المواجهة الإيرانية الأميركية رهينة الحسابات السياسية... الحرب على طهران.. (القرار المؤجل)
الرأي - كامل إبراهيم -
قبل أقل من شهر من انتخابات التجديد النصفي الأميركية المقررة في 3 تشرين الثاني المقبل، يجد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه أمام معادلة معقدة، بين تعهداته بعدم مهاجمة إيران قبل الانتخابات، ومؤشرات متزايدة على استكمال وزارة الدفاع الأمريكية استعداداتها لعملية عسكرية واسعة النطاق.
وبين التأجيل التكتيكي واحتمالات التصعيد المفاجئ، تبدو واشنطن وتل أبيب أمام حسابات متشابكة، تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية مع المصالح السياسية والانتخابية.
وخلف الكواليس، تكشف التقديرات المتضاربة الصادرة من واشنطن وتل أبيب عن حالة من عدم اليقين بشأن توقيت أي هجوم محتمل على إيران وأهدافه.
ونقلت تقارير إعلامية عن مصدر إسرائيلي رفيع المستوى قوله إن الموقف الأمريكي يتغير باستمرار، إذ تتأرجح واشنطن بين الاستعداد للهجوم والتأكيد أن الضربة لن تحدث قبل انتخابات التجديد النصفي، الأمر الذي يجعل التخطيط للمرحلة المقبلة أمراً بالغ الصعوبة.
ووفقاً لما نشرته مجلة «أتلانتيك» وموقع «أكسيوس»، لم تتضمن التعليمات العسكرية الأميركية موعداً محدداً لتنفيذ الضربات، لكنها دعت القيادة المركزية الأميركية إلى استكمال الاستعدادات اللازمة.
وتشير تقارير أميركية وإسرائيلية إلى أن الخطط المحتملة قد تشمل حملة جوية وصاروخية مكثفة تستمر 3 أيام، وتستهدف منشآت الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، إلى جانب بنى تحتية للطاقة ومنشآت نووية.
وتأتي هذه الاستعدادات في وقت باتت فيه أي مواجهة عسكرية جديدة مرتبطة بصورة مباشرة بالحسابات الانتخابية الأميركية، إذ يمكن أن تتحول الحرب إلى عبء سياسي على الجمهوريين، خصوصاً إذا أدت إلى ارتفاع أسعار النفط والوقود وتفاقم تكاليف المعيشة.
ووفقاً لاستطلاع أجرته شبكة «سي إن إن» بالتعاون مع مؤسسة «إس إس آر إس»، قال أكثر من 70% من الناخبين في ولايتي أيوا وأوهايو إن سياسات ترامب أسهمت في زيادة تكاليف المعيشة.
كما أظهرت دراسة لمركز «بيو» للأبحاث أن 74% من الأمريكيين يشعرون بالقلق إزاء أسعار الوقود والطاقة، مقارنة بـ43% قبل الحرب، بحسب الأرقام الواردة في التقارير.
وتضع هذه المؤشرات البيت الأبيض أمام خيارين محفوفين بالمخاطر؛ فشن هجوم قبل الانتخابات قد يؤدي إلى ارتفاع جديد في أسعار النفط، ويعزز الانتقادات الموجهة إلى الإدارة بسبب الانخراط في حرب مكلفة، في حين أن الامتناع عن استخدام القوة قد يُفسَّر على أنه تراجع أمام طهران، ويمنحها مساحة لتعزيز موقفها التفاوضي.
في المقابل، تنطلق القيادة الإيرانية، وفقاً لتحليل أعده راز تسيمت، مدير برنامج إيران والمحور الشيعي في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، من تقدير مفاده أن كلفة مواصلة التصعيد قد تكون أقل من كلفة التراجع تحت الضغط.
وبحسب هذا التقدير، تتبنى طهران نهجاً يقوم على مواصلة المواجهة ورفع كلفتها على خصومها، انطلاقاً من اعتقادها أن الولايات المتحدة لا ترغب في الانجرار إلى حرب طويلة الأمد.
وفي هذا السياق، يبدو الموقف الإيراني التفاوضي أكثر تشدداً، مع ربط ملف مضيق هرمز بأي اتفاق شامل، وعدم الاكتفاء بمطالب رفع الحصار البحري مقابل إعادة فتح المضيق.
وتشير المعطيات الواردة في التقارير إلى أن طهران تطالب بتنفيذ الالتزامات الأمريكية المنصوص عليها في مذكرة التفاهم الموقعة في حزيران 2026، بما يشمل الإفراج عن الأموال المجمدة ورفع العقوبات، باعتبار ذلك شرطاً مسبقاً لفتح المضيق.
كما تسعى إيران إلى توسيع نطاق التفاهمات لتشمل وقف إطلاق النار على جبهات إقليمية أخرى، ولا سيما في لبنان وغزة، في محاولة لربط التهدئة الإقليمية بمصالحها الأمنية والاستراتيجية، وتعزيز قدرتها على الردع في مواجهة الضغوط الأمريكية والإسرائيلية.
