموارد التي مكنتها من تحقيق حلمها الذي سعت إليه. وقد عبر النظام الدولي عن ذلك عندما وضع صيغة "السلام مقابل الأرض". ومنذ العام 2002، دعت مبادرة السلام العربية إلى إنهاء الصراع مقابل الانسحاب من الأراضي التي تم احتلالها في 1967، وإقامة الدولة الفلسطينية. هذه الصيغة مقبولة على أقرب حلفاء المشروع الصهيوني، في حين يعتبر النظام الإسرائيلي ونظام آيات الله في إيران أبرز المعارضين لها.
خلال ستين سنة تقريبا عملت إسرائيل بجهد لإقناع دول العالم بعدالة الاحتلال، لكن حتى ميكرونيزيا، حليفتها الاستراتيجية، لم تقتنع بذلك. ولا يقتصر الأمر على مجرد معارضة مبدئية، بل إن تدهور وضع إسرائيل وتحولها إلى دولة منبوذة هو نتيجة واضحة للاحتلال المستمر والقمع في المناطق المحتلة، والاعتراف بأن الفلسطينيين يستحقون دولة أيضا. وقد زادت الحرب في قطاع غزة شدة هذه العملية.
إن استمرار الاحتلال، يمكن أن يؤدي إلى نزع الشرعية عن مشروع الصهيونية، مثلما حدث مع نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا. أيضا هو يضعف قدرة إسرائيل على الدفاع عن نفسها. فمعظم وقت سلاح البر لا يتم تكريسه للتدريب والاستعداد للحرب، بل لحماية المستوطنات والمستوطنين. ان استمرار الاحتلال يضعف قوة الجيش الإسرائيلي ويضعف إسرائيل عسكريا، ولا توجد أي حاجة للتحدث عن الخسائر الكبيرة.
إذا استمر الاحتلال، فلن يتحقق حلم الدولة اليهودية. فبين البحر والنهر توجد أغلبية غير يهودية منذ سنوات، وهذا التوجه الديمغرافي لن يتغير. ما تزال اوريت ستروك وأصدقاءها يؤمنون بفكرة الضم. ولكن حتى دونالد ترامب تنازل عنها وأوضح معارضته للضم.
إن جذور الهستيريا المنهجية التي تعيش فيها إسرائيل منذ ثلاث سنوات، التي بلغت الذروة في جعل الحزب الحاكم نفسه دولة عميقة، واتهام رئيس الحكومة لرئيس جهاز الشاباك المتقاعد بالخيانة، تكمن أيضا في الاحتلال. فقبل العام 1967 كانت الحملات الانتخابية تركز على القضايا الاقتصادية – الاجتماعية والدينية. ومنذ ذلك الحين تناولت كل الحملات الانتخابية، باستثناء الحملة الأخيرة التي ركزت على فساد بنيامين نتنياهو، موضوع واحد وهو مستقبل المناطق المحتلة.
جزء كبير من هذه الهستيريا الآن ينبع من اعتماد رئيس الحكومة على اليمين المتطرف الذي يعمل على استمرار الاحتلال. بل إن الاحتلال نفسه غائب تماما عن أجندة الحملة الانتخابية المقبلة، لأن نفي الواقع هو جوهر هذا العبث. وقد ينتهي هذا الغباء الوطني بدمار يشبه دمار طروادة.
دولة إسرائيل التي تسير على هذا الدرب بحاجة ماسة إلى قيادة جديدة على شاكلة شارل ديغول، الذي خشي على مصير فرنسا فقرر إنهاء الحرب في الجزائر. ودافيد بن غوريون الذي خشي على مصير الأغلبية اليهودية في البلاد فعارض أي احتلال يتجاوز الخط الأخضر. واسحق رابين الذي أدرك خطر استمرار الاحتلال على مصير الدولة، فعمل بجهد على إنهائه.
السياسيون في إسرائيل ينظرون الآن إلى أي مشكلة وأي تحد من خلال منظار الاستطلاعات. بعضهم يتظاهر بتأييد بن غوريون الذي قال "إنه لا يعرف ما يريده الشعب، بل ما يحتاجه". وآخرون هم ديماغوجيون أو يفتقرون إلى حل لمشكلة إسرائيل الأساسية – الاحتلال.