هدنة الوقوف على الحبال في لبنان... إلى متى؟
اندبندنت عربية سوسن مهنا -
جاء خطاب رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزاف عون بعد إعلان هدنة الأيام الـ10، أشبه بإعلان انتقال سياسي صريح من منطق إدارة الحرب إلى منطق صناعة القرار. ورسم عون وبنبرة عالية وواثقة معالم مرحلة جديدة يتقدم فيها لبنان نحو التفاوض المباشر، لا كخيار اضطراري بل كقرار سيادي، متجاوزاً كل الخطوط الحمراء التقليدية التي لطالما قيدت الدولة.
وفي كلمة وجهها إلى اللبنانيين، أوضح عون "أقول لكم بكل صراحة وثقة: هذه المفاوضات ليست ضعفاً وليست تراجعاً وليست تنازلاً. بل هي قرار نابع من قوة إيماننا بحقنا، ومن حرصنا على شعبنا، ومن مسؤوليتنا في حماية وطننا بكل الوسائل، وخصوصاً من رفضنا أن نموت من أجل أي كان غير لبنان. المفاوضات لا تعني ولن تعني يوماً التفريط بأي حق، ولا التنازل عن أي مبدأ، ولا المساس بسيادة هذا الوطن. آلاف اللبنانيين فقدناهم، هؤلاء أبناؤنا، لن ننساهم. ولن أسمحَ بأن يموت بعد اليوم لبناني واحد، أو باستمرار النزف من أهلي وشعبي، من أجل مصالح نفوذ الآخرين أو حسابات محاور القوى القريبة أو البعيدة".
سوسن مهنا
وشدد الرئيس اللبناني على أن "المفاوضات مع إسرائيل لا تعني التفريط بالحق"، وأكد استعداده لتحمل كامل المسؤولية عن الخيارات التي اتخذها، معلناً "نقف الآن أمام مرحلة العمل على وقف إطلاق النار إلى العمل على اتفاقات دائمة. استعدنا لبنان للمرة الأولى منذ نحو نصف قرن، ولم نعد ورقة في جيب أحد ولا ساحة لأحد"، معبراً عن امتنانه للرئيس الأميركي دونالد ترمب والقيادة السعودية على الإسهام في وقف إطلاق النار.
فك ارتباط سياسي
لكن الأكثر دلالة لم يكن فقط في مضمون الكلام، بل في ما تم تجاوزه، إذ غاب "حزب الله" عن المعادلة الخطابية بالكامل، كأن الدولة تقول للمرة الأولى إن قرار الحرب والسلم لم يعد موزعاً بين أطراف، بل عاد إلى موقعه الطبيعي. وهكذا، بدا الخطاب أقرب إلى لحظة فك ارتباط سياسي، وفتح الباب أمام مسار تفاوضي لا يعترف بالفيتو القديم، ويؤسس لمرحلة يُعاد فيها تعريف من يملك حق التحدث باسم لبنان.
في السياق، وخلال مقابلة حصرية أجرتها شبكة "بي بي سي" البريطانية، مع القيادي في الحزب وفيق صفا، رفض فكرة التخلي عن السلاح، وقال "أبداً، على الإطلاق، لا أحد يستطيع نزع سلاح (حزب الله)، لا أحد". وأضاف أنه لا يمكن إجراء أي نقاشات حول السلاح "حتى يتم وقف إطلاق نار حقيقي وشامل، والانسحاب الإسرائيلي، وعودة الأسرى والنازحين، وقبل عملية إعادة الإعمار"، رافضاً التلميحات التي أشارت إلى ضعف "حزب الله" جراء الحرب الأخيرة، ومشيراً إلى أن إسرائيل هي التي فشلت في تحقيق أهدافها العسكرية.
بدوره أكد النائب عن "حزب الله" حسن فضل الله أن التزام الحزب بالهدنة المعلنة بين إسرائيل ولبنان مرتبط بالتزام إسرائيل بوقف جميع أشكال الأعمال القتالية. وقال في حديث إعلامي "تبلغنا اليوم من السفير الإيراني في بيروت أن الجهود الإيرانية أثمرت فرض وقف شامل للنار في لبنان"، موضحاً أن "الجانب الأميركي تعهد بإبلاغ رئيس وزراء العدو بهذا القرار، وكذلك إبلاغه للرئيس اللبناني".
