الغد
جيمس مور - (الإندبندنت) 2026/5/11
ربما يزعم سام ألتمان أن الشركات تستخدم الذكاء الاصطناعي ذريعة لتبرير موجة من تسريحات العمال، غير أن القلق المتزايد من تأثير هذه التكنولوجيا في مستقبل الوظائف أنهى أيضا موجة ترك العمل، ودفع كثيرين إلى التمسك بوظائفهم وتعزيز مدخراتهم. ففي ظل مستقبل مهني ضبابي وتغير متسارع في قواعد سوق العمل، بات بعض العاملين يراهنون على الادخار المكثف استعدادا لتحول مهني مستقبلي يضمن لهم قدرا أكبر من الاستقرار والأمان.
سوف تجد الخوف من أن الذكاء الاصطناعي قادم لانتزاع مصادر رزقنا حاضرا أينما نظرت. وأعتقد أنه السبب وراء قرار كثيرين الآن التمسك بوظائف لا يحبونها، والإحجام عن اتخاذ أي خطوات مباغتة نحو باب المغادرة.
في الواقع، بات واضحا أن عهد "الاستقالات الكبرى" قد ولى -تلك الطفرة من "الانسحابات الهادئة"، سواء من أولئك الذين يكتفون بالحد الأدنى المطلوب في المهمات الوظيفية أو الاستقالات الفعلية التي تفجرت إبان جائحة كورونا. وثمة رسم بياني دال على موقع "ستاتيستا"، المتخصص في البيانات، يرصد الذين يبدلون وظائفهم -الذين يتركون صاحب عملهم الحالي للالتحاق بآخر. ويبين الرسم أنه في ذروة ما عرف بموجة "الاستقالات الكبرى"، حين بلغت الاستقالات أوجها في الربع الثاني من العام 2022، قارب عدد هؤلاء 450 ألف شخص. ثم في تشرين الثاني (نوفمبر) 2022، أتيح روبوت الدردشة "تشات جي بي تي" للعامة. وبحلول الربع الأخير من العام 2025، هبط هذا الرقم إلى أقل من النصف ليصل إلى 205 آلاف فقط.
معلوم أن الناس يميلون بطبيعتهم إلى البقاء في وظائفهم عندما يقلقون بشأن فقدانها. فتغيير جهة العمل ينطوي على مخاطرة، لا سيما إذا كنتَ تبلي بلاء حسنا في عملك الحالي وتشعر تجاهه برضا معقول.
وإذا ما بدأت مقصلة التسريحات تنهال على الموظفين، سواء نتيجة للذكاء الاصطناعي أم غيره، فمن المرجح أن تسود القاعدة أيضا: آخر من دخل الوظيفة هو أول من يتعرض للطرد، أليس كذلك؟ لذا، من الأفضل أن تلزم مكانك وتتشبث بوظيفتك جيدا. كنتُ شخصيا قد استقلت أربع مرات. وفي واحدة منها لم أكن أملك أي وظيفة بديلة، ولا أظن أنني كنتُ استثناء في هذه المسألة، فقد ماتت فكرة "وظيفة لمدى الحياة" منذ زمن بعيد.
الحقيقة أن تأثير الذكاء الاصطناعي في أماكن العمل ما يزال غير واضح حتى الآن. في بعض الحالات، يثبت أنه مفيد بالفعل إلى حد ما. وقد أدى دورا في هذه المقالة، إذ ساعدني في بعض الأرقام التي استخدمتها. ويمكن أن يحقق فائدة كبيرة في مهن مثل الشرطة أو التمريض، إذ يخفف عن كاهل العاملين في الخطوط الأمامية كثيرا من الأعباء الإدارية الرتيبة والمملة، إن لم نقل المزعجة فعليا.
ولكن في "وادي السيليكون" وغيره من مراكز الابتكار التقني مثل لندن أو كامبريدج، حيث يتقاضى المبرمجون رواتب مرتفعة من ستة أرقام، إلى جانب مزايا وظيفية سخية للغاية، يبدو هذا الخوف حقيقيا ومنطقيا تماما. فالذكاء الاصطناعي قادر على البرمجة بسرعة تتخطى أي قدرة بشرية. وهذا الذعر آخذ في التفشي عبر القطاعات كافة. وهذا الأسبوع، صرح سام ألتمان، الرئيس التنفيذي المثير للجدل لشركة "أوبن. إي. آي"، أن بعض الشركات "تتذرع بالذكاء الاصطناعي" لتحميله مسؤولية تسريحات لا علاقة له بها. ولكنه يقر في الوقت ذاته بأن الأمور ربما تزداد سوءا عما قريب.
