Thursday 14th of May 2026 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    14-May-2026

اندبندنت: السكن المشترك يتمرد على "التابو" الاجتماعي في الأردن

 

عمون -
سلط تقرير لصحيفة اندبندنت عربية، على بروز ظاهرة جديدة في المجتمع الأردني متمثلة بالسكن المشترك بين الشباب والفتيات، تحت عنوان "السكن المشترك يتمرد على "التابو" الاجتماعي في الأردن".
 
وخلص معد التقرير الصحفي الأردني الزميل طارق ديلواني، إلى أن الظاهرة واقع اقتصادي ملموس، لكنها "تابو" اجتماعي يُفضل كثيرون إنكاره. ومع استمرار الأزمات الاقتصادية يبدو أن جدران هذه الشقق ستستمر في التوسع، بانتظار تشريعات تنظم هذا النوع من السكن العصري، أو قبول اجتماعي يعترف بأن "الحاجة" قد تسبق أحياناً "العرف".
 
وقال إنه في بعض أحياء عمّان بدأت تتبلور ملامح ظاهرة اجتماعية كانت حتى وقت قريب تصنف ضمن "المحرمات" في المجتمع الأردني، وهي ظاهرة "السكن المشترك" بين الشبان والفتيات.
 
ففي ظل واقع اقتصادي يضغط بشدة على جيل الشباب، إذ تلتهم الإيجارات المرتفعة وكلف المعيشة المتصاعدة أكثر من نصف الدخل الشهري، لم تعد تقتصر الظاهرة على الطلاب الأجانب أو العاملين في المنظمات الدولية، بل امتدت لتشمل شباباً أردنيين وجدوا في "تشارك الأعباء" الحل الوحيد للاستقلال عن منازل ذويهم.
 
لكن ذلك يصطدم بمنظومة قانونية رمادية وبنية اجتماعية تنظر بريبة إلى ما يحدث خلف الأبواب المغلقة، فكيف أجبر الغلاء الشباب على كسر التقاليد؟ وهل السكن المشترك مجرد "توفير" أم "تمرد"؟
 
حياة يومية
 
في الطابق الثالث من عمارة عادية في منطقة الجبيهة بعمان، يتشارك أربعة أشخاص شقة من ثلاث غرف: شابان وشابتان، جميعهم خريجو جامعات وموظفون يعيشون حياة يومية طبيعية لا تختلف كثيراً عن حياة أي مستأجر آخر.
 
يتقاسمون فواتير الكهرباء والماء والإنترنت، ويتناوبون على التسوق من السوبرماركت القريب، فيما مالك العمارة والجيران يعرفون ما يحدث ويتذمرون بصمت، لكن لا أحد يعترض علناً.
 
هذا المشهد المتكرر بأشكال مختلفة في بعض أحياء العاصمة عمان، يُمثّل واحدة من أكثر الظواهر الاجتماعية الأردنية إثارة للتساؤل والجدل وإحجاماً عن التداول، فظاهرة السكن المختلط بين الشباب من دون زواج، آخذة بالتنامي وسط صمت مطبق وتحت غطاء من التجاهل الاجتماعي والإعلامي.
 
صمت اجتماعي
 
يتساءل مراقبون ما الذي تقوله هذه الظاهرة عن مجتمع أردني يتغير في الخفاء، لكنه يرفض أن يعترف بذلك في العلن؟ وهل هذا الصمت هو نوع من التسامح الضمني مع الظاهرة المرفوضة اجتماعياً أم مجرد ضرورة اقتصادية تكسر القيم وتطيح بها؟
 
فالاختلاط بين الجنسين خارج إطار الزواج أمر مرفوض، والاستقلال السكني للمرأة قبل الزواج مسألة تمسّ الشرف بالنسبة إلى كثير من الأردنيين، والرقابة الاجتماعية الجماعية لا تزال فاعلة في مجتمع محافظ، لكن الواقع الميداني يروي قصة مختلفة تماماً.
 
منذ ارتفاع أسعار الإيجارات في الفترة الممتدة بين 2021–2026، وتوسع أحياء الجامعات وامتدادها نحو مناطق أكثر شعبية وأقل رقابة، أخذت ظاهرة السكن المشترك بالتزايد.
 
يقول صاحب أحد العمارات "أنا أؤجّر الشقة وما يجري داخلها ليس شأني، المهم أن المستأجرين ملتزمون دفع الإيجار"، بينما يحجم كثيرون من الجيران عن التدخل على رغم رؤيتهم ما يوصف بـ"العيب" الاجتماعي.
 
