Thursday 19th of July 2018 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    28-Jun-2018

فيليتسيا لانغر.. المناضِلة «اليهودية» التي غيّبها الموت - محمد خروب

الراي - في الثاني والعشرين من الشهر الجاري غادرت دنيانا الفانية مناضِلة يهودية شجاعة، كانت أول من اقامت مكتباً خاصاً في القدس المحتلّة للدفاع عن المعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال، مُعلنِة بنفسٍ

ممتلئة بالثقة وقيم «الحق الإنساني» لكل بني البشر, والرافضة للتعصّب والتطرّف «انها جزء من إسرائيل (الأُخرى)، وأنها مع العدالة وضد كل مَن يعتقد ان ما يترتّب على الهولوكوست.. هو الكراهِية والقسوَة وعدم
الحساسِية».
أدركَت فيليتسيا لانغر، التي حملت شهادة المحاماة من الجامعة العبرية في القدس وانتمت سياسياً إلى الحزب الشيوعي الإسرائيلي «راكاح»، ان دورها الإنساني والأخلاقي والقِيمي, يتقدّم على الفضاء الضيِّق الذي يوفِره العمل الرتيب في المهنة, فقرّرت بعد تفكير عميق تكريس جهودها وكل ما توفرَت عليه من ثقافة قانونِية وصلابة انسانية.. الدفاع عن «مواكِب» المعتقلين والمناضلين الفلسطينيين, الذين بدأ الاحتلال الصهيوني الزَجّ بهم في غياهب السجون, مخترِعا لوائِح اتهام مُفبرَكة, شملت كل من يرفض الاحتلال ولا يعترِف بإجراءاته القمعية, ولم يكن الكفاح المسلح (الإرهاب في عُرف اسرائيل وبعض العرب) قد بدأ يأخذ طابعاً أكثر اتساعاً افقياً وعامودياً, مما كان عليه عند بداياته المتواضِعة قبل عدوان 5 حزيران 67.
لكن السيدة الشجاعة.. في النهاية, وبعد عقدين من مقارعة الاحتلال «اعترفت» انها لم تستطِع إنجاز ما كانت حلُمت بتحقيقه, عندما واجهَت تضييقات الاحتلال ومطاردته المستمرة لها, عبر حملات التخوين ووصفها بـ»الجاسوسَة التي تخدِم الأغيار», بل انها ذات يوم.. اشتكت بان ابنها وابنتها تتم مطاردتهما من قبل زملائهما, لأن أمهما «جاسوسة وتدافع عن المخرِبين».. ولم يكن أمامها سوى «الإقرار بمرارة» بأنها لم تحرِز نجاحا يُذكر امام آلة القمع والكذب الاسرائيلية. فأعلنَت تخلّيها عن الجنسية الإسرائيلية, وقامت بمغادرة «هذا الوطن الكاذِب.. بلاد السمن والعسل التي اختارها االله كي تكون وطناً للشعب المختار, على أنقاض شعب
الأغيار.. حتى لو حوَّلوه إلى جثثٍ في السجون والقبور.. على حد سواء».
يروي مناضِلون فلسطينيون ومعتقَلون سابقون دافعت عنهم وجمعتهم علاقة صداقة عميقة مع هذه المناضِلة اليهودية الشجاعة, التي حازت على جوائز دولية عديدة تقديراً لصلابتِها وصمودِها امام تحرّشات ومطاردات وحملات التشويه المبرمَجة التي طاولتها... كيف انها لم تتراجَع عن الدفاع ببسالة...عنهم, وتفنيد وفضح ممارسات قوات الاحتلال وبخاصة محاكمه العسكرية وتلك المُسمّاة محكمة العدل العليا, التي «تُشرعِن» فاشية الاحتلال وعنصريته ولا انسانيته, وكيف انها تواصلَت مع عائلاتهم ولم تبخَل بوقتها او اي او فعل يمكنها القيام به, من اجل تعرِية الاحتلال ومحاكمته في الداخل الاسرائيلي وخارجه. ولهذا استحقّت عن جدارة وبعد مغادرَتها اسرائيل نهائياً في العام 1990 لتستقر في ألمانيا التي تحمل جنسيتها, جائزة «الحق في