Sunday 24th of May 2026 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    24-May-2026

الاستقلال في وعي الأطفال.. مسؤولية مجتمعية لصناعة جيل أكثر انتماء
الغد تغريد السعايدة -
 اليوم، وفي العام الثمانين للاحتفال الوطني بعيد الاستقلال الأردني، يقف الأردنيون يتذكرون مسيرة وطن قام على أكتاف أبنائه، شيبا وشبابا، ويتسابق أطفاله ليكونوا جزءا من هذا اليوم الذي يعزز في عقولهم فكرة "الوطن المستقل القوي الذي يحمي أحلامهم وطموحاتهم نحو مستقبل أكثر ازدهارا".
 
 يكتب الأردنيون اليوم كلمات الفخر والعزة بوطنهم المتماسك المترابط، الذي يقف خلف قيادته الهاشمية في مجابهة محيط وعالم مضطرب بأحداث متسارعة، تبث أخبارها عبر مختلف منصات التواصل الاجتماعي، ليكون الأطفال على اطلاع بكل تلك المجريات، حتى بات لديهم وعي وطني كبير يحتاج إلى الدعم وتعزيز مفاهيم الوطنية والانتماء للنهوض ببلدهم وحمايته.
مشاركة الصغار بالأهازيج الوطنية 
اليوم يحتفى بالوطن، وتردد أناشيده وأهازيجه الوطنية، حيث ينمو في قلب الطفل مع كل خطوة في حياته حب الوطن، وحفظ مناسباته الوطنية، والتفاخر بها، ليكون عيد الاستقلال اليوم "مناسبة وطنية يقف فيها أطفال الأردن ويافعوه جنبا إلى جنب في هذا الاحتفال الوطني".
 في البيوت والمدارس والجامعات، والشوارع والأحياء، يتوزع الأطفال بكل براءة في احتفالات منظمة داخل صفوفهم وبين كتبهم، يهتفون ويرتدون العلم مرسوما على ملابسهم، ويضعون "الشماغ" على أكتافهم بكل فرح؛ ذلك الشماغ الذي كان للجد والأب من قبل، ليصبح توارث حب الوطن والانتماء لدى الأطفال أمرا بديهيا، لكنه يحتاج أيضا إلى التعزيز المعنوي والثقافي.
 ويرى الخبير والمستشار التربوي الدكتور جميل الشقيرات، في حديثه لـ"الغد"، أن هذه الاحتفالات الوطنية التي تعيشها المملكة في كل مرة، وعلى رأسها ذكرى الاستقلال، تمثل مناسبة مهمة للجميع للتعبير عن حبهم لوطنهم، وتعظيم الإنجازات التي تحققت في مختلف محطات هذا الوطن ومسيرته المباركة، فهي ليست مجرد مناسبات عابرة، بل محطات وطنية نستحضر فيها قيم العزة والانتماء، ونستذكر الجهود التي بذلت لبناء الوطن والمحافظة على تقدمه واستقراره.
 مناسبة تربط الأطفال بوطنهم
ويضيف الشقيرات أن هذه المناسبات تعد أدوات تربوية فعالة تسهم في ربط وجدان أطفالنا بوطنهم، خاصة في ظل عالم افتراضي واسع بات يؤثر بشكل كبير على أفكارهم وسلوكهم واهتماماتهم، ومن هنا تأتي أهمية استثمار هذه المناسبات الوطنية في تعزيز الهوية الوطنية لدى الأجيال الجديدة، وترسيخ مشاعر الاعتزاز والانتماء في نفوسهم.
 ومن خلال هذه المناسبات، التي يجب علينا أن نعيش مظاهرها بكل فرح وفخر وطاقة ونظرة مستقبلية إيجابية نعكسها على أبنائنا، فإننا، وفق الشقيرات، نستطيع أن نربط أطفالنا وشبابنا ارتباطا عاطفيا ومعرفيا بوطنهم، وأن نعرفهم بتاريخ وطنهم وسيرته الوطنية، وما مر به من مراحل وإنجازات وتحديات، وصولا إلى الغاية الأهم، وهي غرس قيم الولاء والانتماء لديهم، وتعزيز شعورهم بالمسؤولية تجاه وطنهم ومجتمعهم.
