الخبر - ريتا بولس شهوان -
في عالم الثقافة، تمثل “الأسئلة” الوقود الحيوي الذي لا يتوقف عن الغليان، وهي الترياق الوحيد ضد تحجر الأفكار. وفي كتابه “ثقافة الأسئلة”، لا يكتفي الدكتور عبدالله الغذامي بطرح الأسئلة كأداة بحثية، بل يرتقي بها لتكون “موقفاً وجودياً” يعبر به المثقف عن حضور ذاته في العالم. لكن هذا الحضور، المشحون بالتساؤل والجدال، يثير دائماً حفيظة فئة معينة يصفها السياق النقدي بـ “المدجنين” من مدعي العلم، أولئك الذين يخشون ضوء السؤال لأنهم بنوا عروشهم المعرفية في ظل غابة من المسلمات.
المثقف بين “سؤال التغيير” و”خوف المدجنين”
إن الجدال الفكري بين المثقفين ليس مجرد تبادل لوجهات النظر، بل هو “اشتباك معرفي” يكشف زيف الحقيقة الواحدة. بالنسبة للغذامي، المثقف الحقيقي هو ذلك الذي يكسر “طوق الصمت” و”حواجز التخصص”، وهو الذي يجرؤ على مساءلة الموروث والمعاصر على حد سواء.
في المقابل، نجد “المدجنين من العلم” – وهم أولئك الذين يحملون قشور المعرفة لا جوهرها – يعيشون حالة من الرعب الوجودي تجاه هذا النوع من الجدال. لماذا؟ لأنهم ببساطة يفتقرون إلى “الأدوات النقدية” التي تسمح لهم بالتعامل مع التعدد والاختلاف. بالنسبة للمدجن، العلم ليس بحثاً مستمراً، بل هو “قائمة محددة” من المعلومات التي اكتسبها مرة واحدة، ويخاف أن تتعرض لأي هزة قد تطيح بمرجعيته.
لماذا يخشى مدعو العلم “جدال المثقفين”؟
الخوف من انكشاف العجز: يرى الغذامي أن من يمارسون الرفض الثقافي، وهم لم يمارسوا الفعل المعرفي (القراءة، التفكيك، النقد)، يخشون الأسئلة لأنها تفضح فراغهم. الجدال يضع المدعي أمام مرآة الحقيقة؛ فإما أن يبحث ويجتهد (وهو ما لا يريده) أو يصمت (وهو ما لا يحتمله غروره).
رعب “النسبي” و”المتغير”: الجدال الفكري يثبت أن المعرفة “مشروع مفتوح”، بينما يحاول مدعو العلم “تقديس” آرائهم وتحويلها إلى ثوابت. إن ثقافة الأسئلة تزلزل هذه الثوابت، مما يزعزع “منطقة الراحة” التي يعيش فيها من ادعوا العلم واكتفوا بالاجترار.
فقدان “السلطة المعرفية”: يسعى المدجنون إلى السيطرة على العقول عبر خطاب التلقين. المثقف الذي يجادل يفتح “نوافذ الهواء” في الغرف المغلقة، مما يفقد “المدجن” سلطته كـ “حارس للحقيقة”. إنهم يخشون الجدال لأنهم يعلمون أن “السؤال” أقوى من “الجواب”، لأنه يفتح آفاقاً لا يستطيعون ضبط إيقاعها.
“السؤال” كأداة للتحرر لا للمشاكسة
يؤكد الغذامي في نصوصه أن الأسئلة هي “فعل إنساني” بامتياز، وهي وسيلة للتحرر من “الخديعة” و”التقليد”. المثقف الذي يجادل هو كمن “يشرح” النص، ليس لهدمه، بل لاكتشاف حيويته. أما أولئك الذين يدعون العلم، فإنهم يخافون من “التشريح” لأنهم يعرفون أنهم يقدمون نصوصاً “ميتة” أو “أفكاراً معلبة”، والاقتراب منها بالمشرط النقدي سيكشف فسادها الداخلي.
إن خوفهم من الجدال هو في العمق خوف من “الحياة”. فالثقافة التي لا تجادل هي ثقافة ميتة، والمدعون الذين يخشون الجدال هم أولئك الذين يفضلون العيش في “متحف” من الأفكار الراكدة، خوفاً من أن يغير تيار السؤال موقعهم أو يقلب طاولتهم.
خاتمة:
إن الجدال الفكري، كما يمارسه الغذامي، هو “معركة من أجل الوعي”. وهو معركة لا يخسرها إلا من ارتضى لنفسه “التدجين”. بينما يرى “المدجن” في الجدال تهديداً، يراه “المثقف” فضاءً للنمو والارتقاء. إن جوهر ثقافة الأسئلة هو رفض الاستسلام للجاهز، وهو الموقف الذي يجعل مدعي العلم يرتجفون، ليس لأنهم يمتلكون الحقيقة، بل لأنهم يدركون، في أعماقهم، أن السؤال هو الذي سيسحب البساط من تحت أقدامهم الهشة.
في النهاية، الجدال ليس صراعاً بين شخصين، بل هو صراع بين “العقل المفتوح” الذي يبحث، و”العقل المدجن” الذي يخاف