Saturday 10th of October 2026 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    10-Oct-2026

قانون الجرائم الالكترونية وتوهم صناعة نهاية التاريخ وايقاف حركته| د. عبدالحكيم الحسبان
جو 24-
 
- أقود سيارتي على طرق البلاد منذ أزيد من 22 عاما ، لم تنجح فيها كل دوريات المرور التي تحضر بكثافة على الطرق، كما كل تلك الممارسات الخاطئة بل والجنونية أحيانا لسائقي المركبات في بلادنا، كما الحال المزري تقنيا لمعظم طرق البلاد، لم تنجح كلها في أن تجعلني ارتكب مخالفة سير واحدة. ما جعلني اذهب كل عام لدائرة المرور لتجديد رخصة قيادة مركبتي وأنا كما مركبتي رافعي الرأس.
 
وأعمل منذ اكثر من 26 عاما في التدريس بين الطلبة وبين الزملاء ولكن لم يحصل قط أن سجلت بحقي أي مخالفة ادارية أو مالية أو اكاديمية ولو حتى من مستوى لفت نظر. وحده فقط "قانون" "الجرائم" الاكترونية الأردني سجل معي النجاح الذي لم تستطع كل تلك الفوانين في البلاد في أن تفعله بموقعي وبصفتي وبتوصيفي.
 
فقبل عدة سنوات ولانني أمارس فعل الكتابة بالشأن العام وبرغم كتاباتي عدة مقالات عن ذلك الفرق الشاسع بين أن تكتب لتنتقد وتنقد وبين أن تشتم وتحقر وتذم وتشهر واذ دأبت على القول أن الكتابة حينما تتناول الشخص وحياته ومعتقده وعائلته وعشيرته وطائفته، تكون حتما هي من باب الشتيمة والقدح والتشهير، في حين أن محاكمة السياسات والاجراءات هي فعل راق ينتمي للنقد وينتمي لنقد الافكار والسياسات لا نقد االحيوات والهويات . برغم هذا ، فقد وجدتني قبل عدة سنوات أعيش تجربة المثول أمام القضاء ، وان احاكم باعتباري مجرما الكترونيا محتملا واما السبب فهو نشر مقال في الشأن العام.
 
وعلى مدى عامين بالتمام والكمال كان علي أن أخوض نضالا متواصلا كي أزيل صفة الاتهام بالاجرام الاكتروني واذ التهمة لا تتعلق بابتزاز مالي او دعم نشاط ارهابي. ولكني اكتسبت صفة الاتهام بالاجرام لانني دأبت على الكتابة عن التعليم والجامعة وعن المال العام. وكان علي أن انفق ما يصل إلى اربعة الاف دينار كما كان على سيادة القاضي وجهاز المحكمة الموقر ان يعمل الساعات الطوال كي يعيد اكتشاف أنني انسان بريء وغير مجرم كما أراد قانون الجرائم الالكترونية لي أن اكون.
 
وقبل ايام وجدتني ابذل جهودا على مدى أيام لاعيش التجربة ذاتها مع القانون ذاته ولكن دفاعا عن حق شقيقتي في الكتابة في التعبيردفاعا عن حق المرأة في الحياة بعد أن شعرت بالصدمة وهي تشاهد من تظهر على شاشة التلفزة في البلاد وتحمل شهادة في الحقوق وهي تدافع عن فكرة القتل خارج القانون وتحت يافطة خادعة ومضللة ومعيبة اسمها "جرائم الشرف".
 
وبالاستطراد في الحديث عن الوقائع على الارض، فقبل أيام كانت واقعة سجن السيدة الاردنية الحشوش التي تتبنى موقفا وطنيا يدافع عن حقوق المزارعين في التملك في وفي المحافظة على وسائل عيشهم ورزقهم، لتثير الكثير من الغضب والاسى في نفوس معظم الاردنيين. وقبل أيام كتب الاستاذ أحمد أبو غنيمة على موقع جو 24 الموقر ليسجل أن كثيرا من شخصيات البلاد وكتابها ومثقفيها باتوا يميلون للصمت وعدم الحديث وعدم الكتابة ما يحرم البلاد من وجهة نظره من صوت ومن موقف تحتاجه البلاد في أكثر مراحل تاريخها دقة وحساسية. والحال فان ملاحظة السيد ابو غنيمة تستحق الثناء وهي بالفعل تصف الحال الذي اعيشه منذ فترة واذ صرت أميل أكثر واكثر نحو السكوت والتزام الصمت ليس من باب الرضى على واقع الحال وليس من باب الاستسلام مطلقا لمن شرع وشرعن وصاغ ونفذ ما يسمى بقانون الجرائم الالكترونية.
 