وأضاف فضل الله "المسؤولون في إيران سيتابعون مدى التزام الجانب الأميركي بتعهداته، واستئناف إيران للمفاوضات مع الولايات المتحدة هو رهن تنفيذ هذا الالتزام"، مشدداً على أن التزام الحزب بوقف إطلاق النار "مرهون بمدى التزام العدو بوقف جميع أشكال الأعمال القتالية".
في المقابل، أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن الجيش الإسرائيلي لن ينسحب من مواقعه في جنوب لبنان خلال فترة وقف إطلاق النار. وقال "سنبقى داخل منطقة أمنية بعمق 10 كيلومترات، وهو ما سيتيح لنا منع عمليات التسلل إلى التجمعات السكنية، وكذلك منع إطلاق الصواريخ المضادة للدبابات". وأضاف "إننا باقون في لبنان داخل منطقة أمنية موسعة"، مشيراً إلى أن مساحتها تفوق بكثير تلك التي كانت تسيطر عليها إسرائيل عقب اتفاق وقف إطلاق النار مع لبنان في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024.
ووصف نتنياهو هذه المنطقة الأمنية بأنها "أقوى بكثير، وأكثر ترابطاً، وأكثر رسوخاً بكثير مما كانت عليه في السابق. سنبقى هناك، ولن نغادر"، موضحاً أن وقف إطلاق النار يهدف إلى إتاحة المجال لاستمرار المحادثات مع لبنان، ومختتماً بالقول "لدينا مطلبان في هذه المحادثات، نزع سلاح (حزب الله)، وإبرام اتفاق سلام دائم، وذلك انطلاقاً من موقف قوة".
3 مقاربات لهدنة واحدة
وفي ظل التباينات في المواقف بين رئيس الجمهورية و"حزب الله" وبنيامين نتنياهو، يصبح السؤال الملحّ: هل ستصمد الهدنة، أم ستسقط بفعل اتنهاكات من قبل الأطراف المتقاتلة، إسرائيل والحزب؟ علماً أنه سُجل قصف مدفعي إسرائيلي في محيط بلدة القنطرة قضاء مرجعيون، وآخر استهدف بلدة الخيام، وسقط قتيل جراء استهداف طائرة مسيّرة إسرائيلية دراجته النارية في بلدة بيت ياحون جنوب لبنان، مما يؤكد ما صدر في مذكرة التفاهم التي أعلنتها وزارة الخارجية الأميركية، عقب الإعلان عن الهدنة، باحتفاظ إسرائيل بحقها القيام بعمليات عسكرية ضد "حزب الله" في حال رصدت أي تحرك من قبل الحزب أو مقاتليه، أي "حرية الحركة" داخل لبنان.
من هنا فالتباين في الخطاب بين الجهات اللبنانية والإسرائيلية ليس تفصيلاً، بل هو لب الأزمة، فرئيس الجمهورية يتحدث بلغة الدولة التي تحاول أن تستعيد قرارها، وتفاوض بصورة مباشرة، وتحتكر السلاح، وتخوض مساراً نحو اتفاقات دائمة. وفي المقابل، يتصرف "حزب الله" وكأن الهدنة مجرد استراحة مقاتل، وقف نار بلا التزام سياسي، ورفض لأي معادلة تمنح إسرائيل حرية الحركة، مع إبقاء خيار "المقاومة" مفتوحاً عند أول خرق، أما بنيامين نتنياهو، فلا يخفي أنه يتعامل مع الهدنة كأداة لتثبيت الوقائع، لا انسحاب، ومنطقة أمنية عازلة، وحق دائم في الضرب والاستهدافات تحت عنوان "الدفاع عن النفس".
