الغد
هآرتس
بقلم: عدي حشمونائي
ما زال صدى الانفجارات يسمع عبر الحدود اللبنانية بعد ثلاث سنوات تقريبا، وقد نجحت تقريبا في حرف انتباه سكان المنطقة عن الحرب التي اندلعت هنا قبل عشرين سنة بالضبط، حرب لبنان الثانية. إيتسيك بن موحا (53 سنة)، رئيس لجنة موشاف زرعيت، الذي كان في حينها وما يزال عضوا في فرقة الطوارئ؛ حدثت تلك الحرب في 12 تموز 2006 بعد دقائق من بدء حزب الله بإطلاق النار واختطافه لجنديي الاحتياط إهود غولدفاسر وإلداد ريغف، وهو على بعد مسافة بضعة كيلومترات من بيته.
كلود إبراهيم، الذي كان مساعد القائد السابق لجيش لبنان الجنوبي أنطوان لحد؛ حدثت الحرب عندما كان يدير مطعم قائده السابق في تل أبيب، قبل ثلاث سنوات من انتقاله مع عائلته إلى كريات شمونة. "أثناء تلك الحرب كان مكتبي بمثابة مركز قيادة"، تذكّر. "جاء المراسلون والعسكريون وممثلو السفارات المختلفة إلى الجنرال لحد لسؤاله عن رأيه إذا ما كانت إسرائيل قد أخطأت بالانسحاب من لبنان، وعن الوضع في لبنان، وماذا عليها أن تفعل الآن. اندلعت الحرب بعد ست سنوات من الانسحاب – كانت لا تزال حاضرة بقوة. نزل والد ووالدة زوجتي أيضا من كريات شمونة وأقاما معنا لشهر تقريبا. لذلك عشنا الحرب لحظة بلحظة".
عندما بدأ الجيش الإسرائيلي بإقامة الجدار الإسمنتي لتعزيز العائق الحدودي بعد عقد تقريبا على انتهاء الحرب، كان هذا بمثابة تذكير لسكان القرى القريبة من الجدار بأن السلام الذي ساد لم يكن إلا وهما. لقد سعى أفنير إلياهو (69 سنة)، من مستوطنة شتولا قرب الجدار، والذي كان في حينه يشغل منصب رئيس لجنة الموشاف، إلى التغلب على الكآبة التي بثتها الجدران الرمادية التي كانت تحجب الرؤية عن السكان. أطلق إلياهو مشروعا للرسم على الجدار. غطى الفنانون الجدار الحدودي القريب من شتولا، ومكان اختطاف غولدفاسر وريغف القريب، مركز اندلاع الحرب، بلوحات فنية. أصبحت هذه المواقع بعد ذلك معلما سياحيا يعرف باسم "الجدران تتحدث".
"لقد بهتت اللوحات في مكان الاختطاف كثيرا منذ ذلك الحين، لكن روتين الحياة لن يعود إلى طبيعته إلى حين انسحاب الجيش من المنطقة. حتى اليوم، في شتولا، تشاهد باستمرار سيارات عسكرية تدخل إلى لبنان وتخرج منه – هذه ليست حياة طبيعية"، قال إلياهو الذي يجد صعوبة في فصل الصلة بين حروب الماضي والحاضر. "لكن مع كل الانتقادات الشديدة التي وجهت لحرب لبنان الثانية، فقد أعقبتها 17 سنة من الهدوء. من حيث النتائج خلقت سنوات من الهدوء التي خلالها أيضا ازدهر الجليل. وقد قال حسن نصر الله إن حزب الله ما كان ليختطف غولدفاسر وريغف لو أنه كان يعرف أن إسرائيل سترد بحرب. حزب الله كان مردوعا وانتعشت الزراعة والسياحة وتوافد الناس للعيش في الجليل حيث شهدت المستوطنات توسعا".
يقول الكثير من سكان خط المواجهة إنهم كانوا يعرفون أن الهدوء الطويل في أعقاب حرب لبنان الثانية لم يكن إلا مسألة وقت قبل اندلاع انفجار وجولة قتال أخرى. وقد وصف الكثير من السكان الذين انتقلوا إلى الشمال بعد حرب 2006 المنطقة بأنها "توسكانا إسرائيل".
كان الشعور السائد هو أن الهدوء سيسود هنا لسنوات كثيرة، وأن الحدود ستكون آمنة ومدارة بشكل جيد. ظهرت شركات ناشئة جديدة وتأسست أعمال تجارية وتطورت، وشهدت كفار جلعادي إقبالا كبيرا جدا على الحي الذي روجنا له – 180 عائلة سجلت للحصول على قطعة أرض من الخمسين قطعة أرض التي عرضناها، وذلك من دون أن نقوم حتى بالإعلان عن المشروع. كان الشعور بإهمال الضواحي موجودا أيضا في حينه. ولكنه نبع من البعد عن المركز، والنقص في القوة البشرية المؤهلة في الخدمات العامة، وليس من تخوفات أمنية".