وبالتوازي مع كل الوقائع السابقة ثمة وقائع كثيرة وأسماء كثيرة تردد اسمها وكان محور الحدث والحديث عنها هو ذلك القانون المسمى بقانون الجرائم الالكترونية واذ صار القانون وما يصدر وفقه من استدعاءات واحالات للقضاء وتوقيقات هو في القلب من صناعة الخبر والحدث في البلاد على حساب اخبار افتتاح المصانع الجديدة وشق الطرق والجسور الحديثة وتشييد المستشقيات والجامعات الريادية وخلق الوظائف وفرص العمل المليونية. فقانون الجرائم الالكترونية كما نشاط الجهات المناط بها تطبيقه باتت الاكثر نشاطا في مقابل جيوش علماء الاقتصاد والطب والثقافة والفكر التي تكتنز بهم البلاد وصاروا يعانون قلة العمل والنشاط والحركة.
 
ولان قانون الجرائم الاكترونية والقصص المتعلقة باستخدامه صارت في موقع الصدارة داخل الخطاب الاجتماعي الاردني واذ يعحز الاردنيون عن تعداد عشرة او خمسة عشر قانونا من القوانين التي تسود في البلاد، فان ما من أردني الا ويستحضر لفظة قانون الجرائم الالكترونية بعد ان بات القانون الاكثر شهرة والاكثر ترديدا لاسمه. ولان الحال بات على هذا النحو، فان القانون اياه صار أيضا مصدرا رئيسا لتداول اسم الاردن على صعيد المنظمات الدولية والجهات الحقوقية الدولية كما العديد من الجهات الاعلامية واذ بات القانون كما كثير من تفاصيل وحيثيات تطبيقه تضع الاردن في ذيل قائمة دول العالم على صعيد حرية التعبير والحريات العامة.
 
قبل عقود وفي ذروة ما اعتقد انه صعود تاريخي للنموذج الامريكي الغربي النيوليبرالي أثر سقوط الاتحاد السوفييتي وهدم جدار برلين جرى نحت تعبير "نهاية التاريخ " من قبل بعض المفكرين المنتشين بانتصارات تلك اللحظة التاريخية. ليقولوا لنا أن التاريخ البشري الذي ما فتأ يتحرك ويتغير ويتحول وينقلب ويثور ويتبدل قد وصل ألى لحظته النهائية وشكله الاخير واذ سيستقر التاريخ الانساني ولاخر الزمن على هذا التشكيل التاريخي الغربي النيوليبرالي. فالبشرية التي ما فتأ تاريخها يتحول ويتغير من بدائي وعبودي واقطاعي وشمولي فردي وشمولي حزبي وغيرها وغيرها، قد وصلت إلى الشكل الاكثر نجاحا والاكثر مثالية والاكثر تعبيرا عن الوجود الانساني والذي سوف يستقر التاريخ الانساني عليه وللابد. نهاية التاريخ تعني أن التاريخ لن يتحرك وسوف يستقر وبات بالامكان دفن مقولة دوام الحال من المحال.
 
بعد سنوات من سن قانون" الجرائم الالكترونية" والعمل به صار من الممكن رؤية الاثر والتأثير كما النتائج والتداعيات التي تركها ويتركها وسيتركها القانون، وأجدني وقد استحضرت مقولة نهاية التاريخ التي لطالما حلم بها كل من اراد لمشروعه الفكري والسياسي والايديولوحي أن ينتصر ليسود. فمن سن وشرعن وروج لقانون الجرائم الالكترونية كان في خلده أن يصل من خلال هذا القانون إلى نهاية للتاريخ في البلاد يكون الخطاب العام فيها كما الكلمة قد تم ضبطهما وتشكيلهما بالمقدار وبالكم الذي يريده ويتمناه كل من فكر ومن صاغ القانون وكي تصبح كل المنطوقات والكلمات والخطابات التي ينتجها، ويفكر بها، ومن خلالها 11 مليون أردني هي بالمقدار وبالشكل وبالاتجاه الذي يريده من وضعوا القانون وشرعنوه. وكما كل الصراعات التي شهدها وما زال يشهدها التاريخ الانساني فان الصراع على الخطاب هي في موقع القلب من الصراعات داخل الدول وفيما بينها.
 
والحال، فان الوقائع على الارض تقول بما هو على النقيض مما تمناه مريدو وضع نهاية للتاريخ، كما تقول بأن الرياح تجري بعكس ما تشتهيه سفن من اعتقدوا بقدرتهم على تجميد حركة التاريخ، واذ تقول الوقائع لهم أن تثبيت حركة التاريخ هي وهم وتوهم في المخيلات باكثر مما هو حقائق ووقائع على الارض. فالوقائع على الارض تقول أن من قيل ان القانون استهدفهم ممن يشتمون ويسبون ويهينون ويشهرون قد زاد نشاطهم وفي كل يوم تكثر القضايا في المحاكم . ولان الفضاء الالكتروني هو الاكثر عولمة فقد تضاعفت الشتائم وما يعتبره القانون جرائم الكترونية.
 