بهذا المعنى، تقوم الهدنة على ثلاث مقاربات متناقضة لا تلتقي: الدولة اللبنانية تريد تحويلها إلى مدخل للسلام، والحزب يراها هدنة بلا أثمان استراتيجية، وإسرائيل تتعامل معها كمرحلة لفرض شروطها بالنار ثم على طاولة المفاوضات، فكيف يمكن لهدنة أن تصمد بين من يريدها بداية تسوية، ومن يريدها هدنة موقتة، ومن يستخدمها لتكريس نتائج الحرب؟
وهنا سيكون الصمود ليس نتاج اتفاق بل نتاج توازن هشّ، فإذا نجحت الدولة اللبنانية في فرض حد أدنى من السيطرة، وإذا قررت إسرائيل تقليص استخدام "حق الدفاع" كغطاء لانتهاك السماء والأراضي اللبنانية، وإذا تجنّب "حزب الله" اختبار "صبر" تل أبيب، يمكن للهدنة أن تعيش أيامها، لكن الحقيقة الأقسى أن أي خلل صغير في هذا التوازن كفيل بإسقاطها، لأن ما تحت الهدنة ليس استقراراً بمعنى الاستقرار، بل تناقض مفتوح بين مشروع الدولة، ومنطق السلاح، واستراتيجية عسكرية تريد تثبيت مكاسبها بالقوة.
اختبار للنوايا
من هنا، فإن هدنة الأيام الـ10 يمكن أن تصمد تكتيكياً لأيام، لكنها لا تبدو حتى الآن هدنة راسخة بالمعنى السياسي أو الأمني. هي أشبه بـ"نافذة اختبار للنوايا" أكثر منها اتفاقاً مستقراً، اختبار لمدى قدرة الدولة اللبنانية على ضبط الأرض، واختبار لمدى استعداد إسرائيل لتجميد اندفاعها العسكري فعلاً، واختبار لمدى قدرة واشنطن على فرض سقف على الطرفين. لهذا السبب، فإن الهدنة قابلة للصمود الموقت أكثر من كونها مضمونة الاستمرار، واحتمال تمديدها موجود ولكنه مشروط ومعلق على أداء الأيام الأولى، لا على النص وحده.
والمشكلة الأساسية في هذه الهدنة أنها وُلدت غير متوازنة بنيوياً، فالنص، بحسب وصف صيغة التفاهم التي أعلنت عنها الخارجية الأميركية، أن هذه الهدنة هي "بادرة حسن نية" من الجانب الإسرائيلي. أيضاً أشارت إلى إمكانية تمديد الهدنة، لكن ذلك مرتبط بإحراز تقدم ملموس في المفاوضات، إضافة إلى قدرة الدولة اللبنانية على بسط سيادتها على كامل أراضيها. ويلزم الاتفاق الحكومة اللبنانية اتخاذ خطوات جادة لمنع "حزب الله" وجميع الجماعات المسلحة من تنفيذ أي هجمات أو أنشطة "عدائية" ضد أهداف إسرائيلية، وتكرس تلك الصيغة القوى الشرعية اللبنانية وحدها مسؤولة عن السيادة والدفاع، لكنها في الوقت نفسه تُبقي لإسرائيل "حق اتخاذ كل الإجراءات اللازمة دفاعاً عن النفس"، من دون منح لبنان صيغة مماثلة، والنص لا يُلزم إسرائيل بالانسحاب من الجنوب خلال فترة الهدنة. مما يعني أن الهدنة لا تقوم على تجميد كامل للميدان، بل على ضبط نار غير متكافئ، ولبنان وحده مطالب بالإثبات، وإسرائيل محتفظة بهامش تفسير واسع لأي خرق.
من هنا فإن سؤال "هل تصمد؟" يجب أن يفهم على مستويين: الأول، قد تصمد بمعنى عدم العودة إلى حرب شاملة خلال الأيام الـ10. والثاني، قد تفشل عملياً حتى لو لم يعلن رسمياً انهيارها، إذا تحولت إلى هدنة اسمية تتخللها ضربات إسرائيلية موضعية، وردود أو تهديدات من "حزب الله"، وبقاء التوتر حاضراً في الميدان، مما يمنع عودة طبيعية للسكان ويُبقي الجنوب ساحة معلقة.