خلافاً للافي، يتمتع أهارون فالنسي (85 سنة)، من كيبوتس كفار جلعادي، بنظرة شاملة أكثر على الحروب التي شهدتها المنطقة على الجبهة الشمالية. لقد شغل فالنسي منصب رئيس المجلس الإقليمي للجليل الأعلى في الأعوام 1991 – 2012، وعايش حرب لبنان الأولى والثانية أثناء فترة ولايته. وقال فالنسي: "مع كل الانتقادات الموجهة لحرب لبنان، إلا أنها كانت في نهاية المطاف الحرب التي جلبت أطول فترة سلام عرفها الشمال على الإطلاق. لقد جلبت سنوات السلام الـ 17 الازدهار للمنطقة. فقد ارتفعت نسبة السياحة 250 % وازدهرت الأعمال التجارية، وتم توسيع الشارع السريع 90 إلى مسارين في كل اتجاه، وتم افتتاح كلية طب في صفد، وأصبحت المطلة تشبه سويسرا، وبدأ السياح الذين كانوا يخشون المجيء إليها بالتوافد عليها، وأصبحت المنطقة فجأة وجهة مرغوبة للسكن. يوجد لي خمسة أولاد، جميعهم تركوا الكيبوتس. ولكن في سنوات السلام الـ 17 عاد اثنان منهم وقاما ببناء بيت في الكيبوتس، وعاد اثنان آخران إلى المنطقة وهما يعيشان في كيبوتس لهفوت هباشان وكيبوتس يسود همعاليه. بقيت واحدة فقط تعيش في منطقة الشارون. وقد نصحناها بعدم الانتقال لأننا نريد الذهاب إلى شاطئ البحر، لذلك نصحناها بعدم المجيء والبقاء هناك". فالنسي تابع بابتسامة: "لكن الحكومة الآن تطلق وعودا كبيرة بشأن الميزانيات، ولم يصل إلى المنطقة منها إلا القليل حتى الآن. في هذه الفترة فقد الناس الثقة بأن الحكومة تُعنى برفاه المواطنين".
ويضيف البروفيسور لافي أنه مع استمرار وجود الجيش الإسرائيلي في لبنان وعدم وضوح نهاية الحملة التي بدأت في تشرين الأول 2023، تعاني المنطقة من أزمة ديمغرافية، حيث أُغلقت العديد من الشركات، في حين تفكر الشركات التي نجت في خطواتها التالية. وقال: "في تشرين الأول (أكتوبر) 2023 انقلبت الأمور رأسا على عقب. كانت عملية إخلاء مؤلمة للجميع، وتم إغلاق الشركات لسنتين تقريبا، وحتى بعد عودتنا كان هناك بعض التفاؤل بأن السلام سيسود هنا لبضع سنوات جيدة. ولكن بعد سنة واحدة فقط اندلعت الحرب من جديد. الآن لا توجد شركات جديدة تفتح في المنطقة، والكثير من الشركات التي فتحت لم تعد موجودة بعد سنتين على عملية "زئير الأسد". في نهاية المطاف، يجب الإدراك بأن عدم اليقين الأمني هو أيضا حالة من عدم اليقين الاقتصادي. فعندما يغيب اليقين الأمني وتغيب سياسة حكومية واضحة في حالة وقوع حادث آخر، نصل إلى حالة من الشلل. والفرق الكبير بين 2006 و2026 هو القلق الكبير من استمرار الأزمة مع لبنان تقريبا لثلاث سنوات من دون أي ضمانة لإنهائها على المدى البعيد".
ينظر كلود إبراهيم الآن بحزن إلى كريات شمونة حيث يعيش، ولم يعد حوالي 40 % من سكانها، ويقول: "كان الكثير من السكان الذين عاشوا هنا ينتظرون معجزة تخرجهم من هذا الوضع. ثم تأتي الدولة وتقول: ساصنع لكم معجزة. اخرجوا، كلوا وعيشوا على نفقتي وانظروا كيف تسير الأمور خارج كريات شمونة. عاش الناس في الخارج مدة سنة ونصف – سنتين واكتشفوا أن الأمر ممكن، وان مستوى المعيشة هناك أعلى بكثير، لكن أنا أعتقد أنه ما زال بالإمكان تصحيح هذه الأخطاء وإعادة بناء المدينة".
يضيف إبراهيم: "لكن أنا دائما قلت إنه إذا لم نتوصل إلى اتفاق سلام مع لبنان فستندلع حرب لبنان ثالثة ورابعة وخامسة وسادسة. في النهاية، لم يعد حزب الله نفس التنظيم الذي كنا نخاف منه خلال عشرين سنة. الوضع تغير الآن بشكل جذري. فحكومة لبنان نفسها تعارض حزب الله وتعلن رغبتها في السلام مع إسرائيل. والشعب في لبنان يعبر عن معارضته لحزب الله".