 ويشدد الشقيرات على أنه، في مثل هذه المناسبات، علينا أن نمنح أطفالنا وشبابنا فرصة حقيقية للمشاركة في الفعاليات والأنشطة الوطنية المختلفة، حتى يتعرفوا على الجوانب المشرقة في وطننا، وتبرز أمامهم الشخصيات التي ساهمت في بناء هذا الوطن في المجالات السياسية والعلمية والرياضية والثقافية وغيرها، ليكونوا قدوة ملهمة لهم في مسيرة العطاء والعمل وبناء الوطن.
  دور الإعلام والأدب الموجه للأطفال 
وكما تمثل هذه المناسبات فرصة مهمة لنعلم أطفالنا وشبابنا أنهم الاستثمار الحقيقي للمستقبل، يعتقد الشقيرات أننا يجب أن نعزز لديهم فكرة أنهم "الأمل الذي نعول عليه في نهضة الوطن وتقدمه"، ولذا عليهم أن يتسلحوا بالعلم والمعرفة، وأن يمتلكوا القدرة على التعامل السليم مع وسائل التواصل الاجتماعي.
 كما يشدد الشقيرات على أهمية أن يدرك الأطفال واليافعون في وطننا كيف يمكنهم تسخير هذه الوسائل الاجتماعية المتاحة لديهم، لتكون أداة إيجابية تعزز حبهم للوطن.
 وفي الأردن، تقف جميع المؤسسات والهيئات الرسمية والأهلية والشعبية، والأسرة، والمجتمع، جنبا إلى جنب في حماية الأجيال من الانجراف خلف المعتقدات والأفكار السلبية التي يمكن أن تكون سببا في تشتيت فكر وتوجهات الأطفال من مختلف المراحل العمرية.
 لذا، لا يختلف اثنان على أهمية دور الإعلام والأدب الموجه للأطفال في مراحل حياتهم المختلفة، وإطلاعهم الواسع على الفنون الكتابية، وأهمية مشاركتهما في حمايتهم من هذا التشتت، وتعزيز الوازع الوطني والانتماء في نفوسهم، وهو ما يؤكده الكاتب في أدب الأطفال والإعلامي وصانع أفلام الكرتون الدكتور محمود أبو فروة الرجبي.
 سلوك يومي يترجم
بأفعال على أرض الواقع
وفي السياق ذاته، يؤكد الرجبي أن الأدب والإعلام يمتلكان دورا بالغ الأهمية في تشكيل طريقة التفكير والوجدان والعقل لدى الأطفال والفتيان، ولذلك يمكن توظيفهما بوصفهما أداة فعالة لترسيخ مفهوم الوطنية الحقيقية؛ فالوطنية ليست مجرد كلمات نرددها أو شعارات نرفعها، بل هي سلوك يومي يترجم إلى أفعال على أرض الواقع.
وهذا يعني، بحسب الرجبي، أن الإنسان عندما يكون متميزا وصالحا، ويحترم القانون والجيران والآخرين، ويحافظ على الوحدة الوطنية، ويرفض الانجرار وراء الفتن أو إعادة نشر الشائعات والتضليل، فإنه يمارس الوطنية بمعناها الحقيقي، ويتحول إلى قوة إيجابية تدفع وطنه نحو التقدم والازدهار.
ويضيف الرجبي أيضا أنه يمكن القول إن تقدم الدول لا يتحقق بالموارد وحدها، بل هو حصيلة مجموعة من العوامل، يأتي في مقدمتها المواطن الصالح المنتج والمتميز. وهذا ما يمنح القصص والأعمال الأدبية الموجهة للأطفال أهمية كبيرة، إذ يمكن من خلالها غرس هذه المفاهيم بصورة عميقة ومؤثرة.
العمل والإنجاز والإسهام في خدمة المجتمع
وهذا ما قام به الرجبي بالفعل، عندما كان سباقا في كتابة القصص ذات المحتوى والهدف الوطني، ومنها قصة أدرجت ضمن المنهاج الأردني، مخصصة لطلبة الصف الرابع، وتعالج هذا المفهوم بصورة مباشرة.
