(الغارديان) - فارشا غانديكوتا -
يجري الآن توجيه الأدوات التي صُممت لملاحقة الإرهابيين وعصابات المخدرات بحيث تستهدف القضاة. ويخضع أكثر من عشرة قضاة ومدعين عامين في "المحكمة الجنائية الدولية" -بمن فيهم رئيس المحكمة- مُسبقاً لعقوبات أميركية.
ويعيش النظام القانوني الدولي اليوم في حالة يُرثى لها. ولكن، من وسط الأنقاض والإفلات من العقاب وانتهاك القانون، ثمة مجموعة من الدول التي تعمل على إرساء مبدأ المساءلة وفرضه.
يوم الاثنين من الأسبوع الماضي، تم افتتاح الاجتماعات رفيعة المستوى لـ"الجمعية العامة للأمم المتحدة" على وقع أنباء عن إعداد واشنطن عقوبات تستهدف "المحكمة الجنائية الدولية"، تشمل موظفيها، وحساباتها المصرفية، وبرمجياتها وشركات التأمين التي تتعامل معها.
ويوم الثلاثاء، وقف الرئيس الأميركي على المنصة وهدد إيران بالإبادة. ويوم الخميس، وعلى المنصة نفسها، أراد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المطلوب لـ"المحكمة الجنائية الدولية" بتهم ارتكاب جرائم حرب، أن يصوّر جميع الساعين إلى المساءلة على أنهم "برابرة يهددون حضارتنا المشتركة". وكان المسؤولون الفلسطينيون غائبين بعد أن منعتهم الولايات المتحدة من الحصول على تأشيرات لدخول أراضيها.
لم يتظاهر نتنياهو في أي يوم باحترام القانون الدولي. وعندما رفعت جنوب أفريقيا قضية بموجب "اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة" عليها ضد أفعال إسرائيل في غزة، أعلن نتنياهو: "لن يوقفنا أحد –ولا لاهاي أيضاً". وفي هذا الصيف، تساءل خلال مقابلة تلفزيونية أميركية عمّا إذا كانت طائرته ستُجبر يوماً على الهبوط في دولة تحترم مذكرة التوقيف، وقال إن القوات الخاصة الإسرائيلية يمكن أن تُكلَّف "بمهمة جديدة". ومن جهته، تعهد الرئيس الأميركي بأن لا يجري اعتقاله على الأراضي الأميركية "بأي شكل من الأشكال".
والرسالة الموجهة إلى العالم واضحة: الجرائم التي يرتكبها حلفاء أصحاب القوة وأتباعهم لن يعاقَبوا عليها أبداً.
ولا يقتصر هذا الإفلات من العقاب على غزة. إنه يتجلى أيضاً في التطهير العرقي المتسارع في الضفة الغربية. وقد امتد أيضاً إلى لبنان حيث قتلت الضربات الإسرائيلية أكثر من 4.000 شخص هذا العام وشردت أكثر من مليون شخص. وفي جنوب سورية، تقصف القوات الإسرائيلية القرى في المناطق الريفية المحيطة بدمشق وتشن غارات عليها. وفي السودان، تُرتكب المجازر بالأسلحة والتكنولوجيا والتمويل الذي توفره إحدى دول الإقليم المتحالفة مع الحكومة الإسرائيلية.
لقد استوعب كل قائد عسكري يحظى براعٍ قوي درس السنوات الثلاث الماضية: لا تترتب على الفظائع الجماعية أي كلفة إذا كان أصدقاؤك أقوياء بما يكفي.
أما الدول التي تقاوم، فتواجه أشكالاً مذهلة التنوع من العقاب: عقوبات، ورسوماً جمركية، وتهديدات، وعزلة. وقد خسرت جنوب أفريقيا المساعدات الأميركية بعد أن رفعت قضية الإبادة الجماعية أمام "محكمة العدل الدولية" في لاهاي. وأُلغيت تأشيرة رئيس كولومبيا بعدما تحدث علناً عن غزة في شوارع نيويورك.
ولن يبقى هذا النمط محصوراً في الجنوب العالمي أيضاً. الآن، يتم توجيه الأدوات التي صُممت لملاحقة الإرهابيين وعصابات المخدرات إلى القضاة. ويخضع أكثر من عشرة قضاة ومدعين عامين في "المحكمة الجنائية الدولية" -بمن فيهم رئيس المحكمة- مُسبقاً لعقوبات أميركية. وسيكون من شأن إدراج المؤسسة كلها على قوائم العقوبات أن يطال كل مصرف وشركة تأمين وشركة تكنولوجيا أوروبية تتعامل مع المحكمة التي مقرها هولندا.