ويصنف متخصصون هذا الصمت بأنه نفاق اجتماعي على قاعدة التكيف الجماعي، لأن المجتمع يدرك أنه لا يملك أدوات التغيير والفضاء العام الآمن للنقاش من دون أن يصنف في خانة الدفاع عن "الانحلال" أو "التشدد".
 
ضغط اقتصادي
 
على جانب آخر وبعيداً من الموقف الاجتماعي أو الديني من ظاهرة السكن المختلط، يطرح البعض وجهة نظر اقتصادية مادية، مع ارتفاع أسعار إيجار الشقق في مناطق عمان ارتفاعاً حاداً.
 
لذا لا يمكن قراءة هذه الظاهرة بمعزل عن الأرقام الصادمة التي سجلها الاقتصاد الأردني في الأعوام الأخيرة، فوفقاً لمؤشرات دائرة الإحصاءات العامة، شهدت العاصمة عمان ارتفاعاً في أسعار الإيجارات بنسب تراوحت ما بين 10 و15 في المئة في المناطق الحيوية خلال العامين الأخيرين.
 
على سبيل المثال، يبلغ إيجار شقة من غرفة واحدة في منطقتي الجبيهة أو أم السماق نحو 500 دولار. في حين أن متوسط راتب الموظف الأردني المبتدئ لا يزيد على 600 دولار، لذلك لا يبدو السكن المنفرد خياراً ويعتبره كثيرون رفاهية.
 
يؤكد شاب أردني جامعي يسكن مع فتيات في شقة واحدة، أن فكرة السكن المشترك كانت في البداية مستهجنة لكنها اليوم تنتشر بدافع اقتصادي بحت، مشيراً إلى أنها تؤدي إلى حالات زواج ناجحة أحياناً.
 
لكنه لا ينفي وجود معارضة اجتماعية لهذه الظاهرة بخاصة من قبل أهالي الفتيات اللواتي يضطر بعضهن إلى إخفاء الأمر.
 
"جيل Z" متهم
 
لكن وفق بعض من خاضوا غمار هذه التجربة، فليس كل من يلجأ إلى السكن في شقة مختلطة لديه أسباب اقتصادية، فجزء من هؤلاء الشباب يختار هذه الظاهرة عن وعي وقناعة، ويشكل الأمر بالنسبة إليهم هوية مختلفة عن الأجيال الأخرى، في إشارة إلى ما بات يعرف "جيل Z"، وهو جيل ولد في التسعينيات ومطلع الألفية الثالثة، ونشأ مع الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، وهو الجيل الذي تلقّى تعليماً جامعياً بنسب غير مسبوقة، وفي الوقت ذاته واجه سوق عمل أضيق بكثير من الأجيال الأخرى.
 
يرى بعض أفراد هذا الجيل أن الاستقلال السكني رفض للوصاية الأسرية الممتدة، وتمرد على فكرة أن البلوغ عقد زواج، وهي قناعة تترسّخ بهدوء لدى جيل عريض من الشباب والفتيات اليوم.
 
يمكن رصد هذه الظاهرة بوضوح على منصات عدة مثل reddit ، على سبيل المثال، ثمة منشور لشخص يبحث عن شقة مشتركة في عمّان، فيما يبرز إعلان لطالب عربي مقيم في العاصمة يبحث عن شريك سكن سواء كان ذكراً أو أنثى مقابل دفع 100 دولار شهرياً. فيما تتعامل منشورات كثيرة أخرى مع السكن المختلط كأمر عملي واقتصادي.
 
على جانب آخر، تنشط مجموعات "فيسبوك" المغلقة الخاصة بالطلاب الجامعيين وسكن الطالبات والأجانب المقيمين في الأردن، مستخدمة مصطلحات أكثر تحفظاً وأقل صراحة مثل البحث عن "شقة مشتركة" و"زميل سكن" و"بيئة مختلطة" و"أشخاص منفتحين ذهنياً".
 
ويبدو أن مناطق مثل اللويبدة وجبل عمّان لا تزال تجذب الشباب بسبب الطابع الاجتماعي والحياة المشتركة فيها أكثر من المناطق الأخرى، حيث يعد السكن المشترك في هذه المناطق تمرداً اجتماعياً أكثر مما هو آلية صمود اقتصادي وحل سريع لأزمة الإيجارات المرتفعة وجزء من نمط حياة جديد لدى الطلاب والعاملين في الشركات والشباب البعيدين من عائلاتهم.
 
استقلالية جندرية
 
تواجه المرأة في هذه الظاهرة ضغطاً مختلفاً ومضاعفاً، فوصمة "الفتاة التي تسكن وحدها" لا تزال حاضرة بقوة في الوعي الاجتماعي، مما يجعل الاستقلال السكني للمرأة أكثر مواجهة للعواقب الاجتماعية والأسرية وربما القانونية.
 
