Sunday 31st of August 2025 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    06-Aug-2025

صراع الإرادات داخل الاحتلال.. حسم يتأرجح بين نتنياهو والجيش
الغد - محمد الكيالي
 تتسارع وتيرة التوتر داخل دوائر الحكم في دولة الاحتلال على وقع تعمق الخلاف بين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ورئيس هيئة الأركان إيال زامير، في لحظة مفصلية من الحرب على قطاع غزة. 
 
وأفادت صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية بأن العلاقة بين الطرفين بلغت مستوى غير مسبوق من التصعيد، بعدما سرب مكتب نتنياهو معلومات عن احتمال اتخاذ قرار باجتياح شامل للقطاع واحتلاله بشكل كامل، في وقت تبدي فيه المؤسسة العسكرية رفضا قاطعا لهذا الخيار نظرا لتبعاته الميدانية والإستراتيجية.
ويعكس هذا الخلاف تباينا جوهريا في تقدير الواقع الميداني وتحديد سقف الأهداف الممكنة من العمليات العسكرية. فجيش الاحتلال يرى أنه بلغ حدود قدرته العملياتية في غزة ولا يجد مبررا لتوسيع الحرب، بل يدعو إلى استثمار ما تحقق سياسيا قبل الانزلاق إلى مغامرات ميدانية جديدة. 
في المقابل، يتمسك المستوى السياسي بقيادة نتنياهو، برؤية متشددة تعد أن تحقيق "نصر حاسم" يتطلب مواصلة القتال حتى تحقيق أهداف قصوى، من بينها استسلام حماس واستعادة الأسرى وفرض واقع جديد في غزة يخدم أجندات سياسية وأيديولوجية.
وكشفت التحليلات التي رافقت هذا التصعيد، أن الاحتلال الكامل لغزة لا يمثل تحديا عسكريا فحسب، بل يمس أيضا جوهر العقيدة القتالية للجيش الإسرائيلي، الذي يرفض التحول إلى جهاز إداري مدني في مناطق مأهولة ومعادية. 
كما أن قرارات الانسحاب الأخيرة لبعض الوحدات من القطاع وتقليص الخدمة الاحتياطية، تعكس إدراكا عسكريا بأن الظروف الحالية لا تسمح بشن حملة شاملة. 
وفي هذا السياق، يتعزز الانطباع بأن إعلان نتنياهو الأخير قد يكون مدفوعا بأسباب سياسية داخلية أكثر من كونه خيارا عسكريا مدروسا.
نتنياهو متعنت
في هذا الصدد، يرى رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية الدكتور خالد شنيكات أن الخلاف بين القيادتين السياسية والعسكرية في دولة الاحتلال يعود إلى تقييم متباين للواقع الميداني في قطاع غزة، حيث يعتمد الجيش على "الحقائق العملياتية" على الأرض التي تشمل حجم الخسائر مدى القدرة على تحقيق إنجازات إضافية والخسائر البشرية والمادية سواء في صفوف الجنود أو المدنيين.
وأوضح شنيكات أن قيادة الجيش، وعلى رأسها رئيس الأركان، تعارض استمرار العمليات العسكرية، وتعتقد أن الجيش الإسرائيلي بلغ ذروة ما يمكن إنجازه عسكريا. 
وتدعو هذه القيادة إلى ترجمة ما تحقق ميدانيا إلى مكاسب سياسية، من خلال صفقة تستثمر فيها نتائج الحرب بدلا من المضي في القتال.
وقال شنيكات: "في المقابل، يرى نتنياهو -المنتمي إلى التيار اليميني المتطرف- أن الحرب يجب أن تستمر حتى نهايتها بمعناها المطلق". 
وأضاف: "هو يربط تحقيق أهدافه الكبرى -كاستسلام حركة "حماس" واستعادة المحتجزين الإسرائيليين وإعادة احتلال القطاع وفرض مشاريع الاستيطان والتهجير، بانتصار عسكري حاسم ومؤكد، لا مجال فيه لحلول سياسية وسطية".
وأشار إلى أن بعض الشخصيات، مثل اللواء احتياط عاموس يدلين وزامير، بدأوا يدركون أن إعادة احتلال غزة باتت شبه مستحيلة في ظل التحديات العسكرية واللوجستية، خاصة بعد العمليات الأخيرة مثل عملية "عربات عجول" وما رافقها من نتائج محدودة.
وأضاف إن الانقسام داخل المؤسسة العسكرية بات واضحا، وإن استمرار الخلاف قد يؤدي إلى استقالة رئيس الأركان، ما يفتح المجال أمام نتنياهو لتعيين رئيس جديد أو تكليف قائم بالأعمال لإتمام ما تبقى من المهام، التي تبدو أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
ويرى شنيكات أن نتنياهو يسعى إلى تحقيق إنجاز شخصي، يخدم حلفاءه في اليمين المتطرف، ويعزز موقعه في وجه المعارضة التي تصفه بأنه مسؤول عن إخفاقات "يوم السابع من أكتوبر". 