من جانبها، تناولت صحيفة "نيويورك تايمز" هذا الأسبوع مخاوف تسود "وادي السيليكون" -بعضها مبالغ فيها، وبعضها الآخر ذو طابع مصلحي، ولكنها تبقى حقيقية- من أن الذكاء الاصطناعي سيخلق "طبقة دائمة من العاطلين" عن العمل، مما قد يقود إلى كارثة في سوق العمل. ويرى بعض المحللين، من بينهم الخبير الاقتصادي أنتون كورينيك من "جامعة فيرجينيا" و"معهد أنثروبيك"، أنه ليست هناك وظيفة بشرية محصنة ضد هذا التغيير على المدى البعيد.
يبدو أن بعض الناس يتبنون فكرة أن الخيار الأفضل هو التحصن والاستعداد لمواجهة الظروف الصعبة، من خلال تكديس أكبر قدر من المال، ما دام ذلك ممكنا، كي يتمكنوا، عندما تقع الضربة، من افتتاح ذلك النزل الريفي الفاخر في مكان ما عبر نيو إنغلاند في الولايات المتحدة. أين سيكون، في أيداهو أم في وايومنغ؟ وفي المملكة المتحدة، ربما في كوتسوولدز أو منطقة البحيرات. أنا أسميهم "المستقيلون الخارقون" Super Quitters. ويعمل هؤلاء الأشخاص على بناء ثرواتهم الآن لأنهم يعتقدون أن أمامنا نافذة زمنية محدودة لجمع الثروة قبل أن يصبح الذكاء الاصطناعي والروبوتات متطورين بما يكفي للحلول محل العمل البشري بالكامل. صحيح أنه تعبير محدود الانتشار، ولكنه بدأ يأخذ طابعا واسع التداول على الإنترنت لوصف هذه النظرية. وهو آخذ في الاتساع، حتى بين الناس العاديين مثلنا.
تتناول أخبار عالم المال بصورة متكررة عدد البريطانيين الذين تقل مدخراتهم عن ألف جنيه استرليني (نحو اثنين من كل خمسة أشخاص، لمن يحب الأرقام المخيفة)، إلا أن عددا كبيرا ممن يعيشون نقيض هذه الحال لا يحظى بالقدر نفسه من التغطية الإعلامية.
تظهر الأرقام الرسمية أن 2.7 مليون شخص لديهم ما بين 50 ألفا و100 ألف جنيه استرليني في مدخراتهم. وقد بلغ عدد حسابات الادخار الفردية المعفاة من الضرائب "آيزا" ISA نحو 15 مليون حساب خلال الفترة ما بين 2023 و2024، في رقم يكاد يكون قياسيا ويمثل ارتفاعا حادا مقارنة بـ12.4 مليون في الفترة ما بين 2022 و2023، التي تجاوزت بدورها بفارق واضح الـ11.7 مليون المسجلة في العام الذي سبقه.
تبقى حسابات الادخار النقدية، "آيزا"، هي الأكثر شعبية بفارق واسع، ولكن حسابات الأسهم والاستثمارات سجلت رقما قياسيا بلغ 4.1 مليون حساب في العام المذكور، في تطور إيجابي ومشجع للغاية. فهناك تكمن العوائد، وهناك تذهب أموالي الفائضة.
أما "المدخرون الخارقون" (اعتراف واجب: أنا واحد هؤلا، وغالبيتهم بعمر يفوق 55 سنة، وأنا على أعتابها)، فلديهم القدرة، إذا دعت الحاجة، على ترك وظائفهم والبحث عن مسارات مهنية جديدة يفترض أنها أقل تأثرا بالذكاء الاصطناعي.
كتبت لوتي جيفز، المحررة السابقة في مجلة "إيلي" Elle، أخيرا في صحيفة "الإندبندنت" عن تجربتها في العودة إلى الجامعة للتدرب على العمل كمعالجة نفسية، في إطار ما سمته "إعادة التعليم الكبرى". نعم، حتى في هذا المجال بدأ الناس يلجأون إلى البوتات (الروبوتات) أيضا، لكنني أظن أن معظمهم ما يزال يفضل اللمسة الإنسانية.
إذا كانت النتيجة النهائية لاكتساب عادة الادخار تتمثل في تغيير المسار المهني في منتصف العمر للتفوق على "البوتات"، فمن الصعب العثور على دافع أفضل لتكديس المال ووضعه جانبا.
*جيمس مور James Moore: صحفي ومعلّق سياسي بريطاني يكتب بانتظام في صحيفة "الإندبندنت". يُعرف بتغطيته للشؤون الاقتصادية والسياسية البريطانية، مع تركيز خاص على قضايا عدم المساواة، وسياسات التقشف، وتحولات الاقتصاد البريطاني بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. عمل سابقا في عدد من المؤسسات الإعلامية البريطانية البارزة، من بينها (بي. بي. سي) و"سكاي نيوز". اشتهر بأسلوبه النقدي تجاه سياسات المحافظين والنخب المالية. كما ينشط أيضا على منصة "إكس" حيث يعلّق على المستجدات السياسية والاقتصادية في المملكة المتحدة.