ومن ضمن القصص التي كتبها الرجبي، والتي تتناول الحديث بشكل مباشر عن الاستقلال، كما يبين، قصة نشرت في مجلة "وسام" التابعة لوزارة الثقافة بعنوان "في عيد الاستقلال". وتتناول القصة الطفلين وسام وجود، اللذين أرادا التعبير عن حبهما للأردن في عيد الاستقلال، لكنهما لم يتمكنا من شراء لافتة بسبب ارتفاع ثمنها.
عندها ابتكر وسام فكرة أجمل وأكثر عمقا، تمثلت في زراعة الأشجار، فبدأ الشقيقان بزراعة شجرتين، ثم انضم إليهما أطفال آخرون، في رسالة تؤكد أن حب الوطن لا يقتصر على الشعارات والكلمات، بل يظهر من خلال العمل والإنجاز والإسهام في تخضير الأرض وخدمة المجتمع.
قيمة الانتماء الحقيقي من خلال الأدب
ويتحدث الرجبي عن تجربته الشخصية في مجال الأدب الوطني، الذي يدمجه مع خبرته في مجال الإعلام، ويقول: "مثلما يفعل بقية زملائي من كتاب وأدباء الأطفال الأردنيين والعرب، فإنني أحاول أن أرسخ في أطفالنا قيمة الانتماء الحقيقي من خلال قصصي، لأننا في الأردن، وفي وطننا العربي الكبير، نستحق أن نعمل من أجل أوطاننا، وأن ننتج وننجز لنقدمها للآخرين في أجمل صورة، وهذا دور مهم جدا لكل إنسان".
ويؤكد الرجبي أن أهمية هذا الدور تزداد في ظل العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي الذي نعيشه اليوم، إذ لم يعد العالم مجرد "قرية صغيرة"، بل أصبح شاشة تنقل كل ما يحدث في العالم مباشرة إلى الطفل واليافع.
 ولم يعد تشكيل عقل الطفل ووجدانه محصورا في الأسرة أو المدرسة أو وسائل الإعلام المحلية، بل بات يتأثر بطوفان هائل من المعلومات والقيم والمحتويات القادمة من مختلف أنحاء العالم، وبعضها يحمل رسائل سلبية أو مضللة قد تؤثر في انتماء الأطفال والفتيان، بل وحتى الكبار.
علاقة قائمة على الانتماء والوفاء
وتكمن المشكلة في أن بعض المنصات الرقمية تعمل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على ترسيخ مفهوم الفردانية والمواطن العالمي الذي يقيس علاقته بوطنه بقدر ما يحصل عليه من امتيازات ومكاسب.
 وهذا، وفق الرجبي، يتعارض مع ما نؤمن به؛ فنحن كعرب وأردنيين ننظر إلى الوطنية بوصفها علاقة حب وانتماء لا ترتبط فقط بما نحصل عليه من الوطن، بل بما نقدمه نحن له.
وهنا يشبه الرجبي الوطن بـ"الأب والأم"، فنحن نحبهما كما هما، لأن العلاقة قائمة على الانتماء والوفاء لا على المنفعة فقط. وهذا المفهوم، للأسف، بدأ يتراجع في أماكن كثيرة من العالم تحت تأثير التحولات الرقمية والثقافية المعاصرة.
وحرصا من الرجبي على مواكبة هذه التطورات، فقد كان حاضرا ومؤثرا في العمل على "بناء محتوى إيجابي للأطفال كضرورة ملحة، سواء عبر الدراما الجادة، أو السينما الهادفة، أو المسرح، أو الأدب، أو حتى المناهج التعليمية"، مع الحاجة إلى الانتقال من عقلية الكلام إلى عقلية الفعل، خاصة فيما يتعلق بحب الوطن والانتماء إليه.
