الغد
يديعوت أحرنوت
بقلم: نداف ايال
6/2/2026
عشتُ اللحظات الأخيرة من الانسحاب عام 2005 في كنيس السفارديم في نيفي ديكاليم، أحد آخر معاقل المستوطنين في غوش قطيف.
يتذكر الناس عادة من ذلك اليوم صلاة الفتيات في الكنيس المجاور (لحن "تفيلا لياني كي ياتوف"). لكن ما رأيته أمام عيني لم يكن مجرد احتجاج أو مقاومة جسدية، بل كان أيضا انقساما داخليا في حركة الاستيطان. كانت هناك لحظة لا تُنسى: عندما خاطب زفيكي بار حاي، أحد قادة مجلس "يشع"، الشباب المتحصنين وأعلن أنهم "سيظلون متمسكين بالكنيس"، لكن لا ينبغي رفع أي يد، ولا "رفع" أي قدم بأوامر من الحاخامات. انطلقت صافرات الاستيطان، وبدأ يصرخ في مكبر الصوت على الطلاب بأنه سيُخرج الجميع من المكان بنفسه، لأن "هذا ليس ملعب كرة قدم".
راقبتُ قادة المستوطنات المخضرمين، من حنان بورات إلى زامبيش، ورأيتُهم يحاولون إدارة الحدث بمسؤولية. لكن الشباب حاولوا جاهدين إيقافه. كان الانسحاب، والتهجير القسري، لحظة فارقة في تحوّل الأجيال: جيلٌ بأكمله أقسم ألا يتكرر هذا الأمر. لن يمرّ مرور الكرام. لقد ولّى زمن القوميين.
تذكّرتُ هذه اللحظة وأنا أطّلع على بيانات باحثين، البروفيسور سيفان هيرش هيبلر والبروفيسور جلعاد هيرشبيرغر من جامعة رايخمان.
أجرى الباحثان مسحا معمقا وشاملا بين المستوطنين في الضفة الغربية كجزء من عمل مجموعة "تمرور"، وهي مجموعة بحثية أكاديمية تُعنى بالصراع الإسرائيلي العربي، وتدرس، من بين أمور أخرى، مواقف المستوطنين في الضفة الغربية خلال السنوات الأخيرة. يُعد هذا المسح دقيقا للغاية، إذ شمل أكثر من ألف مستجيب، وهي عينة تمثيلية ضخمة قياسا بحجم السكان، حيث أُجريت مقابلات شخصية مع 700 منهم. لا يُمثل هذا المسح مواقف "المستوطنين خارج الخط الأخضر"، بل يُركز على فئة محددة منهم. لم تُجرَ عملية أخذ العينات في المجتمعات الحريدية خارج الخط الأخضر، أو في مستوطنات غور الأردن، أو في معاليه أدوميم، أو في المناطق الاستيطانية التي يُتوقع ضمها إلى إسرائيل في أي ترتيب دائم (مثل: ألفيه منشه). بمعنى آخر، لم يُجرَ المسح بين جميع المستوطنين، بل بين المستوطنين في مجتمعات أصغر حجما وأكثر توجها أيديولوجيا (وبالتالي أكثر ميلا إلى اليمين، في الأساس). قام الباحثان بتقسيم هذه المجتمعات إلى مجموعتين: الأولى تُعرّف سكانها - وفقا للمستجيبين أنفسهم - بـ"جودة الحياة"، والثانية تُعرّفهم بـ"الأيديولوجية". ولكن كما ذُكر، فإن هذا التقسيم يقع ضمن فئة سكانية تميل في الأصل إلى اليمين والأيديولوجيا. وتُعدّ مدينة أريئيل، التي شملتها الدراسة، استثناء مهما.
منذ 7 أكتوبر، ازداد تطرف الرأي العام اليهودي تجاه الصراع. وقد ازداد تطرف المستوطنين - الذين لا يستخدم الباحثان مصطلح "المستوطنين" تحديدا - بشكل ملحوظ. قبل هجوم حماس، كان نصف المستوطنين ذوي التوجهات الأيديولوجية يعارضون الإخلاء، حتى لو تم اتخاذ القرار في استفتاء شعبي (!) وبدعم من قرار حكومي. أما اليوم، فقد ارتفعت هذه النسبة إلى 65 في المائة. ويعتقد ربع المستوطنين من هذه المجموعة (بحسب الباحثين) أن "الحاخامات" وحدهم من يملكون صلاحية تحديد حدود الدولة.
ويقول 90 في المائة من المستوطنين الذين شملهم الاستطلاع إنهم لن يشاركوا في أي أعمال عنف ضد أي عملية إخلاء محتملة. لكن ربع المستطلَعين يقولون إنهم سيؤيدون من يعارضون بعنف إخلاء المستوطنات اليهودية؛ وهذا يُمثل ضعف عدد المتظاهرين العنيفين منذ 7 أكتوبر.
يقول البروفيسور هيرش هيبلر: "مع أن معظم المستوطنين يعارضون العنف في حال الإخلاء، إلا أن هناك زيادة ملحوظة في تأييد العنف مع مرور الوقت".
ويقول الباحثان: "بينما يميل الخطاب العام إلى تصوير العنف اليهودي ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية على أنه "أفعال غير مشروعة"، تُظهر البيانات أن نصف المستوطنين الذين شملتهم العينة يُضفون الشرعية على الأعمال غير القانونية والعنيفة".
هل تُفضّل حكومة منتخبة ديمقراطيا حتى لو كانت سياساتها غير مقبولة لديك؟ يُوافق على ذلك ما يزيد قليلا عن نصف المستوطنين في هذه المجتمعات - وهم، كما ذكرنا، المجتمعات الأصغر حجما والأكثر تمسكا بأيديولوجياتها - مقارنة بثلاثة أرباع الشعب اليهودي الإسرائيلي ككل. هذه فجوة كبيرة، تتجلى بوضوح مجددا حول قضية الحرم القدسي.
ففي المجتمع الإسرائيلي، بما في ذلك المجتمع اليهودي، تُعتبر المطالب بتغيير الوضع الراهن في الحرم القدسي حكرا على أقلية. إذ يعتقد 25 في المائة منهم بضرورة بناء كنيس يهودي على الحرم القدسي، وهو أحد المطالب الأساسية لمختلف حركات المطالبة بالهيكل.
ويعارض ستة من كل عشرة يهود إسرائيليين مشروع الكنيس، وهي فكرة تُعتبر خروجا عن السياسة الإسرائيلية منذ عام 1967، وتتعارض مع معظم الأحكام الحاخامية، وبالتأكيد مع أحكام الحاخامية الكبرى، وقد تُشعل فتيل الصراع في الشرق الأوسط.
أما خارج الخط الأخضر، فالوضع معكوس تماما. فبين المستوطنين ذوي التوجهات الأيديولوجية، يُؤيده 54 في المائة.