الغد
هآرتس
بقلم: عاموس هرئيل 10/2/2026
عندما اقتحمت عناصر حماس المستوطنات وقواعد الجيش في غلاف غزة في صباح 7 تشرين الأول (أكتوبر)، استغرق رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وقتا طويلا للتعافي، ولكنه سرعان ما أدرك خطورة الموقف، وأخذ يصارع من أجل البقاء.
وكي يبقى في منصبه، يجب عليه فرض روايته على أمل أن يتقبلها الرأي العام. لذلك، فإنه منذ اللحظة الأولى تقريبا بذل نتنياهو جهدا كبيرا في صياغة رواية جديدة، على الأغلب مشوهة، حول أحداث الحرب. هذا صراع لا يتردد فيه في استخدام أي وسيلة.
أما آخر الأنباء حول هذا الشأن فقد نشرت "هآرتس" أول من أمس بقلم ميخائيل هاوزر طوف، أنه في خضم الحرب تم تجنيد عناصر استخبارات في قوات الاحتياط في السكرتارية العسكرية في مكتب رئيس الحكومة، من أجل جمع اقتباسات انتقائية من وثائق سرية تخدم رواية نتنياهو في سعيه إلى التنصل من المسؤولية عن الإخفاقات التي أدت إلى المذبحة.
وقد نُشر التقرير في أعقاب نشر دورون غادوش تقريرا في موقع "صوت الجيش" أول من أمس، جاء فيه أن السكرتير العسكري لنتنياهو، الجنرال رومان غوفمان، الذي سيتم تعيينه في منصب رئيس الموساد، قام بتنسيق جمع الوثائق لغرض الإجابة على أسئلة مراقب الدولة.
الأسلوب بحد ذاته غير جديد. فمثلما نُشر هنا يوم الجمعة الماضي، خاض نتنياهو في 2016 معركة دفاع مشابهة مع مكتب المراقب حول التحقيق في خطر الأنفاق الهجومية في قطاع غزة، في أعقاب عملية الجرف الصامد. وأيضا في حينه تم استدعاء رئيس مجلس الأمن القومي والسكرتير العسكري من أجل مهمة جمع هذه الاقتباسات، لكن على الأقل لم يتم استدعاء جنود الاحتياط لهذا الغرض.
منذ المذبحة توالت التقارير حول تحركات مكتب رئيس الحكومة، التي هدفت إلى تعزيز موقف نتنياهو الدفاعي. وهناك شكوك حول تزوير نص المكالمات الهاتفية بين نتنياهو والسكرتير العسكري السابق، اللواء آفي غيل، في صباح يوم المذبحة من أجل إيهام الناس بأن نتنياهو تعافى وأصدر تعليمات في وقت سابق. وطُلِبَ من كبار المسؤولين في الجيش الإسرائيلي التعهد بعدم جلب الهواتف المحمولة أو أجهزة التسجيل أثناء النقاشات.
وزوجة نتنياهو، سارة، أمرت رجاله بجمع المعلومات حول تقديرات رؤساء الأركان ووزراء الدفاع بشأن تعزيز قوة حماس، وذلك في الأسابيع الأولى للحرب. وقد عين نتنياهو أيضا متحدثا خاصا للتحدث مع المراسلين العسكريين، إيلي فيلدشتاين، الذي كانت مهمته الرئيسية إلقاء المسؤولية عن المذبحة على كبار قادة الجيش الإسرائيلي. وحاول مكتب رئيس الحكومة إجبار الجيش على تمويل عمل فيلدشتاين وذلك من خلال تجنيده في الاحتياط في وحدة المتحدث بلسان الجيش، ولكن الوحدة رفضت ذلك. وتم أيضا توثيق مستشار آخر، يونتان أوريخ، في ملجأ تحت الأرض وهو يرتدي الزي العسكري رغم أنه لم يتم تجنيده في الاحتياط أبدا. ويواجه المستشاران اشتباها جنائيا في قضية قطر وتسريب الوثائق لصحيفة "بيلد" الألمانية. هذه القضايا تتعلق بتداعيات أخرى لتحركات نتنياهو ورجاله في الحرب. ففي القضية الأولى، شغل المكتب عناصر استخبارات احتياطية من أجل الحصول على وثائق سرية جدا من شعبة الاستخبارات لاستخدامها، ثم سربها لصحيفة "بيلد" في محاولة للتنصل من المسؤولية عن قتل المخطوفين الستة على يد حماس في نفق في رفح. أما في قضية قطر، فإن الاشتباه يتمحور حول استخدام مستشارين كـ "عملاء تأثير" في المكتب الأكثر أهمية في الدولة. القاسم المشترك بين كل هذه الاشتباهات هو سهولة تنفيذ هذه التحركات بشكل مريب.