وفي تطور يعكس حجم التباين داخل المعسكر الأميركي الإسرائيلي، كشف الكاتب الإسرائيلي بن كسبيت، في صحيفة «معاريف»، أن واشنطن طلبت من إسرائيل تنفيذ هجوم منفرد على إيران، بدلاً من أن تتولى القوات الأميركية العملية أو يشنها الطرفان بصورة مشتركة.
ووفقاً لكسبيت، أرادت الإدارة الأميركية أن تتحمل إسرائيل المخاطر السياسية والأمنية المترتبة على الهجوم، بدلاً من أن يتحملها ترامب قبيل انتخابات التجديد النصفي.
وبحسب ما أورده الصحفي باراك رافيد ونقله كسبيت، عارض رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير هذا التوجه، محذراً من أن هجوماً إسرائيلياً منفرداً قد يؤدي إلى تأجيل الانتخابات في إسرائيل.
وأمام هذه المخاوف، تراجعت واشنطن عن مطلبها في الوقت الراهن، ما يعكس حساسية توقيت المواجهة بالنسبة إلى الطرفين، وعدم اقتصار الخلافات على طبيعة العملية العسكرية وأهدافها.
ولا يزال موقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من هذه التطورات يكتنفه الغموض. ويشير كسبيت إلى أن جدول أعمال نتنياهو خلال الأسبوع الماضي اتسم بطابع أمني مكثف، تخللته اتصالات وزيارات وصفت بالحساسة، من دون أن تتضح بصورة كاملة طبيعة القرارات التي يجري بحثها أو مدى ارتباطها بخطط استئناف الحرب.
وفي ضوء هذه المعطيات، يرى محللون أميركيون وإسرائيليون أن احتمالات استئناف المواجهة قد ترتفع بعد انتخابات التجديد النصفي، خصوصاً إذا لم تنجح الجهود السياسية في معالجة الخلافات القائمة.
كما تبرز مخاوف في إسرائيل من أن يؤدي تغير موازين القوى داخل الكونغرس الأميركي إلى فرض قيود أكبر على قدرة الإدارة المقبلة على مواصلة العمليات العسكرية، ولا سيما إذا فقد الجمهوريون السيطرة على أحد مجلسي الكونغرس.
ومع ذلك، لا يعني تأجيل الهجوم بالضرورة تراجع احتمالات الحرب، بل قد يكون جزءاً من حسابات أوسع تتعلق بتوقيت استخدام القوة وكلفتها والنتائج المتوقعة منها. فبحسب تقدير تسيمت، كلما أخفق الضغط في تحقيق أهدافه، ازدادت احتمالات لجوء واشنطن إلى القوة مجدداً، في حين قد تجد طهران في مواصلة التصعيد وسيلة للخروج من المأزق وتحسين شروطها التفاوضية.
وتبقى التساؤلات قائمة بشأن قدرة جولة عسكرية جديدة على تحقيق الأهداف التي لم تتحقق في المواجهات السابقة، سواء ما يتعلق بتقييد البرنامج النووي الإيراني ومنع وصوله إلى إنتاج سلاح نووي، أو إضعاف قدرات إيران العسكرية وتقليص نفوذها الإقليمي.
كما يظل الهدف المتعلق بزعزعة استقرار النظام الإيراني موضع تساؤل، في ظل المخاطر التي قد تترتب على توسيع الحرب واحتمالات امتدادها إلى جبهات أخرى.
وفي ظل غياب أفق واضح لتسوية سياسية، تبدو المنطقة أقرب إلى هدنة مسلحة منها إلى سلام مستقر، فترامب يسعى إلى تجنب تداعيات اقتصادية وانتخابية قد تترتب على ارتفاع أسعار النفط قبل 3 تشرين الثاني، فيما تحاول إيران تفادي ضربة جديدة قد تستهدف منشآتها الحيوية وقدراتها العسكرية، مع الحفاظ على أوراق القوة التي تملكها.
وبين حسابات واشنطن الانتخابية واستعدادات تل أبيب العسكرية وتمسك طهران بشروطها، يستعد الطرفان لاحتمال جولة جديدة من المواجهة، من دون أن يعني ذلك أن قرار استئناف الحرب قد حُسم. وقد يشكل ما بعد الانتخابات نافذة أكثر ملاءمة للتحرك العسكري، إذا رأت الإدارة الأميركية أن كلفة الانتظار باتت أعلى من كلفة الهجوم، لكن أي تصعيد مفاجئ قد يبدد هذه الحسابات ويفرض توقيتاً مختلفاً.
وعليه، لا يتعلق السؤال فقط بموعد استئناف الحرب، قبل الانتخابات أم بعدها، بل أيضاً بمدى قدرة أي عملية عسكرية جديدة على تغيير المعادلة الاستراتيجية، أو أنها ستفتح فصلاً آخر من مواجهة مفتوحة يصعب التنبؤ بنهايتها.