وفي الحقيقة، ما إن تُستخدم مثل هذه الأدوات حتى لا تعود أبداً إلى الدُّرج. وعلى الحكومات الأوروبية التي تكتفي اليوم بالمشاهدة بلا مبالاة أن تسأل نفسها: كم من الوقت سيمضي قبل أن يتم توجيه الأدوات نفسها ضد هيئاتها التنظيمية، وسلطات الرقابة لديها، ومحاكمها؟
وإذن، ماذا تستطيع الدول أن تفعل؟ يشير التاريخ إلى بعض الإجابات.
في العام 1962، أنشأت "الجمعية العامة للأمم المتحدة" لجنة خاصة لمناهضة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. وضغطت دول حديثة الاستقلال من أفريقيا وآسيا ومنطقة الكاريبي كان يُنظر إليها آنذاك بوصفها دولاً هامشية، من أجل فرض حظر على الأسلحة، وحظر نفطي، ومقاطعة رياضية، وسحب للاستثمارات. وفي العام 1977، فرض "مجلس الأمن" حظراً إلزامياً على الأسلحة ضد بريتوريا. وخلال عقدين، سقط النظام بعد أن أصبح غير قابل للاستمرار بفعل قوة نضال التحرر الوطني في الداخل والمنفى -ولأن عدداً كافياً من الدول تتحرك معاً رفع عليه كلفة جرائمه.
ونحن لا نفتقر إلى الوضوح القانوني. فقد خلصت "محكمة العدل الدولية" إلى أن الاحتلال الإسرائيلي غير قانوني، وأمرت كل دولة بأن لا تقدم له العون أو المساعدة. ومنحت "الجمعية العامة" إسرائيل 12 شهراً لإنهاء احتلالها، وقد انقضى ذلك الموعد قبل عام. وأصدرت المحكمة تدابير مؤقتة بموجب "اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية"، كما أصدرت "المحكمة الجنائية الدولية" مذكرات توقيف بحق قادة الكيان الإسرائيلي.
إن ما نحتاج إليه هو الشجاعة للتحرك. ويجب على الدول أن تستخدم كل أداة متاحة لها: وقف نقل الأسلحة والمعدات ذات الاستخدام المزدوج؛ ومنع دخول الشحنات العسكرية إلى الموانئ؛ ومراجعة العقود والاستثمارات العامة المرتبطة بالاحتلال؛ واعتقال المجرمين؛ وحماية المسؤولين عن إنفاذ القانون.
من المتوقع يوم الجمعة أن يفعل وزراء وممثلو 40 دولة المجتمعون في مقر الأمم المتحدة، في الاجتماع الاستثنائي لـ"مجموعة لاهاي للدفاع عن القانون الدولي"، ذلك بالتحديد.
إن الرد الوحيد على التنمر أحادي الجانب هو العمل الجماعي. ولا تستطيع عاصمة واحدة أن تتحمل الضغط بمفردها. لكن أربعين دولة تستطيع.
لم تنتظر الدول التي أنهت نظام الفصل العنصري إذناً من أولئك الذين كانوا يسلحّونه. ولا ينبغي لنا أن نفعل ذلك أيضاً. إنهم قلة. ونحن كثرة.
*فارشا غانديكوتا-نيلوتلا Progressive International: ناشطة وسياسية هندية في مجال السياسات العامة والعمل الدولي، وُلدت ونشأت في حيدر آباد، وتخرّجت من جامعة برينستون في التنمية الدولية، مع دراسة الاقتصاد السياسي والنظرية النقدية والسياسات النسوية. عملت في مجلس التنمية الاقتصادية لحكومة أندرا براديش، وفي حملة للعدالة الإنجابية في نيويورك، كما عملت مستشارة إستراتيجية في هونغ كونغ. وهي حالياً المنسقة العامة لـ"التقدمية الدولية"، والأمينة التنفيذية لـ"مجموعة لاهاي"، الائتلاف الدولي الذي تأسس في العام 2025 لتعزيز القانون الدولي والمساءلة بشأن الحرب والاحتلال.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Israel and the US have battered the international legal order. The impunity must stop