على رغم ذلك، يقول محامون إنه لا يوجد نص تشريعي صريح يجرّم السكن المشترك بين بالغين خارج إطار الزواج، ما دام الأمر في نطاق الخصوصية ولم يُفضِ إلى ما يُعدّ جريمة قائمة بذاتها، بمعنى آخر لا تتحول هذه الظاهرة إلى جرم إلا إذا جرى تقديم شكوى.
 
وعلى رغم أن المادة 284 من قانون العقوبات الأردني تجرم "الفعل الفاضح العلني"، فإن تطبيقها يستلزم علنية وشهوداً وبلاغاً رسمياً، أيضاً السكن وراء أبواب مغلقة لا يدخل في هذا الإطار قانونياً.
 
والملاحقة القانونية ممكنة نظرياً هنا لكنها تستلزم شكوى ولي أمر الفتاة وإثباتاً مادياً صريحاً لوجود فعل جنسي، لا مجرد السكن المشترك، بمعنى أن المجرَّم فعلياً ليس السكن بحد ذاته، بل الفعل الجنسي المثبت.
 
في حين أن بعض أحكام قانون الأحوال الشخصية وقانون المطبوعات والنشر قد تستخدم بطريقة غير مباشرة ضد هذه الظاهرة في حال تكييفها على أنها مس بالآداب العامة.
 
يؤكد متخصصون في القانون أن القانون الأردني لا يجرم "السكن المشترك" بنص صريح، لكنه يضيق الخناق عليه من خلال ثغرات أخرى مثل شكوى الجيران، فالمادة 310 من قانون العقوبات المتعلقة بالآداب العامة تُفعل فور وجود شكوى من الجيران حول "ممارسات مخلة"، وهو ما يجعل السكن المشترك تحت رحمة "الرضا الشعبي" في المنطقة.
 
ووفقاً لدائرة الإفتاء الأردنية، فإن الفقه الإسلامي في مجمله لا يُجيز الخلوة بين غير المحارم، لكن ثمة فجوة بين الفتوى الرسمية والتطبيق الفعلي.
 
وتختلف دوافع الفتيات عن الشباب في هذا السياق، حيث تبرز مشكلات الهرب من العنف الأسري أو الرقابة المشددة والاستقلالية المادية بعد الحصول على وظيفة، مع استحالة الزواج أو الدراسة في مدن بعيدة.
 
نماذج عدة
 
فضلت إحدى الفتيات اللواتي تحدثن إلى "اندبندنت عربية" عن تجربتها، وصف ما حدث معها بأنه هرب من كلفة الحياة ودخول في منطقة رمادية اجتماعياً، مضيفة أنها تعاني ضغوطاً اقتصادية والرغبة في الاستقلال الشخصي والخوف من المجتمع في الوقت ذاته.
 
تضيف الفتاة "الأمر بالنسبة إليَّ ولكثيرات غيري ليس بالضرورة حرية أكثر بل أمن أكثر داخل شقة جماعية بدل العيش لوحدي"، لكن في المقابل يظهر خوف دائم من التحرش والاستغلال وكشف الأمر للعائلة.
 
في نقاشات طلابية أردنية على Reddit، تظهر شكاوى متكررة من ارتفاع الأسعار وصعوبة العثور على شقق مناسبة قرب الجامعات. بعض الطلاب يتحدثون صراحة عن فكرة "شريك السكن" لتقاسم الكلف.
 
على المنصة ذاتها، تظهر تحذيرات متكررة للفتيات من بعض المناطق أو البيئات المحيطة بالسكن الطلابي، مما يعكس حجم القلق الاجتماعي والأمني المحيط بالسكن المستقل للنساء.
 
لكن النموذج الصارخ لهذه الظاهرة والأكثر وضوحاً هو ذلك الشاب العامل في شركة ناشئة، ويتشارك السكن مع فتيات غالباً ما يكن من جنسيات أجنبية أو عربية، وهو نموذج يمثل التحول الثقافي الأكثر حساسية في عمّان الحديثة.
 
هؤلاء غالباً يعملون في شركات تقنية ومنظمات دولية وبيئات عمل مختلطة، ويعيشون في مناطق محددة مثل اللويبدة وجبل عمّان والدوار الخامس والشميساني.
 