وهذا السيناريو ليس افتراضاً نظرياً فقط، لأن الجيش اللبناني أعلن بالفعل "إلحاقاً بالبيان السابق المتعلق بدعوة المواطنين إلى الالتزام بتوجيهات الوحدات العسكرية المنتشرة، تجدد قيادة الجيش دعوتها المواطنين إلى التريث في العودة إلى القرى والبلدات الجنوبية، وذلك في ظل عدد من الخروقات للاتفاق"، وأضاف الجيش أنه سجل عدداً من الاعتداءات الإسرائيلية، إضافة إلى قصف متقطع طاول عدداً من القرى.
وإذا رصدنا تصريحات الفريقين، نرى بوضوح أن اللغة اللبنانية الرسمية تريد استثمار الهدنة لفتح مسار سياسي أوسع، بينما اللغة الإسرائيلية تتعامل معها كاستراحة عملياتية لا كتنازل استراتيجي. إذ قال الرئيس عون إن المرحلة المقبلة هي الانتقال من وقف النار إلى "اتفاقات دائمة" تحفظ حقوق اللبنانيين ووحدة الأرض والسيادة. في المقابل، قال نتنياهو إنه وافق على هدنة الأيام الـ10 لأن هناك فرصة لـ"اتفاق تاريخي" مع لبنان، لكنه شدد في الوقت نفسه على أنه لم يوافق على مطلب الانسحاب إلى الحدود الدولية، وأكد أن إسرائيل ستُبقي "منطقة أمنية" واسعة حتى الحدود مع سوريا.
هذا التباين بالغ الأهمية، فلبنان الرسمي يقدم الهدنة كمدخل إلى تثبيت السيادة ووقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي، فيما إسرائيل تقدمها كوسيلة لتثبيت ما حققته ميدانياً ثم ترجمته سياسياً. لذلك لا يوجد حتى الآن تطابق في تعريف النجاح بين الطرفين، فالنجاح للبنان يعني وقف الغارات، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وعودة المدنيين، وفتح مسار تفاوضي يحفظ الأرض والسيادة. أما النجاح لإسرائيل فيعني هدوءاً حدودياً مضموناً، وبقاء حرية العمل ضد أي تهديد تعتبره قائماً، وترجمة الهدنة إلى مسار ينتهي عملياً بتحجيم "حزب الله" عسكرياً وسياسياً.
وعندما تختلف تعريفات النجاح إلى هذا الحد، تصبح أي حادثة ميدانية صغيرة قابلة للتحول إلى أزمة تفسير كبيرة. أما "حزب الله" فموقفه بحد ذاته عنصر هشاشة رئيس، فالحزب لم يمنح الهدنة تأييداً سياسياً كاملاً، ولكنه أوقف النار عند بدء سريان المهلة، مع رفضه أن تمنح إسرائيل "حرية حركة" داخل لبنان، واعتبار أن وجود قوات إسرائيلية على الأرض اللبنانية يعطيه "حق المقاومة". وهذا يعني أن الحزب لم يتبنَ منطق الهدنة بوصفها تسوية نهائية، بل تعامل معها كوقف موقت للنار بشروط اعتراضية. لذا، الهدنة لا تقوم على اتفاق مباشر بين الخصمين الفعليين في الميدان، بل على تفاهم بين دولتين إحداهما لا تحتكر بالكامل قرار السلاح على أرضها، فيما الخصم الثاني يحتفظ لنفسه بحق الضرب، وهذه وصفة الهشاشة بامتياز.
ولكن على رغم كل العوامل السابقة التي لا تبشر بهدنة مستدامة، ما هي شروط نجاح الهدنة؟
شروط النجاح
في المقام الأول، يجب أن تتمكن الدولة اللبنانية سريعاً من إظهار قدرة عملية، لا خطابية فقط، على ضبط الجنوب ومنع أي إطلاق نار أو استعراضات مسلحة أو محاولات لإعادة التموضع الميداني. ويربط نص الاتفاق نفسه إمكان التمديد بأن "يُظهر لبنان فعلياً قدرته على فرض سيادته"، وهذا الشرط هو جوهر القرار الأميركي في شأن التمديد.