فمن وضع قانونا خلق مناخا من الخوف والرعب والتخويف للاردنيين اعتقد انه به سيتمكن من السيطرة على خطاب الاردنيين وسردياتهم واحاديثهم، وجد نفسه أما سيول جارفة من التعبيرات القادمة من الخارج. وكان من نتائج القانون أنه ضيق على الداخل ولكنه لم يدرك أن الداخل الاردني هو جزء من العالم وأننا لسنا أمام دولة تملك وسائل انتاج عزلتها كما تفعل الصين أو كوريا الشمالية. فما فعله القانون هو أنه أخاف الداخل مما سمح للخارج بالانتعاش والنمو. وما لا يمكن للاردنيين ان يشاهدوه او يعلقون عليه في الداخل صار يمكن مشاهدته بالتوجه للخارج من خلال الفضاء الالكتروني الخارجي.
 
وأما الامر الاكثر اثارة للحزن، فهو أن القانون الذي يخيف الداخل نجح فعلا في اخافة الشرائخ الاكثر تعليما والاكثر ثقافة وهي بالتالي الاكثر اندماجا مع الدولة والنظام والقانون حتى وان كانت تمارس فعل المعارضة السياسية. ولكن هذا القانون لم يخف أبدا تلك الشرائح الاقل تعليما وتفكيرا مما جعل المشهد حزينا اذ يغيب عنه المثقفون والكتاب والمتعلمون بعد أن صمتوا، ولتنتعش فيه اصوات من هم اكثر سوقية واقل تعليما وثقافة وتفكيرا.
 
وأما ما هو أخطر على هذا الصعيد فهو أن هذا القانون الذي يخرس عناصر الداخل الاكثر تعليما وتفكيرا وفي ظل انفتاح الفضاء الالكتروني يجعل الاردنيين اكثر عرضة وهو يقدمهم لقمة سائغة للخطاب الاردني والعربي والدولي المعارض الذي يقبع خارج البلاد. فاخراس الداخل لا يعني أن الاردني سوف يتوقف عن الحديث أو المشاهدة او الاستماع او تشارك المحتوى الالكتروني ولكنه سوف يتوجه للخارج كي يعبر أو كي يسمع المحتوى الاعلامي. وهنا سيكون سقف المعارضة والنقد القادم من خارج البلاد اكثر علوا وصخبا بل وعنفا. فالمعادلة المنطقية تقول أن صوت المعارضة الداخلي مهما علا فان سقفه سيكون اقل بكثير من اي صوت معارض ينطلق من الخارج.
 
ولعل من المبكيات المضحكات في تأثير هذا القانون . ان القانون جاء كي يحد من الخطاب المعارض وبما يعطي مساحة اكبر للصوت المادح أو المؤيد ولكنه وبدلا من أن يخلق هذا الواقع، فان خنق صوت الداخل ذي النكهة المعارضة من خلال هذا القانون انعش في خطاب الاردنيين لقظة طبيل أو "سحيج" واذ صار كل من يكتب داعما لاداء السلطة والحكومة بمثابة سحيج ولم يعد ما يكتبه يحاكم على انه فكر يستحق التوقف عنده. ففي اجواء خنق من يملك وجهة نظر نقدية يصبح كل فعل مناقض لا ينظر اليه على انه وجهة نظر اخرى او موقف سياسي اخر، بل صار ينظر اليه على انه تسحيج وتطبيل وتزمير. ما يعني أن هذا القانون وبدلا من ان يخنق الصوت المعارض فانه لم يخنقه بل زاده قوة من خلال الخارج، وبدلا من ان ينعش الخطاب الموالي فانه خنقه ووضعه في موقف الدفاع بعد ان وصمه كثير من الاردنيين بانه تسحيج وتطبيل. فحين يرى الناس ان النقد مسموح فانهم سيرون المديح على انه مديح ولن يسمونه مطلقا بالتسحيج.
 
يمكن الاسترسال كثيرا في التبعات الكارثية لهذا القانون على المشروع الوطني وعلى مشروع بناء الدولة ولكني ساختم بالعودة للحديث عن وهم صناعة التاريخ الذي كمن وراء سن هذا القانون. فالوقائع على الارض تقول ان القانون لم ينتج صمتا في البلاد، بل ان الصمت هو حالة متخيلة وليست حالة معاشة. وهو حال متخيلة من نتاج نخب في مواقع سلطوية مختلفة تعتقد انها انتجت قصة نجاح وانها نجحت في تثبيت حركة التاريخ وفق مقاساتها. وأما الوقائع على الارض في البلاد، فانها تقول لمن يملك العقل العلمي البارد أن البلاد كما كل الاقليم تضج بالحركة والحراك والتحركات والانفعالات التي تنبئ بتحولات وتغيرات بتنا منها قاب قوسين أو أدنى.