أرقام ذات دلالة
 
يشار إلى أن عدد الأسر في الأردن عام 2024 بلغ قرابة 3 ملايين أسرة بنسبة نمو تجاوزت 107 في المئة خلال عقد واحد فقط. ويُقدَّر متوسط حجم الأسرة بـ4.8 فرد حسب بيانات 2023، فيما ارتفع عدد الأفراد في الأسر الخاصة من 5 ملايين عام 2004 إلى 9 ملايين عام 2023.
 
وسجلت نسبة الإعالة الاقتصادية ارتفاعاً بالغاً لتصل إلى 315.9 في المئة عام 2023، مما يعني أن كل شخص عامل واحد يعيل ثلاثة أشخاص إضافيين. فيما تبلغ المشاركة الاقتصادية للنساء 4.8 في المئة فقط مقابل 54.7 في المئة للرجال.
 
وتشير تقديرات دائرة الإحصاءات العامة إلى أن خُمس سكان المملكة هم من فئة الشباب من الفئة العمرية بين 15 و24 سنة، من إجمال عدد سكان يُقدَّر بـ11.7 مليون نسمة حتى نهاية 2024. وتبلغ نسبة المتزوجين في هذه الفئة 4.6 في المئة مقابل 95.3 في المئة من العازبين.
 
وبلغ متوسط عمر الزواج في الأردن لعام 2024 نحو 32.5 سنة للذكور و27.5 سنة للإناث، وهو ما يضع الأردن ضمن أعلى معدلات التأخر في منطقة غرب آسيا.
 
وتشير الإحصاءات إلى وجود نحو مليون امرأة في عمر 35 سنة لم تتزوج بعد، وبلغ إجمال معدل البطالة في الأردن 21% عام 2024، في حين يرغب 48 في المئة من الشباب الأردني في الهجرة.
 
خارطة الانتشار الجغرافي
 
تتركز الظاهرة في مناطق يغلب عليها الطابع التحرري في العاصمة عمان والنسبة الكبرى من الأجانب والمغتربين العرب، وأبرزها جبل اللويبدة وشارع الرينبو، وهي مناطق تمتاز بطابع ليبرالي ووجود كثيف للأجانب والطلاب، مما يجعل اختلاط الجنسين في عمارة واحدة أمراً مألوفاً بصرياً.
 
كذلك تتركز في محيط الجامعات والأحياء حول الجامعة الأردنية وجامعة العلوم والتكنولوجيا حيث تغيب الرقابة الاجتماعية التقليدية.
 
ويقول باحثون اجتماعيون إنه يتم التحايل اجتماعياً بإخفاء هذه الظاهرة عن طريق تسجيل العقد باسم شخص واحد، وبإخفاء هوية الآخرين، واختيار شقق في أبنية ذات كثافة سكانية عالية من الأجانب والطلاب.
 
ويضيف هؤلاء أن هذه الظاهرة هي نتاج طبيعي لأزمات عدة أهمها أزمة البطالة البنيوية وأزمة كلف السكن والزواج وأزمة معدلات الإعالة وأزمة الفجوة بين التعليم وسوق العمل.
 
تتحدث المحامية والمتخصصة في الجريمة نور الحديد عن أن القانون يعطي المالك حق التصرف في ملكه، ولا يوجد قانون يمنع تأجير الشقة السكنية ما دامت الغاية ليست مخالفة للآداب أو النظام العام، تضيف "في حال وجود شبهات حول إزعاج أو مخالفة للآداب العامة في الشقق المؤجرة، يحق للجيران تقديم شكوى لدى الحاكم الإداري (المتصرف) لاتخاذ إجراءات فورية".
 
غطاء "المساكنة"
 
من جهته، يقول المتخصص في القانون أشرف الراعي إن هذه الظاهرة يروج لها عبر مواقع التواصل الاجتماعي على أنها حرية فردية، بينما يستلزم التعامل معها بحزم في إطار قوانين الجرائم الإلكترونية.
 
يضيف الراعي "المساكنة مفهوم مرفوض تقليدياً في المجتمعات العربية والإسلامية، ومنها الأردن، لما يمثله من تعد واضح على القيم الأسرية والدينية، وفي كثير من الأحيان، يجري الترويج لهذا النمط من العيش عبر وسائل التواصل الاجتماعي ليتحول إلى شكل من أشكال الإباحية المقنعة"، مما يؤدي إلى سلوكيات ومفاهيم وانحرافات أخلاقية واجتماعية، أو التشجيع على العلاقات غير الشرعية خارج إطار الزواج.
 
يشير الراعي إلى أن قانون الجرائم الإلكترونية الأردني حدد أطراً قانونية واضحة للتعامل مع الجرائم المتعلقة بالإباحية والترويج لها عبر الإنترنت، إذ جرم القانون "إرسال أو نشر أو عرض بيانات أو معلومات تتعلق بالإباحية"، حيث يعاقب مرتكبها بالحبس أو الغرامة، أو بالعقوبتين معاً.
 