ويأمل نتنياهو، بحسب شنيكات، بأن يؤدي "تركيع" حماس إلى فرض هيمنة إسرائيلية كاملة على الضفة الغربية وربما على مناطق أخرى مثل سورية.
وأشار إلى أن رؤية نتنياهو تقوم على مفهوم أيديولوجي يعد "النصر الساحق" نهاية للحرب، بحيث يمحى ما يسميه "العار" الذي لحق بدولة الاحتلال بعد عملية السابع من أكتوبر، وهي رؤية تبتعد عن الواقعية السياسية وتغرق في تطرف يستند إلى مفاهيم الإبادة والتدمير الشامل.
احتلال غزة يهدد العقيدة القتالية للجيش الصهيوني
بدوره، قال الخبير العسكري والإستراتيجي نضال أبو زيد، إن رفض المؤسسة العسكرية الإسرائيلية لخيار اجتياح قطاع غزة واحتلاله نابع من أسباب جوهرية تتعلق بطبيعة العقيدة القتالية للجيش، مشيرا إلى أن هذا السيناريو يعني فرض حكم عسكري مباشر على القطاع، وتحويل دور الجيش من القتال إلى إدارة الشؤون المدنية وتوزيع المساعدات وهو ما يرفضه رئيس الأركان الحالي إيال زامير، كما رفضه سلفه.
وأوضح أبو زيد أن هذا التحول يتطلب إعادة صياغة شاملة للعقيدة العسكرية وبنية الجيش التنظيمية، وهو أمر لا يحظى بقبول كبار الجنرالات، وعلى رأسهم هاليفي، الذي يدرك -كما غيره من القادة العسكريين- حجم التعقيدات والخسائر التي رافقت العمليات العسكرية السابقة، خصوصا خلال عملية "عربات جدعون" التي شكلت نقطة تحول في حسابات القيادة العسكرية.
وأشار إلى أن الجيش الإسرائيلي قام مؤخرا بسحب وحدات قتالية عدة من القطاع، من بينها فرقة المظليين 98، ولواءا الاحتياط 646 (مظليون) و179 (مدرع)، وهو ما يتعارض مع أي نية فعلية لشن عملية برية موسعة.
كما اتخذ الجيش، بحسب أبو زيد، خطوات إضافية تدل على التراجع، أبرزها تخفيض نسبة قوات الاحتياط إلى 30 %، ووقف تمديد الخدمة الإلزامية، ما يضعف الجاهزية لأي اجتياح واسع النطاق.
ولفت إلى أن زامير يدرك بأن القرار السياسي انفصل فعليا عن التقديرات العسكرية، وهو ما دفعه لطلب "توجيه سياسي واضح" بشأن الأهداف من أي عملية عسكرية جديدة، خصوصا مع التحول الواضح في الإستراتيجية، من القضاء على المقاومة وتحرير الأسرى، إلى هدف جديد يتمثل باحتلال القطاع كاملا، وهو ما يستلزم تغطية سياسية صريحة تمنع تحميل المؤسسة العسكرية وحدها مسؤولية أي فشل محتمل.
تضليل إعلامي
وذكّر أبو زيد بما واجهه رئيس الأركان السابق حين رفض إعلان عملية "عربات جدعون" كحملة شاملة، رغم ضغوط نتنياهو آنذاك، بسبب إدراكه لتبعاتها الميدانية وترجيحه أن هدفها الحقيقي كان سياسيا أكثر منه عسكريا، في محاولة لإنقاذ الحكومة الإسرائيلية من أزماتها الداخلية.
ورأى أن ما نشهده اليوم هو تكرار لنفس السيناريو، حيث تتعمق أزمة الثقة بين رئيس الأركان ونتنياهو، بل وتشمل أيضا دائرة أوسع من جنرالات الجيش ما يحد من اندفاعة القيادة السياسية نحو عملية برية كبرى.
وشدد أبو زيد على أن إعلان نتنياهو نيته احتلال غزة قد يكون مجرد محاولة لتوجيه الأنظار بعيدا عن تداعيات إقالة المستشارة القضائية للحكومة ورئيس مجلس الأمن القومي في الكنيست، إضافة إلى الخسائر الجسيمة التي تكبدها الجيش في العمليات السابقة، ما يضع هذا الإعلان في إطار "التضليل الإعلامي" لاحتواء الاحتجاجات الداخلية، وتهدئة الرأي العام والمعارضة.