  المساهمة في بناء وجدان الطفل وتفكيره 
ويوجه الرجبي رسالته، كمختص في أدب الأطفال، إلى الحكومات والمؤسسات التعليمية الحاضنة للأطفال، مؤكدا أهمية تطوير المناهج المدرسية، ووضع مسارات آمنة لكل طفل يتعرض لهذه المحتويات الثقافية والفنية، مثل المسرح والسينما والأدب، إلى جانب دعم إنتاج محلي يسهم في بناء وجدان الطفل واتجاهاته وتفكيره بصورة إيجابية.
وفي ظل كل تلك المتغيرات الثقافية والاجتماعية التي تحيط بالأطفال من كل جانب، يبدي الرجبي تفاؤله الدائم بهذه الأجيال الجديدة؛ فرغم كل التحديات التي يعيشها الطفل اليوم، فإنه ما يزال قادرا على حب وطنه والاعتزاز به.
 وإن كانت هناك بعض الصعوبات والتحديات، إلا أننا قادرون على تجاوزها من خلال الوعي والعمل، وبناء الإنسان القادر على التمييز بين الحقيقة والتضليل، وعلى تحويل حبه لوطنه إلى سلوك وعطاء وإنجاز.
وتقول الأستاذة المشاركة في قسم علم الاجتماع في جامعة مؤتة، الدكتورة نسرين عبدالله البحري، إن يوم الاستقلال لا يعد مناسبة احتفالية عابرة، بقدر ما هو محطة وطنية تأسيسية تسهم في تشكيل الوعي الجمعي، خصوصا لدى الأطفال واليافعين الذين يشكلون نواة المستقبل وبناة الدولة في مراحلها القادمة.
مسار بناء ومسؤولية مستمرة
وتؤكد البحري أن إظهار أهمية هذا اليوم بكل تفاصيله لأطفالنا ليس ترفا تربويا، بل ضرورة وطنية تهدف إلى بناء عقلية واعية تدرك معنى أن يكون للوطن سيادة وقرار مستقل، ومؤسسات قادرة على حماية الإنسان وصون كرامته. فالاستقلال، في وعي الطفل، لا يجب أن يقتصر على الأعلام والأناشيد والمظاهر الاحتفالية، بل ينبغي أن يقدم له بوصفه قصة كفاح، ومسار بناء، ومسؤولية مستمرة.
وتبين البحري أننا عندما نغرس في نفوس الأطفال معنى أن يكون وطنهم مستقلا وقويا، ويمتلك مقومات الدولة الحديثة من أمن وتعليم وعدالة وتنمية، فإننا ننشئ جيلا يشعر بالانتماء الحقيقي لا الانتماء الشكلي.
وتزداد أهمية هذا الدور في ظل عالم مضطرب ومتقلب، تتشابك فيه الأزمات والصراعات، ويعيش فيه أطفالنا ضمن فضاء رقمي مفتوح، يتلقون من خلاله أفكارا وروايات متعددة، بعضها يشكك بالثوابت أو يعيد تشكيل المفاهيم الوطنية بمعزل عن السياقين التاريخي والاجتماعي.
الاستقلال ممارسة تبدأ بالوعي وتنتهي بالمواطنة الفاعلة
ومن هنا، تشير البحري أيضا إلى الدور الكبير الذي يقع على عاتق الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام في تقديم خطاب وطني متوازن، عقلاني ومقنع، يربط بين الماضي والحاضر، ويشعر الطفل بأن الاستقلال ليس حدثا منتهيا، بل ممارسة يومية تبدأ بالوعي وتنتهي بالمواطنة الفاعلة.
وفي الحديث عن تفاوت الدور المجتمعي والأسري والتربوي والثقافي §في تنشئة جيل منتم يعرف معنى وقيمة الاستقلال في يومه الاحتفالي هذا، تقول البحري إن الأطفال واليافعين هم جزء أصيل من المكون المجتمعي، والاستثمار في وعيهم الوطني هو استثمار في أمن الوطن واستقراره.
كما يشكل يوم الاستقلال فرصة ذهبية لفتح حوار مع الأجيال الصاعدة حول معنى الوطن، وحدود الحرية، وقيمة المسؤولية، ودور الفرد في حماية منجزات الدولة. وبهذا الوعي فقط نضمن أن يبقى الاستقلال حيا في العقول قبل أن يرفع في الساحات