ثانياً، أن تتوقف إسرائيل عن استخدام بند "الدفاع عن النفس" كغطاء لتوسيع الاستهدافات، لأن النص يمنعها من العمليات الهجومية، ولكن يبقى السؤال: من يحدد أين ينتهي الدفاع، وأين يبدأ الهجوم؟ وإذا استمرت إسرائيل في تفسير أي حركة أو شبهة أو تموضع على أنها تهديد وشيك، فستفرغ الهدنة من مضمونها حتى لو بقيت قائمة شكلياً. وهنا تظهر أهمية الضغط الأميركي، خصوصاً بعد تصريح الرئيس دونالد ترمب الصريح بأن إسرائيل "ممنوعة" من قصف لبنان وأن "كفى يعني كفى"، علماً أنه أشار إلى أن "الولايات المتحدة ستعمل بصورة منفصلة مع لبنان وستتعامل مع مسألة (حزب الله) بالطريقة الموائمة". هذا الموقف الأميركي يرفع الكلفة السياسية على أي خرق إسرائيلي واسع، لكنه لا يلغي تلقائياً الوقائع الميدانية.
ثالثاً، على الدولة اللبنانية أن تضبط ملف عودة المدنيين بحذر شديد، فالعودة السريعة إلى قرى مدمرة أو مناطق لا يزال فيها انتشار إسرائيلي أو قصف متقطع قد تنتج احتكاكات، وخسائر بشرية، وربما بيئة شعبية ضاغطة على الحزب للرد، وكان الجيش اللبناني نفسه طلب من المواطنين التريث بسبب الانتهاكات والمناطق الخطرة، وأي فشل في إدارة العودة قد يحول الملف الإنساني إلى شرارة أمنية.
رابعاً، من المفروض أن تُنتج الهدنة منذ أيامها الأولى قناة سياسية جدية، لا مجرد اتصالات شكلية، فهذه الأيام الـ10 ليست مصممة لتكون هدنة طويلة بحد ذاتها، بل مرحلة انتقالية نحو مفاوضات أوسع، وإذا لم يظهر خلال هذه المهلة أي تقدم في ملفات مثل قواعد الاشتباك، والانسحاب، والأسرى، والضمانات الأمنية، فستتحول المهلة نفسها إلى عدّ تنازلي نحو انهيار جديد.
شروط الفشل
في المقابل، فإن شروط الفشل واضحة أيضاً، أولها استمرار إسرائيل في البقاء العسكري داخل الجنوب بصيغة توحي بأنها لا ترى الهدنة إلا وسيلة لتثبيت "المنطقة الأمنية"، وفعلياً لا تزال القوات الإسرائيلية متموضعة حتى عمق قد يصل إلى 10 كيلومترات داخل الجنوب، أي نحو 8 في المئة من الأراضي اللبنانية، وكان الجيش الإسرائيلي أعلن إنشاء 15 معسكراً دائماً في الخط الأول من القرى اللبنانية الحدودية، وإذا رسخت إسرائيل هذا الواقع بدل اعتباره موقتاً، فإن الهدنة ستتحول من وقف إطلاق نار إلى إدارة احتلال موضعي، وهذا أمر يصعب أن يبقى بلا ردود.
أما ثاني شروط الفشل فهو عجز الدولة اللبنانية عن فرض احتكار السلاح فعلياً في الجنوب خلال هذه المهلة، ليس لأن نزع سلاح "حزب الله" منصوص عليه حرفياً في الهدنة الجديدة، بل لأن روح الاتفاق كلها مبنية على فكرة أن الدولة وحدها مسؤولة عن الدفاع والسيادة، فإذا عجزت مؤسساتها عن ترجمة ذلك ميدانياً، ستعتبر إسرائيل والولايات المتحدة أن لبنان لم يلبِ الشرط العملي للتمديد.
وثالثاً والأهم، إن أي قرار من "حزب الله" بالرد على أي خرق إسرائيلي، أو حتى تلويح جدي بذلك، قد يسقط الهدنة بسرعة، فالحزب يعتبر أن بقاء الجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية يبرر "حق المقاومة"، بينما تعتبر إسرائيل أن بقاء قواتها ضروري لمواجهة "التهديد القريب"، وهنا نحن أمام تناقض جوهري بين موقفين، أحدهما يرى الوجود الإسرائيلي سبباً مشروعاً "للمقاومة"، والآخر يرى هذا الوجود ضرورة دفاعية، ومن الصعب جداً تثبيت هدنة طويلة فوق هذا التناقض، من دون اتفاق واضح على الانسحاب أو على قواعد اشتباك جديدة.
رابعاً، الترابط غير المباشر مع المسار الإقليمي، رسمياً، إذ قال ترمب إن أي صفقة أميركية مع إيران "غير مرتبطة بلبنان"، لكن واقعياً، الجبهة اللبنانية كانت عقبة أمام المسار الأوسع، ووقف النار في الجنوب سهّل استكمال التفاوض الأميركي الإيراني، وهذا يعني أن أي انتكاسة في المفاوضات الإقليمية، أو أي تشدد إيراني، أو أي محاولة لاستخدام الساحة اللبنانية كورقة ضغط، يمكن أن تنعكس سريعاً على الهدنة.
هل ستُمدد؟
يبقى أن احتمال تمديد الهدنة موجود، بل هو مرجح أكثر من الانهيار الفوري، لكن ليس لأن الأرض صلبة، بل لأن الأطراف الثلاثة الأساسية (واشنطن، والدولة اللبنانية، وإسرائيل) لديها مصلحة آنية في عدم إسقاطها سريعاً. فالولايات المتحدة تريد الحفاظ على زخمها التفاوضي الإقليمي، ولبنان الرسمي يريد تحويل الهدنة إلى مسار دائم، وإسرائيل تريد استثمار مكاسبها من دون التورط فوراً في جولة استنزاف جديدة. لكن التمديد، وفق نص التفاهم، يحتاج إلى اتفاق متبادل، وإلى أن "يُظهر لبنان فعلياً قدرته على فرض سيادته"، لذا فالتمديد ليس آلياً بل هو مشروط بمحصلة الأيام الأولى، أي حجم الانتهاكات، ومدى انضباط الجبهة في الجنوب، ومستوى التقدم السياسي الموازي.
أما الأخطار التي تهددها فهي اتساع تفسير إسرائيل لحق الدفاع عن النفس، وتثبيت المنطقة الأمنية الإسرائيلية كأمر واقع بدل كونها وضعاً انتقالياً، وأي احتكاك بين سكان عائدين وقوات إسرائيلية أو مناطق مدمرة وملغمة، لذا إطلاق نار أو استعراض مسلح من "حزب الله" أو مناصريه أو مجموعات أخرى من الجنوب، أضف إلى ذلك تعثر المسار السياسي الذي يُفترض أن يملأ هذه الأيام الـ10 بمضمون تفاوضي، كلها عوامل ستعرض هذه الهدنة للسقوط.
في المحصلة، فإن هدنة الأيام الـ10 ليست هدنة مريحة، بل مشروطة ومشحونة. ويمكن أن تصمد لأنها تخدم حاجة موقتة عند الجميع، لكنها قد تسقط لأن أسباب الحرب لم تُعالج بعد، ونجاحها يتطلب من لبنان أن يثبت سيادته على الأرض، ومن إسرائيل أن تكف عن تحويل الهدنة إلى غطاء لبقاء عسكري مفتوح أو لضربات انتقائية، ومن واشنطن أن تبقى ضامناً ضاغطاً لا مجرد وسيط مُعلن. وإذا مُددت، فسيكون ذلك في الأرجح لأن أحداً لا يريد الانفجار الآن، وليس لأن التسوية نضجت فعلاً. أما إذا استمرت إسرائيل في التمسك بالمنطقة الأمنية وحق الضرب، واستمر "حزب الله" في اعتبار الوجود الإسرائيلي مبرراً جاهزاً "للمقاومة"، فستبقى الهدنة قائمة فوق تناقض لن يصمد طويلاً.