Tuesday 2nd of March 2021 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    23-Feb-2021

هايدلبرغ: بين الفلسفة وبيتي وهيلدا دومين

 القدس العربي-آية الأتاسي

رغم تعدد المصطلحات التي تعرفنا نحن الغرباء كمهاجرين أو لاجئين أو نازحين، إلا أن هناك كلمة واحدة يمكنها أن تختصر المعنى، وهي الفقد، فقد الوطن. أما الغربة فهي تعبير مجازي غير مرتبط بالمكان، فقد يشعر المرء بالغربة بين أهله، وأحياناً يشعر بها في حضرة مرآته. أنا اليوم أعيش غربتي في ألمانيا، والغربة في اللغة الألمانية هي حرفياً وجع الوطن، ولكن ذكاء اللغة الألمانية أنها تمنحك حق الاختيار بين البيت والوطن، الوطن، حيث ولدت وكبرت كشجرة، والبيت حيث عشك الذي تطير إليه، مهما أخذتك الأمكنة بعيداً. وبين الوجع والفقد، عثرت أنا هنا على مدينتي، أو بيتي الثابت في الوطن الألماني المؤجل.
ورغم الشمس الناقصة والخضرة الزائدة، لكنها لي، فهذه المدينة صارت لي منذ أصبح لي فيها بيت وحارة، وأمكنة أرتادها، ونقاط علام أعود إليها، ووجوه مألوفة ألقي عليها التحية، ولا تخطئ في تهجئة اسمي الغريب.
للمدن أرواح كالبشر، بعضها يربطنا بحبل سرة خفي، ويلازمنا اسمها في جواز السفر، وبعضها نعبرها كسياح وتعبرنا هي كغريبة، ولكن قليلة هي المدن التي نقع في غرامها. «لقد أضعت قلبي في هايدلبرغ» تقول الأغنية الألمانية الشهيرة، وهكذا يغني قلبي أيضاً. تعارفنا قبل عقدين من الزمن، في البداية كان بيننا توجس الغرباء، ثم تعمقت علاقتنا، ولم يعد للأسرار بيننا مكان، فيكفي أن أغمض عينيّ وأسير في أزقتها الضيقة، وكأنني في دمشقي المفقودة. وعلى الرغم من أنها مدينة صغيرة، ولا يتجاوز عدد سكانها المئتي ألف، لكنها تحتفظ بالذاكرة، فهي من المدن الألمانية القليلة، التي لم تدمر خلال الحرب العالمية الثانية، ويقال إن الأمريكيين أرادوها قاعدة عسكرية بعد الحرب، لذلك لم يتم قصفها، وبالفعل بقيت القاعدة الأمريكية في المدينة حتى وقت قريب. إلا أن شائعة أخرى تقول إن الحلفاء رغبوا في اختبار قنبلة ذرية فوق المدينة، لهذا ُتركت إلى حساب مؤجل، لم يسدد أبداً. ولعلها الصدفة البحتة التي أبقت على المدينة حية، كي تروي لنا التاريخ وتسرد حكايات طلابها وأساتذة جامعتها، الذين يشكلون الربع الأجمل من عدد سكانها. ولا تقل شهرة طلابها عن شهرة أساتذتها، بل إن أشهر الحلوى في المدينة هي قبلة الطلاب، وهي قطعة من الشوكولاته الفاخرة، التي قد لا يتمكن الطلاب من تذوقها لغلاء سعرها، لكنهم بلا شك يتبادلون القبل في ما بينهم، كما يقبلون كل صباح وجه نهر النيكر الذي يعبر سهل المدينة ويتمرّى بمائه القصر المهجور على سفح الجبل، وقد تحول إسطبل القصر إلى قهوة للطلاب، تزهر فيها الأفكار ولا تدجن.
وفي هايدلبرغ كتبت يوماً الطالبة حنة آرندنت، التي أصبحت في ما بعد فيلسوفة شهيرة، رسالة الحب الأخيرة إلى أستاذها الفيلسوف الكبير هايدغر، لتقول له، انتظرتك ولم تأت. وكان للفلسفة على مرّ العصور مكانتها الخاصة في هايدلبرغ، ففي أعرق وأقدم جامعة ألمانية، حاضر الأستاذ هيغل لمدة سنتين، وكان الفيلسوف ياسبرس أحد أعمدتها المهمين. ولم يقتصر وجود الفلاسفة في هايدلبرغ على قاعات التدريس، بل دفعت الطبيعة الأخاذة الكثير منهم إلى التنزه في الجبال المحيطة، ما جعل الأهالي يطلقون اسم «طريق الفلاسفة» على أجمل الطرق الجبلية في المدينة، التي كانت مهداً لكثير من الأفكار العظيمة. ولم يترك أساتذة الفلسفة وحدهم بصماتهم على روح هذه المدينة، بل أساتذة الاجتماع أيضاً، فعالم الاجتماع الشهير ماكس فيبر كان يلقي محاضراته في جامعة هايدلبرغ، ليعود أدراجه في المساء إلى منزله الكائن على ضفاف نهر النيكر، وكان لي شخصياً الحظ قبل خمس وعشرين سنة في تلمس خطواتي الأولى في عالم اللغة الألمانية في ذلك المنزل، الذي تحول إلى معهد لتعليم الألمانية للطلاب الأجانب، ولطالما تخيلت فيبر ينظر من النافذة إلى النهر، والقصر المطل عليه من الجهة المقابلة، وأنا أحاول تفكيك أحاجي اللغة الألمانية، التي عشقتها، رغم اختصاصي العلمي لقربها من المنطق والرياضيات. من دون أن أشعر بخيانة اللغة العربية، بل على العكس تماماً، فكل لغة جديدة تعمق العلاقة باللغة الأم، ولا تستطيع أبداً أن تُحرف فطرية اللغة الأولى، فالبحر لا يكون إلا بزرقته الأولى، مهما تعلمت كيف تلفظ الأزرق في لغات أخرى. وقد تطلب مني الأمر سنوات طويلة قبل أن أدعي فهمي للألمانية، ولعلني شعرت بهذا، عندما بدأت بقراءة الفلسفة الألمانية، من دون وسيط، ولكنني لم أشعر بأنني أعيش لغوياً داخل ألمانيا، إلا عندما بدأت بتذوق الشعر بالألمانية، فالفلسفة قد تكون مقدمة للفهم، لكن الشعر هو الإحساس بالمعنى.
ولأن كل مدينة تكون عاقراً، إن لم تلد شعراء، كان لهايدلبرغ هيلدا دومين.
 