الحياة» المعروفة باسم جائزة «نوبل البديلة للشجاعة المثالية», في نضالها من اجل الحقوق الاساسية للشعب الفلسطيني في العام ذاته الذي تخلّت فيه عن جنسيتها الاسرائيلية. كما تم منحها جائزة برونو كرايسكي للانجازات المتميزة في مجال حقوق الإنسان في العام 1991) برونو كراسيكي لمن لا يعرِفه هو المستشار النمساوي «اليهودي» الأسبق, تولّى منصب المستشارية طوال ثلاثة عشر عاماً 1970- 1983 وكان من «أشرس» المدافعين عن الحقوق الفلسطينية والمنتقِد اللاذع لسياسات حكومات اسرائيل المتعاقِبة, لم يتردّد المتطرفون الصهاينة في نعته بـ»اللاسامية» رغم كونه يهودياً, وانه «نسِيَ ان يكون يهودياً», ومع ذلك لم يتراجَع عن دعمه للحقوق الفلسطينية وإدانته التي لم تتوقّف للاحتلال وممارساته وإجراءاتِه.
سيرة فيليتسيا لانغرالمحترَمة ودفاعها الصلب عن المعتقلين الفلسطينيين ومرافعاتها امام محكمة العدل العليا ضد قرارات إبعاد المناضلين الفلسطينيين, ألهمت شخصيات اسرائيلية اكاديمِية وحقوقِية وفنِية وحتى عسكرية, للإنخراط مبكرا في الحركات الرافضة للاحتلال, وظهر لاحقا المؤرخون الجدد المشكّكون في الرواية الصهيونية, وعلى رأسهم ايلان بابيه صاحب الكتاب الأشهر «التطهير العِرقي في فلسطين», وحركة السلام الآن, وأُمهات في السواد و»يِش دين» اي «يوجد قانون» وغيرها ممن تبلّوَر في الفضاء الصهيوني العسكري, مثل حركة «نكسر الصمت» فضلا عن بروز مناضلة اخرى من قماشة فيليتسيا لانغر اسمها «ليئا تسيمل»، شكّلتا ثنائِياً صلباً ومثيراً للإنطباع, رغم انهما من مرجعيات سياسية ذات ايديولوجيا متعارِضة حدود التناقض (إن جاز القول). فالأولى (لانغر) شيوعية فيما الثانية (تسيمل) تنتمي الى حركة «ماتزبِن» التروتسكية, لكنهما التقتا على مبدأ «الحق الانساني» للدفاع عن حقوق المعتقَلين والاسرى الفلسطينيين.. وسجّلت كل منهما اراءَها ومواقفها وتجاربها, في كتب قامت كل واحدة بتأليفها, تمحورت كلها هو القضية التي نذرتا نفسيهما للدفاع عنها. وإن كانت «لانغر» اكثر غزارة في التأليف (بلغ عددها تسعة كتب) واشهرها كتابها الاول «بأمّ عيني» (1974 (والثاني «هؤلاء إخواني» في العام 1979 ،وجاء آخرها بعنوان «الانتفاضة الفلسطينية الجديدة» (2001 ،(فيما لم تكتب ليئا تسيمل سوى كتابها الموسوم «من حقِّك ان لا تقول شيئاً», كان ترجمة لما دأبت عليه بدعوة المعتقلين الفلسطينيين بعدم الإعتراف في أقبية التعذيب. رحلت فيليتسيا لانغر عن عمر يناهز 88 عاماً في ألمانيا, بعد إعلانها القطيعة التامة مع نظام الاحتلال, رافضة ان تكون «ورقة التين لهذا النظام» قائلة: أُريد ترك بلدي.. ليكون نوعاً من التظاهر والتعبير عن اليأس والإشمئزاز من النظام. لأننا لسوء الحظ لا نستطيع الحصول على العدالة للفلسطينيين».
لترقد روح هذه المناضِلة اليهودية الشجاعة بسلام, علّ بعض العرب يستلهمون سيرتها ويتأملون ما انطوت عليها مسيرتها النبيلة من قِيم إنسانية عُليا, بدل أن يتساوَقوا مع طروحات العدو الصهيواميركي, وينخرطوا في مشروع العار الجاري العمل عليه.. لتصفية القضية الفلسطينية.
kharroub@jpf.com.jo
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات