Thursday 27th of August 2026 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    27-Aug-2026

جلسات تستعيد الذاكرة الشعبية وتضيء على الموروث الموسيقي والغنائي
الدستور - رنا حداد -
 
في السلط..المدينةٍ التي تختزن حجارتها وبيوتها القديمة وحكايات أهلها طبقات متعاقبة من الذاكرة، استعاد عدد من مثقفي مدينة السلط والمهتمين بالتراث الشعبي أصواتاً من الماضي، من خلال جلستين ثقافيتين خصصتا للتعريف بآلة الربابة وأهازيج التعاليل والترويدات الشعبية، والوقوف على مكانتها في الذاكرة الاجتماعية والثقافية لأبناء المدينة.
 
وضمن مشروع تنفذه «منظمة الأمل» للعمل في مدينة السلط، اقامت جمعية سيدات النهوض بالأسر الأردنية وجمعية ذوقان الحسين للثقافة والإبداع، وذلك في مقر جمعية ذوقان الحسين للثقافة والإبداع، جلستان حول راث آلة الربابة والاهازيج في مدينة السلط في المنشية، وفي مقر جمعية سيدات النهوض بالأسر الأردنية في قاعة مطعم القش التراثي.
 
وجاءت الفعالية التي قدمها كل من محمد رضوان الخرابشة، ومحمد عبدالخالق الخرابشة في سياق اهتمام متزايد بإحياء عناصر التراث الثقافي غير المادي، ليس بوصفها مكونات من الماضي فحسب، وإنما باعتبارها جزءاً من الذاكرة الحية للمجتمع، وما تحمله من قيم اجتماعية وفنية وتاريخية يمكن أن تنتقل إلى الأجيال الجديدة بصورة أكثر حضوراً ووعياً.
 
واحتلت آلة الربابة مساحة رئيسية في الجلسات، باعتبارها واحدة من الآلات الموسيقية الشعبية التي ارتبط حضورها بالمناسبات الاجتماعية وبالحكاية الشفوية والغناء الشعبي في البيئة الأردنية.
 
وتوقفت الجلسات عند أهمية الربابة في الموروث المحلي، وعلاقتها بالمناسبات التي كانت تجمع الناس، حيث لم تكن الموسيقى والغناء آنذاك منفصلين عن الحياة اليومية، بل جزءاً من طقوس اجتماعية تؤدي دوراً في التعبير عن الفرح والحزن والحنين، وترافق السهرات والتعاليل واللقاءات العائلية والاجتماعية.
 
كما تضمنت الجلسات عرضاً لآلة الربابة والتعريف بطبيعتها، إلى جانب تقديم نماذج من ألحانها والمناسبات التي ارتبطت بها، بما أتاح للحضور الاقتراب من الآلة ليس باعتبارها أداة موسيقية فحسب، وإنما باعتبارها وعاءً لذاكرة شعبية تراكمت عبر الزمن.
 
ولم تقتصر الجلسات على الربابة، بل امتدت إلى أهازيج التعاليل والترويدات الشعبية، التي شكلت في الماضي جزءاً مهماً من السهرات والمجالس الاجتماعية.
 
وتحمل هذه الأهازيج في كلماتها وألحانها صوراً من الحياة الاجتماعية، وتعبّر عن طبيعة العلاقات بين الناس، وعن الفرح والمناسبات والحنين والحب والانتماء للمكان. كما تكشف عن أساليب التعبير الشعبي التي اعتمدت على الارتجال أحياناً، وعلى الترديد الجماعي في أحيان أخرى، لتتحول الجلسة إلى مساحة للتواصل والمشاركة واستحضار الذكريات.
 
وفي مدينة السلط، التي تتميز بثراء نسيجها الاجتماعي والثقافي وتنوع روافدها التراثية، تبدو هذه الموروثات جزءاً من سردية أوسع عن المدينة وأهلها، وعن الطريقة التي كانت بها الأغنية الشعبية والموسيقى حاضرتين في تفاصيل الحياة ومناسباتها.
 
وأبرزت الجلسات أن الحفاظ على الموروث الموسيقي والغنائي لا يرتبط فقط بالحفاظ على آلة أو لحن أو كلمات أغنية، وإنما يتصل بصون الذاكرة الاجتماعية التي أنتجت هذه العناصر ومنحتها معناها.
 
فالربابة، على سبيل المثال، لا يمكن فصلها عن البيئة التي احتضنتها، ولا عن الأشخاص الذين عزفوا عليها، ولا عن المجالس التي صدحت فيها، كما أن الأهازيج لا تكتسب قيمتها من كلماتها وألحانها فقط، وإنما من المناسبات والطقوس والعلاقات الاجتماعية التي ارتبطت بها.
 
ومن هنا، اكتسبت الجلسات أهمية خاصة باعتبارها مساحة للحوار حول كيفية الحفاظ على هذا التراث، وتشجيع الأجيال الجديدة على التعرف إليه والاستماع إلى رواياته وفهم دلالاته، بعيداً عن التعامل معه باعتباره مادة متحفية جامدة.
 
أداء حي يعيد الأهازيج إلى فضائها الطبيعي
 
وشهدت الجلسات تفاعلاً لافتاً من المشاركين، ولا سيما مع تقديم أداء موسيقي حي على آلة الربابة، إلى جانب غناء عدد من الأهازيج والترويدات المستمدة من الموروث الأردني.
 
وقد منح الأداء الحي الفعالية بعداً مختلفاً، إذ لم يعد التراث موضوعاً للنقاش النظري، بل عاد إلى فضائه الطبيعي من خلال الصوت والموسيقى والمشاركة الجماعية. 
 
وتفاعل الحضور مع الألحان والأهازيج،  وأسهمت هذه المشاركة في التأكيد على أن الذاكرة الشعبية لا تزال حاضرة لدى أبناء المجتمع، وأن كثيراً من عناصرها يمكن استعادتها وإعادة تقديمها متى وجدت المساحة المناسبة لذلك.
 
وتناولت النقاشات بين الحضور أهمية توثيق الموروث الموسيقي والغنائي الشعبي، خصوصاً أن جانباً كبيراً منه انتقل عبر الرواية الشفوية من جيل إلى آخر، الأمر الذي يجعله عرضة للنسيان أو التغير مع مرور الوقت.
 
وأكد المشاركون أهمية إيجاد مساحات ثقافية تسمح لكبار السن وأصحاب المعرفة الشعبية بنقل ما لديهم من أغانٍ وألحان وحكايات إلى الأجيال الأصغر، بما يحافظ على استمرارية هذا الموروث ويمنحه فرصة للحضور في الحياة الثقافية المعاصرة.
 
كما طرحت الجلسات فكرة أن حماية التراث لا تعني تجميده، بل يمكن أن تكون من خلال تعريف الأجيال الجديدة به، وتعليمهم أصوله، وتشجيعهم على دراسته وتوثيقه وإعادة تقديمه بصورة تحافظ على جوهره وتفتح له آفاقاً جديدة.
 
وحضر الجلسات جمهور واسع من مثقفي الوسط الثقافي والنشطاء والمهتمين بالتراث في مدينة السلط، حيث شكل الحضور المتنوع فرصة للحوار حول مسؤولية المجتمع المحلي في حماية موروثه الثقافي.
 
وتأتي هذه الفعاليات في مدينة ترتبط صورتها الثقافية والاجتماعية بتراث غني، ليس فقط في العمارة والأزياء والعادات، وإنما أيضاً في الموسيقى والأغنية الشعبية والحكاية والمجالس التي شكلت على مدى عقود فضاءات لتناقل المعرفة والقصص والقيم.