عندما تلد المرأة الكلمات
 
لم تكن هايدلبرغ مسقط رأس هيلدا دومين بل كولونيا، ولكنها درست في هايدلبرغ القانون والفلسفة، وبسبب يهوديتها اضطرت إلى مغادرة ألمانيا، والعيش في المنفى لسنوات طويلة، ولكنها عندما عادت، اختارت هايدلبرغ لتمضي فيها بقية حياتها، وتدفن هناك عن عمر يناهز التسعين. لم تلد هيلدا دومين أطفالاً، ولكنها ولدت كلمات:
أفكر دائماً بولادة الغزال
وكيف يقع واقفاً على قدميه
أنا لم ألد إلا كلمات
تسقط ولا تلتفت إلى الوراء
بل تقف على قدميها وتمضي.
بعد وفاة والدتها، كانت الكتابة طوق نجاة دومين وولادتها الجديدة، ولأن كل ولادة تبدأ بالبكاء، بكت دومين أمها، ومضت باتجاه الكلمات، وكأنها ولدت بعمر الخمسين في هايدلبرغ.
«كم أنا شابة يا هايدلبرغ».
ولكنها لم تعثر على شيء تستند إليه سوى وردة الشعر:
يجافني النوم
يدي تبحث عن متكأ
ولا تعثر سوى على وردة
وصارت هايدلبرغ البيت:
تعال إلى بيتنا
الأرائك خضراء كتلال هايدلبرغ
والجسر القديم سريرك.
عاشت هيلدا في المنفى لسنوات طويلة، لتكتشف معنى الوطن، فالوطن هو اللغة الألمانية، التي ظلت بالنسبة للشاعرة بريئة من وحشية النازيين وملاحقتهم.
ومع أن دومين كانت تبدل اللغات كما تبدل ثيابها، لكنها ظلت غريبة في إيطاليا وفي الجزيرة الدومينيكية، التي استعارت اسمها لتتكنى وتولد على الورق، وبقيت دائماً الغريبة التي تتحدث لغة المنفى بطلاقة:
«أنا التي تتحدث لغة النادل
أنا الغريبة التي تتحدث لغتهم بطلاقة»
فعندما يكون المضيف نادلاً والمكان قهوة، فأنت ستغادر حتماً، لأنك ستبقى عابراً في أوطان الآخرين.
 