ففي عهد نتنياهو، وخلال السنوات الأخيرة، تلاشت كليا خطوط الفصل بين الساحة السياسية والساحة الأمنية. ويسعى مكتب رئيس الحكومة لأغراض خاصة إلى طمس كل الخطوط الحمر التي رُسمت في السابق في تعامله مع المستوى الأمني ومع أجهزة الاستخبارات.
هذه المقاربة تواجه نقطة ضعف مستمرة داخل الجيش الإسرائيلي، بالذات في شعبة الاستخبارات – أهم فروع هيئة الأركان العامة وأكثرها نفوذا. ولا يُعتبر تجنيد جنود الاحتياط لمهمة سياسية واضحة التجاوز الوحيد للخطوط الحمر، فقد سبقته اتصالات متكررة بين فيلدشتاين وموظفي أمن المعلومات في شعبة الاستخبارات العسكرية "أمان"، بما في ذلك نقل وثائق سرية جدا، مع تعريض أحد المصادر الاستخباراتية المهمة جدا في قطاع غزة، وقضية تهريب واسعة النطاق لقطاع غزة، التي أفادت حماس بشكل غير مباشر، ويُعتبر بتسلئيل زيني، شقيق رئيس الشباك، أحد المشتبه فيهم الرئيسيين فيها، وضغط نتنياهو على رئيس الموساد ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية والسكرتير العسكري من أجل تقديم شهادات حول احتياجات أمنية مُلحة، التي ستُعفيه من استجوابه المضاد في المحكمة، وقضية أمنية أخرى تم الكشف عنها مؤخرا وما زالت تفاصيلها تخضع لمنع النشر. إن تجاوز الخطوط الحمر لم يكن ممكنا لولا الاضطرابات التي سادت في الجيش الإسرائيلي بسبب الحرب. نحن نشاهد الآن انهيارا شاملا وواسع النطاق للأعراف، من أعلى الهرم إلى أسفله، وهذا يذكرنا بالجيش الأميركي في حرب فيتنام وكذلك بالأضرار خلال حرب لبنان الأولى في بداية الثمانينيات.
وأبرز تلك الأضرار جاء نتيجة لطول الحرب وآثارها السلبية التي لم تنتهِ كليا لغاية الآن، والتي تجاوزت في مدتها حرب الاستقلال. ولا يمكن تجاهل تأثير اتجاهين عميقين آخرين؛ الأول: الفظائع التي ارتكبتها حماس في المذبحة نفسها ضَعْضَعَت استقرار الجيش كله. فقد صدمت القادة والجنود وأثارت الرغبة في الانتقام. ولأنها كشفت ضعف القيادة العليا ومسؤوليتها، فقد حرمتها في الواقع من القدرة على مراقبة الجنود ووضع معايير أخلاقية مناسبة لها.
والثاني: عندما أعلنت حاشية رئيس الوزراء كلها – المستشارين والمدافعين عنه وأعضاء الكنيست في حزب الليكود – حربا مفتوحة ضد جهاز القضاء منذ سنوات، فلماذا قد يفكر أي جندي أدنى منه بجدية في القيود التي يفرضها القانون؟