وفي ما يتعلق بالترويج للمساكنة على أنها حرية فردية، فإن استخدام الإنترنت لنشر محتويات تحرض على العلاقات غير الشرعية أو تشجع على الإباحية المقنعة تحت أي غطاء، يعد انتهاكاً صريحاً لهذا القانون.
 
أما المحامي محمد الزعبي فيشير إلى أن الأعوام الأخيرة نشرت برامج تلفزيونية على قنوات فضائية، مدعومة أحياناً من اتفاقات دولية مثل "سيداو"، تدعو صراحة إلى المساكنة قبل الزواج وتسعى إلى تغيير المعايير الأخلاقية للمجتمع تحت شعار الحرية الشخصية وحقوق المرأة.
 
يضيف الزعبي "استخدام اتفاقات حقوقية كغطاء مثل ’سيداو‘ يعطي المحتوى طابعاً قانونياً أو حقوقياً، لكنه في الواقع أداة لتقويض القيم الأساسية للمجتمع، لأن انتشار المساكنة قبل الزواج يقلل من احترام الأسرة والالتزام الديني، ويضعف أسس التربية التقليدية ويؤدي إلى طمس الحدود بين ما هو مقبول وما هو مرفوض".
 
اغتراب ثقافي
 
يحلل أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الأردنية سري ناصر هذه الظاهرة بوصفها انعكاساً لحال من "الاغتراب الثقافي" والتحولات الجذرية في منظومة القيم لدى الجيل الجديد، ويرى أن نزوع فئة من الشباب نحو السكن المشترك لا ينفصل عن الرغبة في محاكاة النمط الغربي، كنوع من "التباهي الثقافي" أو التحرر من قيود الهوية المحلية.
 
لكنه يميّز بين النموذج الغربي المعلن وما يحدث في الأردن، واصفاً إياه بـ"المساكنة الهجينة"، فهي علاقات محاطة بالسرية والتخفي، تفتقر إلى الإشهار القانوني أو الاجتماعي، وتتم في "مناطق رمادية" بعيداً من أعين الرقابة، مما يجعلها حالاً من "العيش الموازي" الذي لا يعترف به المجتمع علناً لكنه يمارسه في الخفاء.
 
ويشير أستاذ علم الاجتماع إلى دور الإعلام الرقمي وبرامج "تلفزيون الواقع" في إعادة تشكيل الوعي الجمعي، بخاصة لدى جيل المراهقين والشباب. هذه البرامج عملت على "تطبيع" فكرة المساكنة وتحويلها من "تابو" اجتماعي إلى "نمط حياة" متاح ومقبول، مما خلق حالاً من "الرحابة الصدرية" تجاه ممارسات كانت حتى وقت قريب تصنف ضمن دائرة المحظورات القطعية.
 
ويربط ناصر بين تزايد معدلات الطلاق ونظرة الشباب السوداوية للزواج بوصفه "مؤسسة مأزومة" أو مشروعاً قابلاً للفشل. هذا الانطباع برأيه دفع بجيل الشباب نحو البحث عن بدائل توفر لهم الاحتياجات العاطفية والبيولوجية من دون تحمل "الأعباء المادية" المرهقة للزواج التقليدي.
 
وتمنح الطرفين حرية الانسحاب الفوري من دون تعقيدات قانونية (طلاق) أو تبعات اجتماعية قاسية، على رغم ما يؤدي إليه هذا النمط من العيش "غير المؤطر" من منزلقات اجتماعية خطرة.
 
وفيما يرى التيار المحافظ أن هذه الشقق هي "قنابل موقوتة" تهدد الأخلاق العامة، وتسهم في تفتيت الرقابة الأبوية، يجادل آخرون بأن منع السكن المشترك من دون توفير حلول إسكانية للشباب سيؤدي إلى تفاقم أزمات أخرى، منها تأخر الاستقلال المادي وزيادة الضغوط النفسية.
 
وتظل ظاهرة الشقق المشتركة في الأردن تعيش في المنطقة الرمادية، فهي واقع اقتصادي ملموس، لكنها "تابو" اجتماعي يُفضل كثيرون إنكاره. ومع استمرار الأزمات الاقتصادية يبدو أن جدران هذه الشقق ستستمر في التوسع، بانتظار تشريعات تنظم هذا النوع من السكن العصري، أو قبول اجتماعي يعترف بأن "الحاجة" قد تسبق أحياناً "العرف".