كل أرض جديدة هي حدود جديدة
 
لتكتشف كل أرض جديدة عليك أن تعرف حدودها أولاً، وبعيداً عن هايدلبرغ، حدود ألمانيا، هي دائماً بالنسبة لي مجازية، وكان لزاماً عليّ أن أتعلم كيف أحاذيها ولا أتجاوزها. «الشعب الألماني يتقن كل شيء من الألف إلى الياء، حتى العنصرية أتقنها إلى الدرجة التي أوصلتنا إلى المحرقة» كتبت هيلدا دومين، ولعلها محقة إلى حد كبير، فكل شيء في ألمانيا يخطط له بدقة، حتى تبدو الحياة وكأنها مفكرة يومية. والدقة والنظام الألمانيان يحكمهما الوقت كحد السيف، وكما تقول الطرفة الألمانية: كل شيء في ألمانيا يصل في الوقت المحدد باستثناء القطار، لهذا تحولت هيئة السكك الحديدية إلى العدو اللدود للألمان، ومحط تذمرهم الدائم. ولعل مصطلح المواطن الغاضب هو أكثر ما يصف المواطن الألماني، فالألمان يتذمرون كثيراً، أو هكذا يتهمون، حتى الطقس يثير تذمرهم فهو بارد كثيراً، أو شديد الحرارة في أيام الصيف. وتتنوع أسباب الغضب الألماني، فهناك الغضب الشخصي، كغضب الجار من جاره لتجاوزه حدود الحديقة أو رمي القمامة في غير مكانها، وهناك الغضب الجماعي من السياسة والسياسيين، كما في حال الغضب الأخير من سياسات اللجوء، الذي أدى في النهاية إلى ظهور حزب متطرف كحزب «البديل من أجل ألمانيا. وهناك غضب الشرقيين من الغربيين وعجرفتهم، وغضب الغربيين من الأموال التي أنفقت في الشرق. وأضيف إلى كل ذلك أخيراً الغضب من إجراءات الإقفال الخاصة بالوباء، مع تسامح أكبر للشرقيين في التعاطي مع الإجراءات المشددة، بحكم أنهم خبروا العيش في كنف الديكتاتوريات وإن كانت فيروسية.
وقد أعاد الوباء نبش الماضي، كما حدث مؤخراً عندما أثار تواجد الطاقم الطبي حفيظة الزائرين لأحد دور العجزة في شرق ألمانيا، وأعاد إلى الذاكرة كابوس المخابرات الشرقية «الشتازي». اليوم يعيش الجيل الألماني الجديد حدود ومحظورات الوباء، وكأن ديكتاتورية كورونا التي تكمم الأفواه، توسم جيل اليوم بها، بعد أن كان يطلق على آبائهم جيل الجدار، وعلى أجدادهم جيل النازية.
 
مواطنة ألمانية
 
أتأمل المرأة الألمانية المسنة وهي تجر ببطء عربة مشترياتها، ولكن بإصرار وعزيمة، فأخجل من يدي التي تؤلمني، والمسكنات التي أتناولها. وأتساءل هل سيستطيع الألمان يوماً اختراع دواء يسكن وجع الوطن، كما نجح مؤخراً ألمانيان من أصول تركية في اختراع لقاح، قد يرد أذى الفيروس التاجي، وليته يكون أيضاً الرد المناسب على العنصرية وكراهية الآخر. الخوف يأكل الروح، هكذا عنون المخرج الألماني الكبير فاسبندر فيلمه، الذي أخرجه في أوائل السبعينيات، كي يصف خوف الألمان من الغريب. من ناحيتي لم أعد غريبة في هايدلبرغ، هنا أضعت قلبي وتركته أمانة بين يديها، ومجرد ابتعادي عنها يشعرني بالغربة. أنا اليوم مواطنة ألمانية، فهنا أتمتع بكامل حقوقي السياسية والاجتماعية، وهايدلبرغ هي بيتي، أما بلادي الأصلية فتبدو مستحيلة، رغم أن روحي مازالت تسكن هناك.
فكثيراً ما ألتقط نفسي متلبسة بالحنين، كأن أستمع لحديث عابر بين غريبين ينطقان بالعربية، وأبتسم للكنة أعرفها، أو أتلكأ في السوبر ماركت التركي كي أطيل الاستماع إلى الموسيقى الشرقية، التي تشبه نغما في الذاكرة، أو أضم باقة النعنع الخضراء إلى صدري، وكأنها زهور البلاد البعيدة. الوطن هو رائحة وطعم، ولكن أليس الوطن هو أيضاً، المكان الذي يشعرك بإنسانيتك ويصون كرامتك؟
نعم، أجيب نفسي، وأضيف، لعله المكان الذي ستدفن فيه أيضاً.
كتبت هيلدا دومين في تعريف الوطن:
الوردة تبقى وردة
لكن الوطن ليس وطناً
يحق لك أن تمتلك ملعقة
ووردة وقلباً
وربما قبراً
هل كانت تعني هيلدا أن الوطن هو المكان الذي يمنحك قوت عيشك «ملعقة» والدفء الإنساني «قلباً» ومساحة ليستلقي فيها جسدك في غفوته الأخيرة «قبراً».
وكتبت الشاعرة عن الرحيل في موضع آخر:
عليك أن تتعلم الرحيل كالأشجار
المشاهد الطبيعية تمر أمامك
وأنت تمد جذورك عميقاً في الأرض
ولا تغادر…
لعل دومين لجأت للأشجار، لأننا مثلها نحتاج إلى جذور كي نستطيع الوقوف بصلابة على أرض مائلة. الحقيقة انني لا أمتلك أجوبة حاسمة، ولم أعد أدرك الحدود بين المكان الذي دفن فيه أبي، والمكان الذي ربما سأدفن فيه. لا أجوبة لديّ، ولكن وردة أحملها إلى قبر هيلدا دومين، الشاعرة التي دفنت في مقبرة الجبل المطل على هايدلبرغ، هناك أقرأ ما اختارته الشاعرة بنفسها كشاهدة:
«للريح أترك ساقيَّ وأمضي»
أما أنا فأضع الوردة الحمراء على قبرها، وأقرأ الفاتحة على روحها، وأمضي.
 
كاتبة سورية